وما بدأ كصدام عسكري وجيوسياسي تحول إلى صراع على التحمل الاقتصادي، وهو صراع لا تبدو إيران ولا الاقتصاد العالمي قادرين على تحمله إلى أجل غير مسمى.
وبعد أسابيع من التصعيد، استعادت الدبلوماسية زخمها؛ إذ تكثفت المحادثات التي تشارك فيها طهران وواشنطن ووسطاء إقليميون، في حين ألمح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مراراً إلى أن التوصل إلى اتفاق قد يكون قريباً.
وفي قلب المفاوضات الأخيرة تقبع مسألة الأصول الإيرانية المجمدة؛ إذ يطالب المسؤولون الإيرانيون بضمانات للوصول إلى مليارات الدولارات المحتجزة في الخارج قبل قبول أي تفاهم أولي، في حين تشير تقارير من طهران إلى أن قطر قد تكون بصدد استكشاف آليات مالية تسمح بتحويلات محدودة دون مدفوعات أميركية مباشرة إلى إيران.
الأسواق في "المنطقة الحمراء"
تعكس هذه الدبلوماسية الضغوط المتزايدة على كلا الجانبين. فقد حذر مدير وكالة الطاقة الدولية، في مايو (أيار) الجاري، من أنه ما لم يتم إحراز تقدم نحو إنهاء الأزمة مع إيران، فإن سوق النفط العالمية قد تدخل "المنطقة الحمراء" بحلول الصيف.
وبدءاً من منتصف مارس (آذار) الماضي- أي بعد نحو أسبوعين من تحرك إيران لتعطيل الملاحة في مضيق هرمز- بدأت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية في السحب التدريجي من الاحتياطيات البترولية الاستراتيجية لتعويض الانخفاض الحاد في صادرات الطاقة من الخليج. وبحسب تقديرات السوق، فقد تم بالفعل ضخ مئات الملايين من البراميل من المخزونات الطارئة في محاولة من الحكومات لاستقرار الأسعار ومنع حدوث صدمة أوسع في الإمدادات.
ولكن الاحتياطيات الاستراتيجية ليست غير محدودة. وحتى عند احتساب المخزونات التجارية، فإن جزءاً فقط من سعة تخزين النفط العالمية يمكن ضخه واقعياً في السوق؛ إذ إن جزءاً كبيراً من المخزونات العالمية مرتبطة بالبنية التحتية التشغيلية، كما تواجه العديد من الحكومات قيوداً قانونية وسياسية تحظر الاستنزاف الشديد للاحتياطيات الطارئة خارج ظروف الحرب.
الإنهاك الاقتصادي لطهران وواشنطن
أصبح هذا العبء مرئياً بشكل متزايد في جميع أنحاء الاقتصاد العالمي؛ حيث أدت أسعار الطاقة المرتفعة إلى إضعاف نمو الطلب وأثارت مخاوف الركود في الاقتصادات الكبرى، في حين يستمر اضطراب الشحن بالمنطقة الخليجية في ضخ حالة من التذبذب في الأسواق العالمية.
وفي المقابل، تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية متصاعدة خاصة بها. فقد انخفضت صادرات النفط الخام والمشتقات البترولية- التي تشكل حصة الأسد من عائدات التصدير للبلاد- بشكل حاد تحت وطأة ظروف الحصار. كما واجهت منشآت الصلب والبتروكيماويات الإيرانية اضطرابات وهجمات متكررة خلال الصراع.
ووفقاً لتقديرات شركة "كبلر"، لتحليلات الشحن البحري، فإن المخزون النفطي العائم لإيران بالقرب من مياه شرق آسيا قد انخفض بشكل حاد في الأسابيع الأخيرة، حيث تكافح طهران للحفاظ على صادراتها إلى الصين رغم القيود اللوجستية المتزايدة.
وتمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها خيارات تصعيد كبيرة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، في حين يبدو أن قدرة إيران على تحمل مواجهة مطولة مرتبطة بشكل متزايد بقدرتها على الاستمرار في تهديد طرق الشحن والاستقرار الإقليمي.
ومع ذلك، تواجه واشنطن أيضاً حدوداً لقدراتها؛ فأزمة الطاقة المطولة، وارتفاع أسعار النفط، والمخاوف من اندلاع حرب إقليمية أوسع نطاقاً، تشكل ضغوطاً متزايدة على الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج لتأمين تفاهم مؤقت على الأقل مع طهران.
وهذا الضغط يفسر التجدد الطارئ والمستعجل المحيط بمحادثات الدوحة. وما يبدو واضحاً بشكل متزايد الآن هو أنه لا الاقتصاد الإيراني ولا الاقتصاد العالمي يمكنهما تحمل المسار الحالي لفترة أطول.
ولم يعد السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان الضغط الاقتصادي ملموساً أم لا، بل هو: هل ستجبر هذه الضغوط الأطراف على تقديم تنازلات قبل أن تؤدي أي حسابات خاطئة إلى جولة أخرى من التصعيد؟