"لا تسألوا متى ستدخل إيران غزة، بل اسألوا متى ستخرج منها"، عبارة قالها ممثل المرشد الإيراني في صحيفة "كيهان" المتشددة ورئيس تحريرها، حسين شريعتمداري، بعد أسابيع قليلة من هجوم أكتوبر 2023.
وجسّدت هذه التصريحات تناقضًا في نهج طهران. فقد نفى المسؤولون الإيرانيون توجيه عملية "حماس"، بينما احتفوا بتداعياتها وقدّموا ما يُسمى "محور المقاومة" دليلاً على تنامي نفوذ النظام الإيراني الإقليمي.
و"محور المقاومة" هو المصطلح الذي تستخدمه طهران لوصف شبكة من الجماعات المدعومة من إيران في المنطقة، بما في ذلك الفصائل الفلسطينية المسلحة، وحزب الله اللبناني، والميليشيات العراقية، والحوثيون في اليمن.
حسابات طهران الاستراتيجية
استندت هذه الحسابات إلى افتراضين: أن الوقت يصب في مصلحة إيران، وأن شبكة الجماعات المسلحة الحليفة لها قادرة في الوقت نفسه على الضغط على إسرائيل وحماية طهران من مواجهة مباشرة.
وبعد ثلاث سنوات، اختبرَت الحروب، التي أضعفت حلفاء إيران الإقليميين وجلبت المواجهة العسكرية إلى الأراضي الإيرانية، كلا الافتراضين.
الاحتفاء بالهجوم مع نفي المسؤولية
في 10 أكتوبر 2023، أشاد المرشد الأعلى الإيراني آنذاك، علي خامنئي، بالمقاتلين الفلسطينيين، الذين نفذوا عملية حماس، بينما نفى تورط إيران في التخطيط لها.
وكان هذا التمييز متعمدًا. فقد سعت طهران إلى الاستفادة سياسيًا من العملية دون تحمل مسؤوليتها المباشرة أو المخاطرة باندلاع حرب أوسع مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وحذّر نائب الرئيس الإيراني الأسبق، محمد باقر نوبخت، المسؤولين من الإدلاء بتصريحات توحي بأن إيران خططت للهجوم بشكل مباشر. وفي المقابل، رأى شخصيات داخل النظام أن أسلحة حماس وتكتيكاتها وتنظيمها سترتبط حتمًا بالدعم الإيراني.
وعكست الرسائل المتضاربة معضلة استراتيجية أوسع: أرادت طهران أن يبدو حلفاؤها الإقليميون أقوياء بما يكفي لردع خصومها، لكن مستقلين عنها بدرجة كافية لحماية إيران من الانتقام.
ووصف حسين سلامي، الذي كان حينها قائدًا للحرس الثوري، عملية "حماس" بأنها أكبر هزيمة لإسرائيل منذ تأسيسها.
وقدّم مسؤولون إيرانيون وشخصيات عسكرية الهجوم؛ باعتباره دليلاً على تغير ميزان القوى الإقليمي وتراجع النفوذ الأميركي والإسرائيلي.
وكان الافتراض الأساسي أن إسرائيل ستواجه صعوبة في مواصلة صراع طويل على جبهات متعددة، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى تعزيز موقع إيران دون الحاجة إلى تدخل عسكري إيراني مباشر.
انهيار الدرع الإقليمية
على مدى عقود، استثمر النظام الإيراني في شبكة من الحلفاء المسلحين، من بينهم حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والميليشيات العراقية، والحوثيون في اليمن.
وقد وفرت هذه الجماعات لطهران نفوذًا يتجاوز حدودها، وقدرة على إلحاق تكاليف عسكرية بخصومها دون الزج بالقوات الإيرانية بشكل مباشر.
لكن الحروب التي أعقبت 7 أكتوبر كشفت حدود هذا الترتيب.
وأدى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا إلى حرمان إيران من حليف إقليمي محوري، ومن حلقة أساسية في شبكة نفوذها.
وتكبد حزب الله خسائر عسكرية كبيرة، من بينها مقتل أمينه العام، حسن نصر الله، فيما واجهت حماس وجماعات أخرى متحالفة مع إيران ضغوطًا عسكرية وسياسية متزايدة.
وسبق إضعاف هؤلاء الحلفاء المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل.
وخلال "حرب الـ 12 يومًا"، ألحقت الضربات الإسرائيلية أضرارًا بالدفاعات الجوية الإيرانية، وقتلت قادة عسكريين بارزين، من بينهم شخصيات أمضت سنوات في تطوير شبكة النظام الإيراني الإقليمية.
وكشفت الحرب الأخيرة، التي استمرت 40 يومًا لاحقًا، عن نقاط ضعف إضافية. فقد قتلت الولايات المتحدة وإسرائيل المرشد الإيراني، علي خامنئي، في بداية الصراع، بينما دخل حزب الله القتال ضد إسرائيل.
وفي وقت لاحق، أطلق الحوثيون صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل، واستهدفت ميليشيات عراقية مواقع أميركية في العراق.
ورغم أن هذه العمليات فرضت تكاليف على الخصوم، فإنها لم تتمكن من منع استمرار العمليات العسكرية ضد إيران وحلفائها.
واستمر القتال في جنوب لبنان حتى بعد أن قدّمت طهران وقف الأعمال القتالية على أنه يشمل جبهات متعددة، ما أظهر محدودية قدرتها على حماية شركائها الإقليميين.
وأصبحت الشبكة التي كان الهدف منها إبقاء الحرب بعيدة عن الأراضي الإيرانية عاجزة بشكل متزايد عن أداء هذه الوظيفة.
من الوكلاء الإقليميين إلى الممرات المائية الاستراتيجية
مع إضعاف شبكتها العسكرية الإقليمية، لجأت طهران بشكل متزايد إلى الجغرافيا باعتبارها أداة للضغط.
وأصبح مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحنات الطاقة العالمية، محوريًا في جهود إيران لرفع الكلفة الاقتصادية للمواجهة العسكرية.
ومن خلال تقييد حركة الملاحة البحرية، سعت إيران إلى ممارسة الضغط ليس فقط على خصومها المباشرين، بل أيضًا على الدول الخليجية والاقتصاد الدولي الأوسع.
كما اتجهت طهران إلى الحوثيين وقدرتهم على تهديد الملاحة عبر مضيق باب المندب، وهو ممر بحري استراتيجي آخر يربط البحر الأحمر بطرق التجارة الدولية.
ومثّل هذا النهج تحولاً من الاعتماد بشكل أساسي على الجماعات المسلحة الحليفة إلى استخدام تعطيل التجارة الدولية كورقة ضغط.
إلا أن هذه الاستراتيجية كانت تنطوي على قيود كبيرة.
فالضغط الاقتصادي على الأسواق العالمية لم يكن يعني بالضرورة تحقيق ردع عسكري ضد خصوم كانوا مستعدين أصلاً للمواجهة.
وفي الوقت نفسه، فرضت القيود على حركة الشحن والارتفاع الناتج عنها في تكاليف النقل ضغوطًا إضافية على الاقتصاد الإيراني نفسه.
وبذلك، كانت إيران تحاول استخدام الاضطراب الاقتصادي كسلاح استراتيجي، في الوقت الذي كانت تواجه فيه قيودًا اقتصادية متزايدة الحدة في الداخل.
كلفة استراتيجية قائمة على عامل الوقت
ظل أحد الافتراضات ثابتًا بشكل لافت منذ أكتوبر 2023، وهو أن استمرار المواجهة لفترة طويلة سيصب في نهاية المطاف في مصلحة إيران.
ولا تزال استراتيجية طهران تعتمد على الاعتقاد بأن الضغط الاقتصادي على الدول الخليجية، وتعطيل الأسواق العالمية، وكلفة استمرار الوجود العسكري الأميركي، ستعزز في نهاية المطاف موقفها التفاوضي.
لكن الظروف التي تعمل في ظلها هذه الحسابات تغيرت بشكل كبير.
وتواجه إيران الآن ضغوطًا أميركية تمتد عبر الطرق البحرية والجوية والبرية، إلى جانب تداعيات الحرب وتآكل شراكاتها العسكرية الإقليمية.
وكشفت الضغوط عن تناقض في استراتيجية طهران. فالإجراءات الرامية إلى رفع كلفة مواجهة إيران أدت أيضًا إلى زيادة العبء الاقتصادي على البلاد نفسها.
وفي عام 2023، سعت إيران إلى استخدام قوة حلفائها لإجبار خصومها على تقديم تنازلات، مع تجنب خوض حرب مباشرة.
وبعد ثلاث سنوات، تحاول الحفاظ على نفوذها الإقليمي بوسائل عسكرية أقل كفاءة في توفير الحماية، واقتصاد أضعف، واعتماد أكبر على الأهمية الاستراتيجية لمضيقي هرمز وباب المندب.
ولم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كان حلفاء إيران قادرين على إنهاك إسرائيل عبر مواجهة طويلة الأمد، بل ما إذا كانت طهران قادرة على بناء شكل موثوق من الردع بعد إضعاف الشبكة الإقليمية التي اعتمدت عليها استراتيجيتها.
ودخلت إيران مرحلة ما بعد 7 أكتوبر وهي تتوقع أن يعزز الوقت والجغرافيا موقعها. وبعد ثلاث سنوات، بات عليها أن تحدد ما إذا كانت الأداتان نفسيهما قادرتين على تعويض التكاليف العسكرية والاقتصادية لحساباتها الأصلية.