تصريحات رجال الدين الحادة في التجمعات الليلية، والبيانات التلفزيونية للمسؤولين من المستويات المتوسطة وصولاً إلى الخطابات الرسمية لكبار المسؤولين في المفاوضات، ووسائل التواصل الاجتماعي، وفي النهاية الرسائل المكتوبة للمرشد الأعلى للنظام، كلها تستند إلى هذا الأسلوب.
قصة "أشعلت النار في رأسمالي" معروفة: بائع في السوق تعثّر عمله وتكدست بضاعته، فيرسل مساعده إلى السوق وهو يحمل غالون نفط ليصرخ: "صاحب المتجر فقد عقله، يريد أن يحرق كل شيء!".
فيهرع الناس خوفًا طمعًا في البضائع الرخيصة، بينما يصرخ البائع نفسه: "سأحرق كل شيء…" حتى تُباع البضائع بسعر أعلى.
والآن يبدو أن النظام الإيراني يستخدم التهديد والاستعراض بطريقة مشابهة لبيع أفكاره داخليًا وإقليميًا وعالميًا.
من على المنابر، يهدد رجال الدين المعارضين في الداخل بالموت. وفي الخارج يهدد نائب رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، محمود نبويان، حكام الدول العربية قائلاً إن "لا قصر سيبقى سالمًا".
ويتحدث وزير الخارجية، عباس عراقجي، على شبكات التواصل عن "رد طويل ومؤلم".
يستخدم المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، لغة استعراضية حتى في المؤتمرات الدبلوماسية.
ويتحدث رئيس القضاء غلام حسين محسني إيجئي عن "عدم القابلية للفرض".
وأما القائد السابق في الحرس الثوري، حسين كنعاني مقدم، فيعترف بأن "خطاب التهديد هو أحد أساليب مواجهة العدو".
وهكذا أصبحت مؤسسات النظام تتحدث بلغة واحدة؛ وهذا ليس مصادفة، بل أسلوب حكم.
الأساس الفقهي
خلف هذا الخطاب يوجد إطار فقهي-أيديولوجي يرتكز على أن: إخافة العدو تُعد بحد ذاتها نوعًا من النصر.
وخلال الحرب الإيرانية- العراقية، أعادت شخصيات، مثل المنشد الإيراني الشهير، صادق آهنكران، ورجل الدِين، غلام علي سبزواري، إحياء هذا الأسلوب عبر مكبرات الصوت في الجبهات، وأصبح جزءًا رسميًا من الحرب.
كان دور "المُنشِد الاستعراضي" حينها محدودًا في الجبهات أو الخطاب الداخلي. أما اليوم فقد خرج هذا الأسلوب من إطاره السابق وانتشر في كل مؤسسات النظام.
وحين يتحول وزير الخارجية إلى خطاب تهديد على منصة "إكس"، فإن الاستعراض يحل محل الدبلوماسية.
وحين يهدد نائب في البرلمان قادة الدول الأخرى بدلاً من الحديث عن التشريع والميزانية، يصبح الاستعراض بديلاً عن العمل البرلماني.
وحين يتحدث رئيس القضاء بلغة تهديد بدلاً من الحديث عن القضايا والأحكام، يتحول القضاء نفسه إلى خطاب استعراضي.
وحتى فريق التفاوض يستخدم اللغة نفسها المستخدمة في المنابر.
وهكذا أصبح الاستعراض لغة النظام المشتركة، وليس مجرد أداة.
خلل خلف الخطاب
لكن لماذا وصل النظام إلى هذا الأسلوب؟
الإجابة بسيطة: لأنه لم يعد يملك شيئًا آخر. إنه يشبه البائع المتعثر الذي فقد كل شيء.
نظام فشل في الدبلوماسية، وفي الاقتصاد، وفي التفوق العسكري، وفي كسب المجتمع، ولم يبقَ له سوى التهديد.
يرسل أفراده في كل اتجاه ليصرخوا: "صاحب المتجر فقد عقله!".
ويعتقد النظام أن التهديد يخفي ضعفه، لكن الخوف سلاح ذو حدين. فكلما زاد التهديد، لا يرى الناس قوة بل ضعفًا متزايدًا.
وفي إيران 2026، مع تضخم مرتفع، وبطالة واسعة، وانقطاع الإنترنت، واقتصاد على حافة الانهيار، لم تعد التهديدات تثير الخوف، بل أصبحت أقرب إلى كوميديا سوداء تثير السخرية.