وقد أثارت مساعي تسوية التجارة الثنائية خارج نطاق الدولار اهتمامًا متجددًا من جانب الولايات المتحدة. ففي الشهر الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات جديدة على بنك "في تي بي" الروسي، جزئيًا بسبب دوره في إنشاء نظام لتسوية المدفوعات بالروبل والتومان.
وقد استهدفت وزارة الخزانة أيضًا شبكة "إيه 7" المرتبطة بروسيا، ووصفتها بأنها "شبكة مصرفية ظلّية" تستخدمها إيران للتهرب من العقوبات. وقالت إن الوكلاء الفرعيين لشبكة "إيه 7" شكّلوا آلية لغسل الأموال والتهرب من العقوبات، مرتبطة بتمويل روسي غير مشروع، استخدمتها إيران لتحويل الأموال، بما في ذلك لتمويل مبيعات النفط وشراء الأسلحة.
وقد أمضت الحكومتان سنوات في التأكيد على أنهما لا تحتاجان إلى الدولار، لكن حجم التجارة التي تتم تسويتها بعملتي البلدين ليس رقمًا تحتاج إلى الإعلان عنه ما لم تكن تحاول إقناع الناس بأن العقوبات لا تحقق نتائج.
ولا يكون تأثير العقوبات فاعلاً إلا إذا كان الناس يعتقدون بوجوده. ولإقناع الناس بعكس ذلك، أعلنت روسيا منذ عام 2019 عن ارتفاع حصة تجارتها مع إيران التي تتم تسويتها بالروبل والتومان، من 40 في المائة إلى 50 في المائة ثم 60 في المائة و80 في المائة، إلى أن أعلن بوتين نفسه أن النسبة بلغت 95 في المائة في يناير (كانون الثاني) 2025.
وتعتمد إيران، في تصريحاتها، على إعلانات عامة وواسعة، بدلاً من التقارير الإحصائية الفصلية على الطريقة السوفياتية. وقال محافظ البنك المركزي الإيراني في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 إن إيران "استبعدت الدولار بالكامل" وأصبحت تتعامل فقط بالروبل والتومان.
لكن الخطة الداخلية، التي أُقرت في سبتمبر (أيلول) 2024، حددت النسبة عند 68 في المائة، مع هدف رفعها إلى 71 في المائة بحلول عام 2026.
الواقع لا يتطابق مع الادعاء
يصعب الحفاظ على مزاعم "الكرملين" بشأن وجود نظام فعال للدفع بالروبل والتومان عندما يكون هناك اختلال في الميزان التجاري بين البلدين، لأن ذلك قد يترك أحد الطرفين من دون ما يكفي من عملة الطرف الآخر لتلبية الطلب. وتُظهر الأرقام الروسية أن حجم التجارة الثنائية في عام 2023 بلغ نحو 4 مليارات دولار، منها 2.7 مليار دولار صادرات روسية و1.3 مليار دولار صادرات إيرانية.
كما أن البلدين لا يرغبان ببساطة في الاحتفاظ بعملات بعضهما البعض. وقد وصف البنك المركزي الروسي في عام 2023 مشكلته مع عملات مثل التومان، قائلاً إنها "غالبًا ما تكون غير قابلة للتحويل أو قابلة للتحويل جزئيًا فقط"، وتتميز "بتقلبات أعلى"، ويتم تداولها في أسواق ضيقة للغاية بحيث يصعب التحوط من مخاطرها.
ووفقًا لـ "مركز اقتصاد المقاومة" الإيراني، يرفض المصدرون الإيرانيون التعامل بالروبل عندما يستطيعون ذلك، وإذا قبلوا به فإنهم يبيعونه مقابل الدرهم في أسرع وقت ممكن.
والحل المعتاد لمشكلة نقص السيولة من هذا النوع هو إنشاء خط مبادلة بين البنكين المركزيين، وهو ما وقّعته إيران وروسيا في يوليو (تموز) 2024. لكن بعد مرور عامين، لم يعلن أي من الطرفين عن وضع أكثر من مليار روبل، كانت قيمتها نحو 10 ملايين دولار في ذلك الوقت، لدى بنك "في تي بي" لتغطية "حالات النقص المحتملة في الروبل". وأي سحب إضافي سيترك روسيا محتفظة بالتومان كضمان، وهي عملة لا تستطيع بيعها داخل روسيا، كما أنها فقدت 29 في المائة من قيمتها أمام الروبل منذ يناير الماضي.
وقال برلماني إيراني إن روسيا عرضت قرضًا بقيمة 20 مليار دولار بالروبل، لكن إيران لم تحصل عليه.
التجارة تلتف حول النظام
لو كان نظام الروبل والتومان يعمل كما يُعلن عنه، لما كان التجار الإيرانيون يدفعون لشركات الصرافة في دبي وتركيا للوصول إلى الموردين الروس.
وقال البرلماني الإيراني، ميثم ظهوريان، لوكالة أنباء "فارس"، في يونيو (حزيران) الماضي، إن السلع الأساسية، حتى قبل الحرب، كانت تُشترى من روسيا وتُمرر عبر الإمارات العربية المتحدة، وتتم تسوية المدفوعات بالدرهم.
وتساءلت "فارس" في أغسطس (آب) الماضي عن سبب استمرار التجار في تسوية التجارة مع روسيا من خلال شركات الصرافة والأمناء في تركيا.
ووصف محافظ البنك المركزي الإيراني، عبدالناصر همتي، زيارته إلى موسكو في يونيو بأنها "مهمة عملياتية لفك العقد" في التجارة الخارجية، بدءًا من خطابات الاعتماد الخاصة بالتجار الإيرانيين.
ماذا يحسب هذا الرقم؟
أيًا كان الرقم المعلن، فإنه لا يقيس الأموال التي تتحرك بين روسيا وإيران، بل هو أداة محاسبية تسجل العملة التي خرجت من حساب شركة روسية، وليس العملة التي وصلت إلى الطرف الآخر.
فإذا قام مصرف المستورد الروسي بسحب الروبل من حسابه، ثم حوّله إلى الدولار ودفع للبائع بالدولار، فإن البنك المركزي الروسي يحتسب ذلك على أنه تسوية بالروبل، رغم أن العقد مقوّم بالدولار وأن البائع يتلقى الدولار.
كما أن هذا الرقم يستبعد التجارة التي تتم ترتيباتها من دون مدفوعات تقليدية عبر الحدود. وعندما تكون الدول معزولة عن النظام المالي الدولي، يصبح نقل السلع أسهل من نقل الأموال، وقد اتجهت روسيا وإيران بشكل متزايد إلى ترتيبات المقايضة والتبادل.
وقد جعلت موسكو المقايضة سياسة رسمية. فأصدرت وزارة الاقتصاد الروسية دليلاً حكوميًا لعقود المقايضة في عام 2023، ويقول اقتصادي روسي إن إيران هي الشريك التجاري الوحيد الذي تمثل المقايضة حصة حقيقية من تجارته.
كما سعت روسيا وإيران إلى تنفيذ عمليات مبادلة في مجال الطاقة. وكانت عمليات مبادلة شحنات المنتجات النفطية قد بدأت بحلول أواخر عام 2022، بينما كان البلدان يناقشان اتفاقًا أوسع يشمل ما يصل إلى 5 ملايين طن من النفط و10 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا. ولا تظهر التجارة التي تتم من خلال مثل هذه الترتيبات بالضرورة ضمن نسبة التسوية بالعملات الوطنية.
ما الذي يكشفه التباين؟
إن التنسيق بين روسيا وإيران حقيقي، لكن كلا البلدين يبالغ في تأثيره. فالرقم المعلن، الذي يتم الترويج له لأغراض دعائية، لا يتطابق حتى مع الهدف الداخلي للحكومة.
وفي الواقع، فإن الآلية عبارة عن مجموعة مجمّعة بشكل غير متناسق من ترتيبات دفع لا تعمل بصورة جيدة، ولا تتوافق مع بعضها البعض، ولا تخدم أيًا من الطرفين بشكل جيد، باستثناء استخدامها في مواجهة النظام المالي الدولي.