وكتب الباحث في مجلس الأطلسي، آرييل كوهين، أن الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط تتغير، وأن نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة يبدو في تراجع.
وأشار في سياق حديثه عن اقتراب طهران وواشنطن من اتفاق محتمل إلى أن هذا الوضع، بالنسبة لمن يدرسون المنطقة منذ عقود، يبدو وكأنه "انتزاع الهزيمة من بين أحضان النصر".
وأضاف أن ما هو على المحك هو مصداقية القوة العالمية للولايات المتحدة، مستشهدًا بالحرب العالمية الثانية، حين أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا النازية عقب غزو بولندا، لكنها لم تتخذ خلال ستة أشهر أي إجراءات فعّالة تقريبًا، وهي مرحلة عُرفت لاحقًا باسم "الحرب الزائفة" أو "الحرب الوهمية". وحتى عندما انسحبت القوات البريطانية بصعوبة من شواطئ دونكيرك، كان بعض قادة لندن يدعون إلى التفاوض مع أدولف هتلر.
وتابع أن تحديد أهداف واضحة للحرب شرط أساسي لتحقيق النصر العسكري، مشيرًا إلى أن أهداف واشنطن، كما أعلنها الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية، ماركو روبيو، كانت واضحة: منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وإضعاف قدراتها الصاروخية الباليستية، وتفكيك أو تقليص شبكة القوى الوكيلة التي تستخدمها طهران لفرض نفوذها في الشرق الأوسط، بما في ذلك حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن.
في ظل غموض مسار المفاوضات، أشارت الصحيفة إلى استمرار ما وصفته بـ "الحصار البحري" للموانئ الإيرانية.
وبحسب كوهين، فإن هذه الأهداف كانت ذات أهمية استراتيجية قصوى، إلا أن الإطار التفاوضي الجاري تشكيله لا يبدو أنه يحقق أيًا من الشروط اللازمة لسلام دائم، بل قد يتحول إلى تسوية مؤقتة تخفي فشلاً استراتيجيًا أعمق.
وفي ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، قال الكاتب إن العقدة الأساسية لا تزال قائمة، مع استمرار إصرار طهران على أنها لم تقبل المقترحات المتعلقة ببرنامجها النووي، وهو ما اعتبره بحد ذاته إنذارًا خطيرًا.
وأضاف أن أي اتفاق يجب أن يتضمن تسليم مخزون إيران من المواد النووية، وتفكيك أجهزة الطرد المركزي على شكل "سلاسل"، وتدمير منشآت إنتاج الماء الثقيل، مشيرًا إلى أنه لم يتم التوصل إلى أي اتفاق بشأن هذه البنود حتى الآن.
وحذّر من أنه في حال بقاء البنية التحتية النووية الإيرانية، فإن واشنطن ستترك فعليًا دولة قادرة، متى ما قررت قيادتها، على التحرك بسرعة نحو إنتاج سلاح نووي، كما كان الحال في صيف 2025.
واعتبر كوهين أن هذا لا يعني حل الأزمة، بل مجرد تأجيل للأزمة التالية، على غرار الاتفاق النووي في عهد باراك أوباما مع إيران.
وفي سياق متصل، أشار المقال إلى أن تقليص الضغوط قبل حسم ملف اليورانيوم المخصب يُعد "مقامرة مكلفة"، بحسب توصيف صحيفة "وول ستريت جورنال".
الصواريخ والقوى الوكيلة لا تزال قائمة
أضاف الكاتب أن ما يثير القلق بالقدر نفسه هو استمرار البنية الواسعة للنفوذ الإقليمي لطهران، بما في ذلك قوة الصواريخ الباليستية وشبكات القوى الوكيلة.
وأشار إلى أنه في أي اتفاق محتمل لا يوجد أي التزام بنزع السلاح الصاروخي، ناهيك عن وجود آليات تنفيذية لمنع نقل الأموال أو الأسلحة أو المدربين العسكريين الإيرانيين إلى تلك الجماعات الوكيلة.
كما لفت إلى أن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أعاد تأكيد دعم طهران غير المشروط لـحزب الله.
وأضاف أن قيادة الحزب هددت بزعزعة الاستقرار في لبنان، وتواصل مطالبة الحكومة اللبنانية بوقف أي محادثات سلام مع إسرائيل.
وبحسب الكاتب، فإن خلاصة ذلك هي أن النظام الإيراني لم يتراجع عن أهدافه الاستراتيجية، بل يكتفي بشراء الوقت.
اقتصاد بدل الاستراتيجية؟
يرى الكاتب أن منطق هذا التراجع الظاهري للولايات المتحدة واضح، إذ إن إدارة ترامب قلقة بشدة من الضغوط التضخمية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، خاصة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المسال وتكاليف النقل والتأمين نتيجة عدم الاستقرار في المنطقة الخليجية. وفي المقابل، تسعى طهران إلى إطالة أمد المفاوضات حتى موعد الانتخابات.
غير أن كوهين شدد على أن استبدال الاعتبارات الاقتصادية بالانضباط الاستراتيجي في التعامل مع الحرس الثوري الإيراني يمثل، عبر التاريخ، وصفة للفشل.
وختم بالإشارة إلى أن طهران، مع اعتمادها المتزايد على التعاون مع موسكو وبكين، لم تعد تتصرف كفاعل إقليمي معزول، بل أصبحت جزءًا من تحالف أوسع مناهض للغرب يتحدى موقع الولايات المتحدة العالمي.
تهديد للنظام الدولي
من وجهة نظر الكاتب، هناك مسألة أخرى أيضًا: تهديد المصالح العامة العالمية. فإذا تمكنت طهران من الحفاظ على أداة الضغط الفعّالة التي تمتلكها في مضيق هرمز، فإن ذلك سيؤسس لسابقة خطيرة في النظام الدولي.
ويشير إلى أن طهران تستخدم موقعها الجغرافي كسلاح ضغط للحصول على تنازلات من الولايات المتحدة، وإذا نجحت في ذلك، فإن قوى أخرى تسعى إلى مراجعة النظام القائم ستتبع النهج نفسه.
اليوم مضيق هرمز وغدًا باب المندب أو البوسفور أو مضيق ملقا
يرى الكاتب أن تداعيات هذا الوضع ستكون عميقة، إذ ستتحول الممرات البحرية إلى ساحات عسكرية بشكل دائم، ما يؤدي إلى تضخم عالمي مزمن وانعدام أمن الطاقة، الأمر الذي يفاقم تآكل النظام الدولي القائم على القواعد منذ عام 1945، والذي يشكل أساس التجارة العالمية.
رسالة خطيرة إلى الصين
يؤكد آرييل كوهين، في مقاله، أن أخطر ما في هذا المسار ربما يكون الرسالة التي تصل إلى بكين. فالفجوات الاستراتيجية تُملأ سريعًا، والردع في جوهره ظاهرة نفسية؛ وعندما يتشكل انطباع بالضعف، فإن الخصوم يصبحون أكثر جرأة لاستغلاله.
كما يشير إلى أن التحالفات الكبرى هي مفتاح النجاح، لكن واشنطن دخلت في أزمة الخليج الأخيرة دون تنسيق كافٍ مع حلفائها في "الناتو" والشركاء الأوروبيين، في وقت تتواصل فيه التوترات حول أوكرانيا وغرينلاند، ما يضع هيكل التحالفات الأمريكية الواسع تحت ضغط متزايد.
كيف تفقد القوى العظمى مصداقيتها؟
بحسب الكاتب، فإن القوى العظمى تفقد مصداقيتها أولاً تدريجيًا ثم بشكل مفاجئ.
ويرى أن أزمة مضيق هرمز جزء من مسار طويل بدأ بالاستجابة الضعيفة للغرب تجاه الهجوم الروسي على جورجيا عام 2008، وتواصل مع ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، وتفاقم مع الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
ويحذر من أنه إذا تراجعت واشنطن الآن عن تدمير القدرات الردعية والضاغطة للنظام الإيراني، فإن الحلفاء والخصوم على حد سواء سيتلقون رسالة مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على قول "لا" والالتزام به فعليًا.
ويخلص إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك القدرة على قيادة العالم، لكن هذه القيادة تتطلب وضوحًا استراتيجيًا، وإرادة سياسية، واستعدادًا للالتزام الحقيقي بالخطوط الحمراء.