وذكرت الوكالة، يوم الخميس 22 يناير (كانون الثاني)، أن الاحتجاجات في إيران، التي انطلقت في البداية على خلفية أزمات اقتصادية، تحوّلت سريعًا إلى أوسع احتجاجات مناهضة للنظام منذ ثورة عام 1979م.
وفي مقابلة مع وكالة "فرانس برس"، روى مهندس في صناعة النفط عُرّف باسم "فرهاد"، تجربته خلال الاحتجاجات في مدينة قريبة من طهران.
وقال فرهاد، البالغ من العمر 45 عامًا والمقيم حاليًا في إسطنبول: "في اليوم الأول كان عدد الناس في الشوارع كبيرًا إلى درجة أن قوات الأمن كانت تكتفي بالحفاظ على مسافة تفصلها عنهم. لكن في اليوم الثاني أدركوا أن الناس لن يتفرقوا دون إطلاق نار".
وأضاف أنه كان يستقل سيارة مع شقيقته أثناء إطلاق النار: "رأينا نحو 20 عنصرًا عسكريًا ينزلون من سياراتهم ويبدؤون بإطلاق النار باتجاه شبّان كانوا على بُعد نحو 100 متر. رأيت الناس يفرّون، لكنهم كانوا يُطلقون النار عليهم من الخلف".
وتابع فرهاد: "أمام عيني رأيت أحد أصدقائنا، وهو طبيب، يُصاب في وجهه بشظايا رصاص بنادق الخرطوش". وقال فرهاد إنه لا يعرف شيئًا عن مصير صديقه ذلك.
وبعد وقت قصير من انطلاق التظاهرات مساء الخميس الثامن من يناير، قام النظام الإيراني بقطع خدمة الإنترنت في جميع أنحاء إيران. ومنذ ذلك الحين، باتت قنوات تواصل الإيرانيين مع العالم الخارجي شبه مقطوعة. ومع ذلك، فإن القليل من الشهادات والصور ومقاطع الفيديو التي وصلت ترسم صورة صادمة عن حجم القمع والقتل الممنهج بحق المواطنين.
المراكز العلاجية تحت سيطرة قوات الأمن
وأوردت وكالة "فرانس برس" في تقريرها، أن أبعاد القمع خلال الاحتجاجات الأخيرة في إيران تتكشف تدريجيًا؛ حيث أعلنت منظمتا العفو الدولية و"هيومن رايتس ووتش" أن عناصر الأمن في النظام الإيراني استهدفوا بشكل مباشر رؤوس المتظاهرين وأجزاء أجسامهم العلوية باستخدام البنادق وبنادق الخرطوش المحمّلة بكرات معدنية.
وأشار فرهاد إلى وقوع إطلاق نار عشوائي على المتظاهرين، وقال إن عددًا كبيرًا من الناس "قضوا داخل سياراتهم، لأن الرصاص كان يُطلق من أماكن مجهولة".
وأضاف أن الجرحى غالبًا ما يخشون التوجه إلى المستشفيات خوفًا من التبعات: "الناس لا يستطيعون الذهاب إلى المستشفى لأن عناصر النظام والشرطة موجودون هناك؛ فأي شخص يُصاب برصاصة أو بشظايا (الشاتغن) يتم اعتقاله واستجوابه فورًا".
وبحسب فرهاد، وبسبب استمرار السياسات القمعية، بات الأطباء يتوجهون إلى منازل الناس لتقديم الإسعافات والعلاج.
وأكد أحد أفراد الكادر الطبي، في رسالة صوتية أُرسلت إلى قناة "إيران إنترناشيونال"، أن قوات الأمن كانت تلتقط صورًا للجرحى، وأن العائلات كانت تخشى نقل أحبائها إلى المراكز الطبية خوفًا من التعرف عليهم واعتقالهم.
وذكرت صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية أنه خلال الاحتجاجات، قُتل ما لا يقل عن 16,500 إلى 18,000 متظاهر، وأُصيب ما بين 330,000 و360,000 آخرين.
الناس فتحوا بيوتهم أمام المتظاهرين
وقال فرهاد، في سياق حديثه لوكالة "فرانس برس"، إنه تعرّض للضرب بالهراوات من قِبل عنصرين يستقلان دراجة نارية، وكان يعتقد أن ذراعه قد كُسرت، لكنه امتنع عن الذهاب إلى المستشفى بسبب "المخاطر الجسيمة".
وأضاف أن كثيرًا من الناس "فتحوا بيوتهم أمام المتظاهرين لإيوائهم وتقديم الإسعافات الأولية لهم".
وأشار إلى أن قوات القمع الأمني أقامت حواجز تفتيش للتعرف على الأشخاص الذين تظهر عليهم آثار جروح مرتبطة بالاحتجاجات، أو الذين تحتوي هواتفهم على صور ومقاطع فيديو توثق الأحداث.
وقال: "الوضع خطير للغاية، لأنهم يفتشون الهواتف بشكل عشوائي. إذا وجدوا أي شيء مرتبط بالاحتجاجات، فإن الأمر ينتهي بالنسبة لك. كما يُجبرون الناس على رفع ملابسهم للتحقق من وجود آثار إصابات برصاص أو شظايا، وإذا لاحظوا أي علامة، يُقتاد الشخص فورًا إلى الاستجواب".
وأفاد مواطنون، في رسائلهم إلى "إيران إنترناشيونال"، بانتشار واسع لقوات الأمن وفرض أجواء تشبه الأحكام العرفية في المدن.
وكتبت الصفحة الفارسية لوزارة الخارجية الأميركية على منصة "إكس"، يوم أمس الأربعاء: "النظام في إيران دفع البلاد إلى حالة من الأحكام العرفية غير المعلنة؛ فعناصر مسلحون يسيطرون على الشوارع، وحظر التجول ونقاط التفتيش تعطّل الحياة اليومية".
هذا النظام لن يدوم
أعلن فرهاد عزمه على العودة إلى إيران، مؤكدًا: "لا أخاف إطلاقًا". وقال إنه رغم كل أشكال القمع، لا يزال الإيرانيون مستعدين للاحتجاج "لأنهم غاضبون جدًا".
وأعرب فرهاد، في إشارة إلى تعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، عن ثقته بأن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سيفي بوعده بالتدخل في إيران ودعم المتظاهرين.
وختم بالقول: "هذا النظام لن يدوم؛ فالجميع في إيران سئموا هذه الديكتاتورية، ولقد تحمّلناهم بما فيه الكفاية".