وبذلك، فإن ما طُرح قبل أشهر باعتباره تكهنات ومؤشرات على أنشطة إرهابية للنظام الإيراني داخل كندا، يتحول الآن تدريجيًا إلى حقيقة أمنية، مع الكشف عن وثائق قضائية، وإجراء فحوص بالستية للأسلحة، وأخيرًا صدور موقف رسمي عن أعلى هيئة استخباراتية في كندا.
التهديدات مستمرة خلال عام 2026
أعلنت هيئة الاستخبارات والأمن الكندية (سي إس آي إس)، ردًا على سؤال من "إيران إنترناشيونال"، أنها، رغم عدم قدرتها على الكشف عن تفاصيل القضايا الجارية بسبب ضرورة حماية مصادرها وأساليبها وطرق عملها، فإن تقييمات الأجهزة الأمنية تشير إلى أن الأنشطة التهديدية للنظام الإيراني ضد كندا وحلفائها ستستمر طوال عام 2026.
وشددت الهيئة الاستخباراتية على أن عناصرها يواصلون باستمرار التصدي لأجهزة الاستخبارات التابعة للحكومة الإيرانية والقوات التي تعمل بالوكالة عنها، وهي الجهات التي تستهدف أفرادًا وناشطين تعتبرهم طهران "تهديدًا للنظام".
وأوضحت هيئة الاستخبارات والأمن الكندية أنها نجحت في عدة قضايا في تنفيذ عمليات شملت تحديد المخططات المحتملة المميتة ومراقبتها واحتواءها وإحباطها، مؤكدة أنها تركز، بالتعاون الوثيق مع أجهزة إنفاذ القانون داخل البلاد وشركائها الدوليين، على رفع مستوى اليقظة لدى الفئات المستهدفة والحفاظ على أمن المواطنين.
"مرتزقة مأجورون" لخدمة أهداف سياسية
يوضح هذا التأكيد الرسمي الصادر عن هيئة الاستخبارات والأمن الكندية الأبعاد الميدانية لتقارير سابقة كشفت عن تشكل شبكة من "المرتزقة المأجورين" في منطقة تورونتو الكبرى.
وبحسب نتائج التحقيقات، تستغل شبكات إرهابية مجرمين محليين، بل ومراهقين أيضًا، وتجنّدهم عبر تطبيقات المراسلة المشفرة.
وكان النمط المتكرر لهذه الهجمات يتمثل في عمليات إطلاق نار خلال ساعات الفجر الأولى، باستخدام سيارات مسروقة، واستهداف مداخل أماكن محددة بالرصاص. وكان هناك شرط خاص يقضي بأن يصور المهاجمون أنفسهم أثناء إطلاق النار بكاميرات هواتفهم المحمولة، ثم يرسلوا مقاطع الفيديو إلى الجهات التي كلفتهم بالعمليات باعتبارها دليلًا على تنفيذها، حتى يحصلوا على أجورهم.
وأظهرت الفحوص التي أجرتها شرطة تورونتو أن السلاح الذي ضُبط خلال إحدى الهجمات لم يكن مرتبطًا بالاعتداءات التي استهدفت مواقع دبلوماسية فحسب، بل ارتبط أيضًا بعشرات حوادث إطلاق النار الأخرى في أنحاء المدينة؛ وهو ما يشير إلى نشاط شبكة إجرامية وعملياتية مشتركة لتنفيذ أهداف عابرة للحدود وأخرى داخلية.
الذراع التنفيذية للحرس الثوري
برز أحد أقوى الأدلة على ارتباط هذه الشبكة بطهران خلال قضية أمام المحكمة الفيدرالية الأميركية في نيويورك، حيث اعتُقل وحوكم محمد باقر سعد داوود الساعدي، أحد كبار قادة جماعة "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" المسلحة، المرتبطة بكتائب حزب الله العراقية والخاضعة لقيادة الحرس الثوري الإيراني، بتهمة إدارة عمليات إرهابية.
وبحسب لائحة الاتهام الصادرة عن محكمة نيويورك والوثائق التي قدمها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي)، اضطلع الساعدي بدور محوري في التخطيط والتنسيق لما لا يقل عن 18 هجومًا مسلحًا في أوروبا، وهجومين على الأراضي الكندية، من بينهما إطلاق النار على القنصلية الأميركية في تورونتو وكنيس يهودي.
وتؤكد التسجيلات الصوتية المنسوبة إلى الساعدي أنه تفاخر، قبل اعتقاله، بشبكته في أوروبا وأميركا الشمالية، ووصف تلك الهجمات بأنها رد مباشر على الضغوط العسكرية والعقوبات التي فرضتها واشنطن على طهران.
من القنصلية الأميركية والمراكز اليهودية إلى ناشطي المعارضة
يُظهر تحليل التسلسل الزمني لهذه الأحداث أن موجة إطلاق النار التي نفذها المرتزقة المأجورون في تورونتو بلغت ذروتها مباشرة بعد اندلاع المواجهات العسكرية، والضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية على المنشآت الإيرانية، ومقتل علي خامنئي. وتواصلت هذه الهجمات باستهداف القنصلية الأميركية والمعابد والمراكز اليهودية في تورونتو، بهدف نشر أجواء من الرعب.
ولكن أبعاد هذا المشروع تجاوزت المصالح الدولية. فقد كشفت "إيران إنترناشيونال" في تحقيق استقصائي نشرته سابقًا في 17 يونيو (حزيران) الماضي، أن معارضي النظام الإيراني في تورونتو كانوا أيضًا هدفًا مباشرًا لهذه الشبكة، بالتزامن مع إطلاق النار على القنصلية والمراكز اليهودية.
ومن بين هذه الهجمات، الاعتداء المسلح الذي استهدف النادي الرياضي التابع للناشط السياسي المعارض للنظام الإيراني في تورونتو، سالار غلامي، بإطلاق 17 رصاصة عليه، وذلك بعد ساعات قليلة فقط من الإعلان عن مقتل علي خامنئي. كما أن مواصفات منفذ الهجوم تطابقت تمامًا مع نمط تجنيد شبان نحيفي البنية يرتدون أقنعة.
وعلى الرغم من أن بعض وسائل الإعلام ركزت، في تغطيتها لقضية المرتزقة المأجورين، على استهداف المراكز الدبلوماسية والدينية، فإن التأكيد الجديد الصادر عن هيئة الاستخبارات والأمن الكندية بشأن إحباط هجمات استهدفت "أشخاصًا يُنظر إليهم باعتبارهم تهديدًا للنظام"، يكشف أن استهداف المعارضين السياسيين الإيرانيين في كندا يشكل جزءًا لا يتجزأ من مخطط تعمل الجمهورية الإسلامية على تنفيذه منذ سنوات خارج حدودها.
"المحافظون" يطالبون بطرد عناصر الحرس الثوري من كندا فورًا
أثار الكشف عن أبعاد تغلغل الشبكات المرتزقة المنسوبة إلى النظام الإيراني ردود فعل حادة في الساحة السياسية الكندية أيضًا.
وقال زعيم حزب المحافظين الكندي، بيير بولييفر، في بيان، مشيرًا إلى استهداف المعابد اليهودية والمدارس والشركات والقنصلية الأميركية: "يُشتبه في أن النظام الإرهابي الإيراني يمول عمليات إطلاق النار التي ينفذها مرتزقة مأجورون على الأراضي الكندية، وأن المواطنين الكنديين اليهود والمعارضين الإيرانيين يتعرضون للترهيب".
ودعا زعيم المعارضة الرسمية للحكومة الفيدرالية، مشددًا على ضرورة التعامل بحزم مع هذه التهديدات، إلى "تحديد هوية جميع عناصر الحرس الثوري الموجودين بصورة غير قانونية على الأراضي الكندية وطردهم فورًا"، وهو موقف يزيد الضغوط على الحكومة الكندية لتشديد الإجراءات الرقابية والقانونية ضد المرتبطين بالنظام الإيراني.