4 سنوات على "جمعة زاهدان الدامية" بإيران.. صرخات عائلات الضحايا تتواصل ضد العدالة المفقودة

بعد أربع سنوات على "جمعة زاهدان الدامية" في إيران، لا تزال عائلات الضحايا تسعى إلى محاسبة الآمرين والمنفذين للمجزرة.

بعد أربع سنوات على "جمعة زاهدان الدامية" في إيران، لا تزال عائلات الضحايا تسعى إلى محاسبة الآمرين والمنفذين للمجزرة.
وقال الناشط في مجال حقوق الإنسان ورئيس تحرير موقع "حالوش"، شير أحمد شيراني، في مقابلة مع "إيران إنترناشيونال" ، إن السلطات لم تنفذ تعهداتها، مشيراً إلى الأبعاد الأوسع لإطلاق النار الذي وقع في الأيام التي أعقبت المجزرة.
وفي 30 سبتمبر (أيلول) 2022، أي بعد أسبوعين من وفاة الشابة الإيرانية، مهسا جينا أميني، أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق وانطلاق انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية"، شهدت زاهدان واحدة من أكثر عمليات قمع الاحتجاجات الواسعة دموية.
وكانت الاحتجاجات في زاهدان، إلى جانب تأثرها بأجواء الاحتجاجات التي عمّت البلاد، متأثرة أيضاً بتقارير عن اغتصاب قائد في الشرطة لفتاة بلوشية قاصر في "تشابهار".
وبعد صلاة الجمعة، تجمع عدد من المحتجين في محيط مصلّى زاهدان ومركز الشرطة رقم 16. وأظهرت تحقيقات أجرتها منظمات حقوقية أن قوات الأمن أطلقت النار من المباني والمواقع المحيطة على المحتجين وعلى أشخاص كانوا يغادرون صلاة الجمعة.
وقالت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، بعد فحص صور ومقاطع فيديو وإجراء مقابلات مع شهود وعائلات الضحايا، إن قوات الأمن أطلقت النار من أسطح المباني المحيطة بالمصلّى ومسجد مكي على المحتجين، ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من المحتجين والمارة. ووصفت المنظمة "جمعة زاهدان الدامية" بأنها أكثر أيام احتجاجات عام 2022 دموية.
كما أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى استخدام قوات الأمن الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع وطلقات الخرطوش ضد المحتجين في زاهدان. وأظهرت صور فحصتها الأمم المتحدة قوات الأمن وأشخاصاً بملابس مدنية وهم يطلقون النار من فوق أسطح المباني.
وسجلت منظمة العفو الدولية أسماء 106 محتجين ومارة من البلوش قُتلوا خلال قمع الاحتجاجات في "بلوشستان". ومن بين هؤلاء، قُتل 87 شخصاً، بينهم 15 طفلاً، في 30 سبتمبر 2022 خلال "جمعة زاهدان الدامية".
وأعلن موقع "حالوش"، المعني بحقوق البلوش في إيران، أن عدد القتلى، بمن فيهم أشخاص توفوا لاحقاً متأثرين بجروح أصيبوا بها في ذلك اليوم، بلغ ما لا يقل عن 105 أشخاص، بينهم 17 طفلاً ومراهقاً وأربع نساء.
وقال الناشط في مجال حقوق الإنسان ورئيس تحرير "حالوش"، شير أحمد شيراني، في مقابلة مع "إيران إنترناشيونال"، إن هذه الأرقام سُجلت ودُققت وفقاً للمعايير التي يعتمدها الموقع، وتشمل أيضاً المصابين الذين توفوا بعد أشهر من "جمعة زاهدان الدامية" متأثرين بجروحهم.
وبحسب رئيس تحرير "حالوش"، يقدّر الموقع، استناداً إلى روايات شهود عيان، عدد ضحايا إطلاق النار الذي نفذته القوات الأمنية في زاهدان خلال "جمعة زاهدان الدامية" والأيام التي تلتها بنحو 130 شخصاً، فيما يُقدّر عدد المصابين بأكثر من 500 شخص.
وأوضح أن إطلاق النار لم يقتصر على محيط مسجد مكي والمصلّى أو على يوم 30 سبتمبر فقط، بل استمر لنحو خمسة أيام بعد "جمعة زاهدان الدامية" في مناطق مختلفة من زاهدان، بما في ذلك أطراف المدينة ومداخلها ومخارجها.
وبحسب شيراني، أطلقت القوات العسكرية خلال تلك الفترة النار في بعض الحالات على مواطنين، ما أدى إلى مقتل عدد منهم.
وأضاف شيراني أن بعض العائلات دفنت جثامين أقاربها سراً، ولم تكن مستعدة، بسبب الضغوط والتهديدات والمخاوف من العواقب الأمنية، لتسجيل بياناتهم أو التحدث إلى وسائل الإعلام.
وقال إن عدم امتلاك كثير من الضحايا وثائق هوية جعل أيضاً عملية التحقق من الأرقام وتسجيلها أمراً صعباً.
لكن عائلات الضحايا أكدت مراراً أن مطلبها لا يقتصر على الحصول على الدية، بل تطالب بتحديد هوية الآمرين والمنفذين للمجزرة ومحاكمتهم.
ماذا حلّ بالآمرين بالمجزرة؟
منذ البداية، لم يقتصر مطلب عائلات الضحايا على تحديد هوية العناصر الذين ضغطوا على الزناد. فقد طالبت العائلات، مراراً بتحديد هوية الأشخاص الذين أصدروا أوامر إطلاق النار، وكانوا يتولون قيادة القوات العسكرية والأمنية الموجودة في المكان، ومحاكمتهم.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، طالبت عائلات ضحايا "الجمعَتين الداميتين" في زاهدان وخاش، في بيان، بإجراء تحقيق دولي مستقل، وقالت إن المسار القضائي لم يتناول مسؤولية الآمرين الرئيسيين.
وأعلنت العائلات أن عدد قتلى المجزرتين تجاوز 120 شخصاً، فيما تجاوز عدد المصابين 300 شخص.
كما أعلن موقع "هرانا"، المعني بحقوق الإنسان في إيران، عبر تقريرله، أن المعلومات التي جمعها من مصادر وشهود ووثائق، أظهرت أن عدداً من المسؤولين والقادة في ذلك الوقت، على المستويات الإقليمية والأمنية والعسكرية والقضائية، وكذلك في السجون، جرى تحديدهم بوصفهم أشخاصاً متورطين أو مسؤولين عن مجزرة زاهدان والأحداث التي تلتها. ونشر الموقع أسماء ما لا يقل عن 24 شخصاً من هؤلاء.
ومع ذلك، لا تتضمن المعلومات المنشورة بشأن المسار القضائي للملف أي تقرير عن محاكمة مسؤولين كبار على خلفية إصدار الأوامر أو قيادة العملية في 30 سبتمبر 2022.
وقال شيراني، في حديث إلى "إيران إنترناشيونال"، بشأن وضع مساعي عائلات الضحايا لتحقيق العدالة بعد أربع سنوات على المجزرة، إن هذا المطلب لا يزال قائماً بالنسبة إلى العائلات، لكن الحكومة تعتبر أن الملف قد أُغلق.
وأضاف أنه خلال اجتماع عُقد العام الماضي بحضور مسؤولين حكوميين وعائلات الضحايا في مسجد مكي، تم التوصل إلى اتفاقات بشأن دفع الدية وتعويض بعض الأضرار، لكن الالتزامات التي طُرحت خلال الاجتماع لم تُنفذ حتى الآن.
وأوضح أن كثيراً من العائلات لم تكن موافقة على إغلاق الملف مقابل الحصول على الدية، فيما حضر بعضهم الاجتماع دون معرفة مسبقة بموضوعه، ثم غادروا الجلسة بعد معرفة الغرض منها.
وقال شيراني أيضاً إن هوية العناصر الذين قُدموا بوصفهم متهمين، ووجوههم ورتبهم العسكرية، لم تتضح للعائلات. وأضاف أنه رغم أنه كان من المقرر أن يحضر المتهمون أمام المحكمة، ويدافعوا عن أنفسهم، ويستمعوا إلى إفادات العائلات والشهود، فإنهم لم يحضروا هذه الجلسات، وتم النظر في ملفاتهم بشكل منفصل.
وأكد أن المحاكمات التي عُقدت كانت "صورية" و"مفبركة"، مضيفاً أن أحكام السجن المعلنة بحق العناصر كانت أيضاً "على الورق فقط" ولم تُنفذ.
وأضاف أن المسؤولين والقادة الذين كانوا يتولون مناصب عليا في وقت "جمعة زاهدان الدامية" لم تتم محاكمتهم فحسب، بل إن بعضهم تولى مناصب أعلى في السنوات اللاحقة.
وأشار شيراني إلى محمد كرمي، الذي كان وقت المجزرة قائد "مقر القدس" التابع للقوات البرية للحرس الثوري في جنوب شرق البلاد، ثم عُيّن لاحقاً محافظاً لبلوشستان، وهو الآن قائد القوات البرية للحرس الثوري.
كما اعتبر شيراني، مصطفى محامي، ممثل علي خامنئي في بلوشستان وعضو مجلس أمن المحافظة وقت "جمعة زاهدان الدامية"، أحد المسؤولين عن هذه المجزرة، وقال إنه لا يزال يشغل منصبه.
وأشار إمام أهل السُّنة وخطيب جمعة زاهدان، مولوي عبد الحميد، إلى مقتل المواطنين في "جمعة زاهدان الدامية"، وانتقد صمت مسؤولي النظام الإيراني، وقال إن المرشد الراحل، علي خامنئي، مسؤول عن ذلك. وأضاف أنه لا يمكن لأي شخص التنصل من مسؤوليته في هذا الشأن.
لقد مرّت أربع سنوات على 30 سبتمبر 2022؛ وسُجلت أسماء أكثر من 100 ضحية، وبقيت صور ومقاطع فيديو وشهادات شهود عن ذلك اليوم. لكن الأسئلة الرئيسية التي تطرحها العائلات لا تزال من دون إجابات واضحة: من أطلق النار؟ ومن أصدر الأوامر؟ ومن تولى قيادة العملية؟