وقد بدأت الحملة العسكرية للولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واستمرت حتى 7 أبريل (نيسان) الجاري بهدنة لمدة أسبوعين. وقد مدّد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مساء الثلاثاء 21 أبريل هذه الهدنة، لكن حصار مضيق هرمز والموانئ الجنوبية لإيران من قِبل الولايات المتحدة لا يزال مستمرًا.
وقال الباحث البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات والاستراتيجي السابق للعقوبات في وزارة الخزانة الأمريكية، ميعاد ملكي، في ندوة "إيران إنترناشيونال" إن النظام الإيراني على مدى العقود الماضية هدد مرارًا بإغلاق مضيق هرمز، لكنه لم يتخذ أبدًا أي خطوة لتهيئة الاقتصاد لتبعات مثل هذا الإجراء، بما في ذلك الحصار البحري.
وبحسب ملكي، لم يطرح مسؤولو النظام هذا السؤال: ماذا سيحدث لـ 455 مليون دولار من التجارة اليومية لإيران التي تعتمد على عبور مضيق هرمز في حال إغلاق هذا الممر الاستراتيجي، وهل يستطيع الاقتصاد الإيراني الصمود أمام هذا الوضع أم لا.
وأضاف أن الإجابة عن هذه الأسئلة أصبحت أكثر وضوحًا في ظل الحرب والحصار والأزمة النقدية والضرر الذي لحق بالقطاعات الرئيسية للتصدير في إيران؛ وهي عوامل زادت الضغط على طهران بوتيرة أسرع من منافسيها.
وأكد ملكي أنه رغم أن الاضطراب في مضيق هرمز يحمل مخاطر جدية على أسواق الطاقة العالمية، فإن اعتماد الاقتصاد الإيراني على هذا الممر المائي جعل طهران أكثر عرضة للضرر مقارنة بالدول التي تسعى للضغط عليها.
وقال مدير السياسات في منظمة "الاتحاد ضد إيران النووية"، جيسون برادسكي، في الندوة أيضًا، إن ترامب يبدو أنه يسعى لاختبار نقطة ضعف النظام الإيراني هذه من خلال "استراتيجية قائمة على الدبلوماسية القسرية المدعومة بالقوة العسكرية".
وأضاف برادسكي: "إنه يطرح الخيار العسكري أولاً ويهيئ الأرضية لعمل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، ثم يقدم مسارًا للخروج الدبلوماسي للنظام الإيراني، ويحدد الشروط الأميركية ويضع مهلة زمنية، وإذا لم يستجب النظام، يشن هجومًا".
والجدير بالذكر أن الحصار البحري لموانئ إيران الجنوبية بدأ في 13 أبريل الجاري.
أي طرف سيتراجع أولاً؟
في الندوة العامة لـ "إيران إنترناشيونال"، دارت النقاشات مرارًا حول هذا السؤال الأساسي: أي طرف سيتراجع عن موقفه أولاً أمام الضغوط: طهران أم واشنطن أم الاقتصاد العالمي؟
وزاد الحصار البحري من الضغوط على التجارة الإيرانية. وفي الوقت نفسه، أدى إحداث النظام الإيراني اضطرابًا في مضيق هرمز إلى تحويل هذه المواجهة إلى اختبار لقدرة الصمود الاقتصادي لكل من طهران وواشنطن وكبار مستهلكي الطاقة في آسيا.
وقال مدير القسم الرقمي في "إيران إنترناشيونال" ومُدير الندوة، بزركمهر شرف الدين، إن إحداث النظام الإيراني اضطرابًا في مضيق هرمز يعني في الواقع أن طهران "تفرض عقوبات على العالم"، بينما يُظهر الحصار الأميركي كيف تنفذ واشنطن العقوبات بالاعتماد على القوة العسكرية.
بينما أضاف ميعاد ملكي، في تصريحاته، أنه في حال حدوث أزمة طويلة الأمد في مضيق هرمز، فإن اقتصادات الدول الآسيوية ستكون أول الضحايا الرئيسيين على الساحة الخارجية، نظرًا لاعتمادها الكبير على تدفق الطاقة عبر هذا الممر.
ومع ذلك، أكد أن التداعيات العالمية لا تغيّر ميزان الضعف الأساسي.
وأضاف الباحث البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: "تتصدر آسيا القائمة. كوريا الشمالية واليابان والصين والهند تحصل على نحو 89 إلى 90 في المائة من نفطها و75 في المائة من غازها الطبيعي عبر مضيق هرمز. الولايات المتحدة ليست الهدف المباشر الرئيسي لتداعيات هذا المضيق، لكن ما يحدث في هذه الدول يؤثر أيضًا على الاقتصاد الأميركي".
وبحسب ملكي، فإن إيران تملك وقتًا أقل بكثير للتعامل مع هذه الصدمة، وأضاف: "الوقت يمر بالنسبة للاقتصاد الإيراني أسرع بكثير مما هو عليه بالنسبة لنا".
وأضاف: "ومع ذلك، أظهرت التجربة أن النظام الإيراني لا يعطي اهتمامًا كبيرًا (لمشكلات المواطنين)، حتى لو واجه الناس الجوع أو أزمات اقتصادية خطيرة".
وقال برادسكي إن ترامب قد يكون أكثر استعدادًا مما يتوقعه كثيرون لمواصلة الضغط على النظام الإيراني، لأنه في ولايته الثانية ويفكر في إرثه السياسي.
وأكد أن واشنطن حققت نتائج من خلال استخدام القوة لم تتحقق عبر الدبلوماسية وحدها؛ من بينها، وفق بعض التقارير، دفع طهران إلى النظر في تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة عام.
آفاق سوق الأسهم والتضخم
قال الصحافي الاقتصادي البارز في "إيران إنترناشيونال" محمد ماشين تشيان، الرئيس السابق لأبحاث السوق في "إيكو إيران"، في هذه الندوة، إن سوق الأسهم الإيرانية أُغلقت لمدة ثمانية أسابيع، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ بورصة طهران.
وأضاف أن هذا الإغلاق أتاح لصناع القرار الإيحاء بأن الأسعار لا تزال في وضع طبيعي، في حين أن الحرب غيّرت قيمة الشركات والأصول وتوقعات المستثمرين.
وبحسب قوله، كانت السوق في وضع متأزم حتى قبل الحرب، لكن "الزيادات الاسمية" أخفت جزئيًا تأثير التضخم الذي تجاوز 70 في المائة.
ويُقصد بالزيادة الاسمية الارتفاع الظاهري في الأسعار أو المؤشرات دون احتساب أثر التضخم.
وقال ماشين تشيان إن النظام المصرفي مضطرب، وصناعة السيارات تواجه مشكلات جدية، وكانت السوق تعتمد بشدة على القطاعات التصديرية، مثل البتروكيماويات والصلب والشركات المرتبطة بالنفط والغاز، في حين أن كثيرًا من هذه القطاعات تضررت أو تعطلت بسبب الحرب.
وأضاف: "حتى لو أُعيد فتح السوق، فلن تبقى هناك بتروكيماويات ولا صلب. في مثل هذه الظروف، سيضطرون للاعتماد على البنوك وشركات السيارات وغيرها من الصناعات التي تعتمد هي نفسها في سلسلة التوريد على البتروكيماويات".
وتوقع ماشين تشيان أنه في حال استئناف التداول، فإن احتمال انهيار السوق مرتفع، حتى مع وجود قيود رسمية تمنع انخفاض أسعار الأسهم بأكثر من 5 في المائة يوميًا.
وأضاف: "لا يوجد أي منطق وراء ذلك، ومع ذلك يديرون الأمور بهذه الطريقة، وحتى في هذه الظروف، لا أعتقد أنهم سيتمكنون من فتح الأسواق".
وبحسب ماشين تشيان، وصلت الأزمة الاقتصادية في إيران إلى مرحلة يجب فيها قياس التضخم شهريًا لا سنويًا.
وقدّر أنه حتى في أفضل السيناريوهات، أي التوصل إلى اتفاق شامل مع الولايات المتحدة، قد يبلغ متوسط التضخم خلال بقية عام 2026 ما لا يقل عن 5 في المائة شهريًا.
وأضاف: "لم أعد أتحدث عن التضخم السنوي، بل عن التضخم الشهري، وهذه هي الحقيقة التي نواجهها".
وتابع أنه في سيناريو "لا حرب ولا سلم"، قد تتضاعف الأسعار ثلاث مرات خلال العام، وفي حال اندلاع مواجهة جديدة، قد يتجاوز التضخم الشهري 20 في المائة، ما يعني ارتفاعًا سنويًا يقارب 500 في المائة.
رفع العقوبات لن يكون سريعًا
قال ملكي إن حتى في حال التوصل إلى اتفاق دبلوماسي، فإن الاقتصاد الإيراني لن يتعافى بسرعة، لأن بنية العقوبات معقدة، والبنوك والشركات الخاصة لا تزال تتجنب أي تعامل مالي مع إيران.
وأضاف المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية أن تجربة الاتفاق النووي في عام 2015 أظهرت بوضوح مدى محدودية رفع العقوبات رسميًا، وحتى عندما حاولت الحكومة الأمريكية إتاحة وصول محدود إلى الموارد المالية، لم تكن البنوك مستعدة للتعاون مع إيران.
وتابع ملكي: "لم يتمكنوا حتى من العثور على بنك واحد. ليس فقط البنوك الأمريكية، بل حتى البنوك الصغيرة جدًا التي لا علاقة مراسلة لها بالبنوك الأمريكية لم تكن مستعدة للمساس بهذه الأموال. وفي النهاية اضطروا لإرسال الأموال نقدًا".
وبحسب قوله، فإن بنية العقوبات على إيران أكثر تعقيدًا وتعددًا من تلك المفروضة على سوريا، وقد يستغرق تفكيكها أشهرًا أو حتى سنوات.
وقال ملكي: "حتى لو جاءت اليوم حكومة ديمقراطية أو انتقالية في إيران وحلّت محل النظام الإيراني، فمن المحتمل ألا تتمكن من دفع رواتب موظفي الدولة لأكثر من أسبوع أو أسبوعين".
وكان هذا التحذير أحد النقاط الأساسية في ندوة "إيران إنترناشيونال": فاقتصاد إيران لا يعاني فقط من ضغوط الحرب، بل يواجه أيضًا مشكلات هيكلية عميقة قد تستمر حتى بعد انتهاء النزاع وأي اتفاق دبلوماسي قصير الأمد.
احتمال إرسال أموال نقدية إلى إيران
في قسم الأسئلة والأجوبة، سأل أحد الحاضرين ما إذا كان الوصول إلى أموال نقدية أو أصول مجمدة قد يمنح النظام الإيراني القدرة على إعادة بناء قدراتها بعد الحرب.
وقال برادسكي إن ذلك سيكون "أسوأ" إجراء ممكن، لأن إيران ستستخدم أي موارد مالية لإعادة بناء الهياكل العسكرية والأمنية التي تضررت خلال الحرب.
وأضاف: "أسوأ ما يمكن فعله في الظروف الحالية هو ضخ أموال نقدية للنظام. هذه الموارد ستُستخدم لإعادة بناء برامج الصواريخ والنووي والطائرات المسيرة، وكذلك كامل منظومة القمع".
وقال ملكي أيضًا إن نقل الأموال نقدًا بشكل مباشر غير مرجح بسبب القيود القانونية، لكن الوصول إلى الأصول المجمدة أو تخفيف العقوبات في قطاعات مثل المعادن والبتروكيماويات قد يمنح الجمهورية الإسلامية متنفسًا.
وأضاف أن هذه العوامل تلعب دورًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت إيران ستبقى تحت الضغط أو ستجد فرصة لإعادة البناء.