سنتكوم": إجبار 86 سفينة تجارية على تغيير مسارها منذ استئناف حصار إيران


أكدت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن قوات الولايات المتحدة تطبق الحصار البحري على إيران بصرامة، وأعلنت أنه منذ استئناف هذا الحصار، تم إجبار 86 سفينة تجارية على تغيير مسارها، وتعطلت 3 سفن، وخضعت اثنتان أخريان للتفتيش.

بدأت الولايات المتحدة هجمات مكثفة على أهداف داخل إيران، مساء الثلاثاء 1 سبتمبر (أيلول)، تركزت بصورة أساسية في جنوب البلاد. وأعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) استهداف أكثر من 100 هدف بالأراضي الإيرانية، بهدف تدمير قدرة طهران على زرع الألغام واستهداف السفن في مضيق هرمز.
وبدأت هذه الهجمات بعد دقائق من تصريح رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، بأن طهران سترد عسكريًا في حال تشديد الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.
ورفض الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، العودة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد، وقال إن الاتفاق مع إيران لا تساوي قيمته قيمة الورقة التي كُتب عليها.
ولكن بعد انتهاء الهجمات، طرح ترامب سؤالاً عبر منصته «تروث سوشال» أثار غضب عدد كبير من الإيرانيين. فترامب، في إشارة إلى الانهيار الوشيك للاقتصاد الإيراني، تساءل: "متى سينتفض الشعب الإيراني ويحارب النظام؟".
وردّ عدد من متابعي "إيران إنترناشيونال" على سؤال ترامب بسؤال مهم: «أنت الذي تشجع الناس على العودة إلى الشوارع والنضال، فما الضمانة بأنك لن تقول لنا مرة أخرى، في منتصف الطريق، إننا توصلنا إلى سلام دائم ونريد منح النظام الإيراني فرصة أخرى؟».
لقد أعاد سؤال الرئيس الأميركي فتح جرح لم يندمل بعد. ففي شهري ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) الماضيين، ومع اندلاع الاحتجاجات المناهضة للنظام في إيران، نشر دونالد ترامب رسائل دعا فيها الشعب إلى مواصلة النزول إلى الشوارع، ووعد بمساعدتهم.
وقُتل نحو 40 ألف محتج على يد قوات النظام الإيراني؛ ردًا على الانتفاضة الشعبية الكبرى، معظمهم خلال ليلتي 8 و9 يناير الماضي، وسارعت السلطات بعد ذلك إلى إقامة المشانق لعدد من المحتجين الذين اعتُقلوا.
وهدد الرئيس الأميركي النظام الإيراني مجددًا برد قاسٍ إذا بدأ عمليات الإعدام. وبعد ذلك بقليل، زعم أن طهران ألغت، بناءً على طلبه، إعدام أكثر من ثماني سجينات، لكن طهران نفسها نفت هذا الادعاء.
وفي 28 فبراير (شباط) الماضي ومع اندلاع الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، قال ترامب إنه جاء أخيرًا لمساعدة الشعب الإيراني، وإنه يعتزم إسقاط النظام. ودعا الإيرانيين إلى البقاء في منازلهم لحمايتهم من القصف، متعهدًا بأنه سيطلب منهم، في الوقت المناسب، التحرك للسيطرة النهائية على الحكم.
ولكن من هنا اتخذ مسارًا مختلفًا، إذ توصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع النظام. وكان توقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد بمثابة إطلاق النار على آمال الشعب الإيراني. ففي هذا الاتفاق، منح ترامب إيران من التنازلات ما جعل حتى مسؤولي النظام أنفسهم غير قادرين على تصديقه.
ولكن أيًا من بنود مذكرة التفاهم لم يتضمن ما يتعلق بحماية الحقوق الأساسية للشعب الإيراني.
وفي الوقت نفسه، أعدمت السلطات الإيرانية عشرات المحتجين بتهم تتعلق بمناهضة النظام، لكن ترامب لم يُبدِ أي رد فعل، ولم يعترض حتى بمنشور واحد على وسائل التواصل الاجتماعي على عمليات الإعدام هذه.
وخلال الأشهر الأخيرة أيضًا، انصب تركيز ترامب بالكامل على إعادة فتح مضيق هرمز والخروج من الحرب. ولذلك ليس واضحًا كيف يتوقع، في ظل هذا السجل من عدم الوفاء بوعوده للشعب الإيراني، أن يثق به الإيرانيون مرة أخرى. فالإيرانيون باتوا اليوم يراقبون أداءه بعيون أكثر انفتاحًا، وأصبح موقفهم منه مختلفًا.
ويبدو أن السيد ترامب يعزف الناي من الطرف الخطأ. فإذا كان لا بد من طرح الأسئلة وتقديم الإجابات، فإن الشعب الإيراني هو الذي ينبغي أن يسأل، وترامب هو الذي يجب أن يجيب، وأن يوضح: خلال حرب الـ 12 يومًا عندما فوجئت إيران تمامًا بالهجوم، لماذا حال، باعترافه هو، دون مقتل المرشد الراحل، علي خامنئي، ودون إسقاط النظام على يد إسرائيل؟ ولماذا لم يفِ بوعده بمساعدة الشعب الإيراني؟ ولماذا لا يعترض حتى الآن على عمليات الإعدام في إيران؟
وفي ضوء هذا السجل، يبدو أن من حق الشعب الإيراني ألا يعلّق آماله على وعود ترامب، بعدما بات يرى أن الرئيس الأميركي لا يسعى فعليًا إلى مساعدة الإيرانيين في تغيير النظام. بل يريد أن ينزل الناس إلى الشوارع حتى يتمكن هو من إعادة فتح مضيق هرمز، وانتزاع تنازلات من النظام الإيراني، ثم يترك الشعب الإيراني وحيدًا في مواجهة ديكتاتورييه.
إن الضربة التي وجهها ترامب إلى ثقة الشعب الإيراني، بسبب إخلافه وعوده وتحولاته المتكررة نحو النظام الإيراني، وضعته في موقع لا يمكنه معه أن يتوقع من الإيرانيين أن يثقوا به. ولهذا قال بعض المتابعين ردًا عليه: ليسلّم مصير إيران إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.
وبناءً على ذلك، من المستبعد أن يقبل الشعب الإيراني مرة أخرى بصفقة مؤجلة مع ترامب. ومع اشتداد الضغوط الاقتصادية واستمرار النظام الإيراني تحت حكم الحرس الثوري، سيعود الإيرانيون، عاجلاً أم آجلاً، إلى الشوارع، لكنهم على الأرجح هذه المرة سيعتمدون على أنفسهم، وفي نهاية المطاف سيتكئون على أصدقاء جديرين بالثقة، أكثر جدارة بالثقة بكثير من السيد ترامب.
بعد أكثر ستة أشهر من بدء الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، لا يزال شبح الحرب يخيم على البلاد. فالمسؤولون الإيرانيون، بعد إعلان وقف إطلاق النار، يهددون دول المنطقة والقواعد الأميركية بحرب أخرى، ويتحدثون عن إعادة المعركة إلى المستوى الإقليمي، بل وعن تحويلها إلى حرب برية.
وتعتقد طهران أن استراتيجية الحرب مع الدول الخليجية خلال الحرب التي استمرت 40 يومًا كانت ناجحة، ولا ترى سببًا للتخلي عنها.
ومن وجهة نظر طهران، تخفف الحرب الإقليمية جزءًا كبيرًا من تكلفة المعركة عن كاهل إيران، وتوزعها بين الدول الخليجية والاقتصاد العالمي.
ومن خلال سياسة "إذا لم يُصدَّر النفط الإيراني، فلن يُصدّر نفط أي طرف من المنطقة"، يسعى النظام الإيراني، من جهة، إلى خلق ردع في مواجهة الهجمات، ولا سيما على البنية التحتية، ومن جهة أخرى إلى انتزاع تنازلات من الولايات المتحدة.
لكن التهديد أصبح محورًا أكثر أهمية في النهج الجديد للحكومة، إذ يقول قادة الحرس الثوري إن نهج إيران لم يعد دفاعيًا، بل أصبح هجوميًا. وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محسن رضائي: "إذا استمر الحصار، فلن نسمح بخروج قطرة واحدة من النفط الخليجي بأي طريق، كما أننا لم نهاجم حتى الآن المصالح الاقتصادية الأميركية، وإذا استمرت أعمالهم العدائية، فإن هذا الإجراء سيكون متاحًا لنا أيضًا".
ويمكن فهم رد فعل النظام الإيراني الحاد نسبيًا على الهجوم الأميركي على "لارك"، مساء الأحد 30 أغسطس (آب) الماضي، في هذا السياق أيضًا.
تغير طبيعة المعركة: من توازن القوة إلى توازن القدرة على التحمل
المنطق الحاكم لعملية صنع القرار في طهران ليس منطق توازن القوى بمعناه التقليدي. فالنظام الإيراني لا يملك فرصة كبيرة في ميزان القدرات العسكرية التقليدية، وقد أشار رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، إلى ذلك في مناسبتين على الأقل.
ومن جهة أخرى، كانت تقديرات عسكرية تتحدث عن تدمير نحو 90 في المائة من منظومات الدفاع الجوي الإيرانية. وبناءً على ذلك، تريد طهران إخراج الحرب المحتملة من المجال الجوي البحت ونقلها إلى مجال تكون فيه- على الأقل- متكافئة؛ أي الحرب البرية، حيث تتوافر لها قدرة أكبر على تحمّل الضربات وتوجيه الضربات المضادة.
وفي ذهنية المسؤولين الإيرانيين، يعني الانتصار بقاء النظام، وتسعى طهران إلى هذا البقاء من خلال توسيع الحرب أفقيًا والاعتماد على عامل الوقت واستنزاف إرادة الطرف المقابل.
ويعتقد مسؤولو النظام الإيراني أن العامل الذي يمكنهم الصمود فيه لفترة أطول هو الوقت. وقال مستشار القائد العام للحرس الثوري، محمد رضا نقدي: "حتى لو استمرت الحرب لسنوات، فإن صواريخنا الباليستية ستواصل السقوط على رؤوس أعدائنا". ويعتقد النظام أن الفائز في هذه المعركة هو من يتعب في وقت متأخر، وأن دول المنطقة، وكذلك الولايات المتحدة، لا تملك القدرة على الصمود طويلاً في هذه الحرب.
وما يراهن عليه النظام تلإيراني هو أن دول المنطقة، بما أنها سمحت بوجود قواعد أميركية على أراضيها، يمكنها ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب. ويركز جزء من تصريحات المسؤولين على تدمير هذه القواعد. وقال وزير الخارجية الإيراني الأسبق وعضو البرلمان الحالي، منوشهر متكي: "الحرب البرية تعني أن نستولي على إحدى القواعد الأميركية في العراق أو الكويت أو البحرين".
وفي الوقت نفسه، يقول محمد باقر قاليباف إن إيران لا تزال تملك أوراقًا لم تلعبها، ويصف الإجراءات الأميركية المختلفة بأنها "حرب متعددة الأوجه" تجري هذه الأيام بشكل أكبر في المجال الاقتصادي. ومِن ثمّ، إذا اتخذت الولايات المتحدة إجراءً ضد إيران، مثل الحصار، فيمكن لطهران الرد من خلال فرض الحصار على هذه الدول. ولهذا يقول نائب في البرلمان، مثل حميد رضا حاجي بابائي: "يجب ألا نسمح بإنشاء خطوط أنابيب نفط جديدة وتصدير النفط عبر مسارات من شأنها إضعاف مضيق هرمز".
ولكسر هذا الضغط، منحت طهران "محور المقاومة"، ولا سيما الحوثيين، دورًا محوريًا. فهذه القوى تستطيع في الواقع توزيع المخاطر، وفي الوقت نفسه يمكنها إبقاء أسعار النفط مرتفعة من خلال تهديد شرايين التجارة.
وأحد الأسباب الرئيسية وراء إبقاء النظام الإيراني مضيق هرمز مغلقًا هو رفع أسعار النفط، إذ تعتبر هذا الارتفاع جزءًا من انتصارها في المعركة، ولذلك تريد، بأي وسيلة ممكنة، تثبيت سيادتها على هذا الممر المائي.
وأعلنت طهران أن مضيق هرمز لن يُعاد فتحه ما لم تنهِ الولايات المتحدة الحرب والحصار وتفرج عن الأصول الإيرانية المجمدة. ويقدم النظام إغلاق المضيق ليس مجرد إجراء انتقامي، بل باعتباره ضمانة لتنفيذ مطالبه، ويضع نفسه في موقع المطالب بتنفيذ الاتفاق، في حين يتحدث البعض في إيران، وكذلك الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن انتهاء "مذكرة التفاهم" هذه.
إغراء الحرب البرية والمكمن الذي يختل فيه الحساب
بعد انتهاء الحرب التي استمرت 40 يومًا، أعلنت إيران أنه في حال اندلاع حرب أخرى، فإنها ستكون حربًا عابرة للحدود الإقليمية. ومع ذلك، ففي الاشتباكات التي أعقبت وقف إطلاق النار، والتي عُرفت باسم "الحرب الثالثة"، واصلت طهران تبني استراتيجية الحرب الإقليمية، مع اختلاف أن معظم هجماتها خلال هذه المرحلة استهدفت البحرين والكويت، بينما كانت الإمارات الهدف الرئيسي لهجماتها خلال "حرب رمضان".
واللافت بعد الهجوم المشترك الأميركي والإسرائيلي في 28 فبراير (شباط) الماضي، هو ظهور نوع من الاستياء في طهران من حجم الضربات التي وُجّهت إلى الدول العربية في المنطقة الخليجية، ولا سيما الإمارات والكويت والبحرين.
وخلال الأشهر الماضية، تعرضت هذه الدول لتهديدات متكررة عبر هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية. وكان نواب في البرلمان وشخصيات إعلامية، مع تأكيدهم ضرورة شن هجمات أشد، يرون أن هذه الدول الثلاث لم "تُعاقب" كما ينبغي، إلى حد أن البعض تحدث حتى عن ضرورة تغيير أنظمتها.
لكن يمكن أيضًا النظر إلى الضربات التي استهدفت البحرين والكويت باعتبارها استراتيجية جديدة لطهران تقوم على "إزالة الحلقات الأضعف لدى العدو"، بالتزامن مع الضغط من أجل إخراج الولايات المتحدة من المنطقة.
وبالنسبة إلى النظام الإيراني، فإن استهداف هذين البلدين أقل تكلفة من الناحية الفنية، لكنه أكثر أهمية عسكريًا، وكذلك من حيث الرسالة السياسية؛ لأن بعض أهم القواعد الأميركية موجودة في هذين البلدين، وطهران تريد عمليًا أن تقول لواشنطن إن تكلفة البقاء في المنطقة ارتفعت.
لكن هذا النهج للنظام الإيراني لم يبقَ دون رد، بل قد يصبح أكثر تكلفة. ويرى خبير العلوم السياسية في مؤسسة "راند" للأبحاث، رافائيل كوهين، أن مهاجمة دول لم تكن أعداء رسميين وضعت الدول المستهدفة في موقف يجعلها "قد تضغط من أجل وقف إطلاق النار بقدر ما قد تنضم إلى الجبهة المقابلة لطهران".
وقد اتخذت دول المنطقة بالفعل إجراءات في هذا الصدد. ففي الأشهر الماضية، أجرت بعض الدول العربية الخليجية مناورات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة، كان بعضها مخصصًا لعمليات برية.
كما تتشكل تحالفات إقليمية أيضًا، وأهمها اصطفاف السعودية وتركيا وباكستان في إطار "اتفاق مكة الدفاعي"، الذي يعتبر الهجوم على أي عضو هجومًا على جميع الأعضاء.
ومن جهة أخرى، تسعى الدول العربية الخليجية إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية أيضًا، من بينها الإمارات التي علقت تعاملاتها التجارية والمالية مع إيران بعد ما وصفته بإطلاق صاروخ على أراضيها، وهناك احتمال بأن تتبنى دول أخرى، ولا سيما استجابة لطلب ترامب، النهج نفسه.
ومع ذلك، وعلى الرغم من جميع المخاطر التي يمكن أن يحملها استمرار النزعة الحربية والحرب الإقليمية، يبدو أن الحرب الإقليمية بالنسبة إلى إيران هي الشكل الوحيد من أشكال المعركة الذي تكون فيه إمكانية الهزيمة أقل وإمكانية البقاء أكبر، ولا سيما في ظل الظروف التي يفرض فيها الحصار البحري ضغطًا اقتصاديًا شديدًا على البلاد، فيما أدت الخلافات الداخلية إلى زعزعة النظام السياسي بشكل ملحوظ.
وتعتقد طهران أن الولايات المتحدة ستطالب بتنازلات أكبر في المفاوضات المقبلة، وأن الوقت الحالي ليس مناسبًا للتراجع؛ ولذلك بنت استراتيجية مواجهتها على أساس إلحاق الضرر بدول مختلفة وتوزيع تكلفة الحرب.
ومن وجهة نظر طهران، فإن جرّ الحرب إلى أبعاد أوسع، بل ومحاولة تحويلها إلى حرب برية، يوفر وضعًا تصبح فيه التفوق الجوي للعدو أقل تأثيرًا وتزداد فيه قدرة القوات العسكرية للجمهورية الإسلامية.
وفي حسابات النظام الإيراني، لا يعني الانتصار التغلب على الولايات المتحدة، بل يعني البقاء وفرض المطالب. لكن هذا الحساب يعتمد على شرط واحد: أن يدفع عدد أكبر من اللاعبين الإقليميين والدوليين الثمن. وترى طهران أن هؤلاء اللاعبين أنفسهم، عندما تصبح التكلفة باهظة بالنسبة إليهم، سيكونون الوحيدين القادرين على إنهاء الحرب.
كشفت تحقيقات أجرتها "إيران إنترناشيونال" أن شبكة النظام المصرفي الموازي الإيراني أعمق وأوسع بكثير من الشبكة التي استهدفتها العقوبات الأميركية الشهر الماضي، إذ استخدمت طهران أكثر من عشرة بنوك في الصين والإمارات للوصول إلى النظام المالي العالمي.
كما خلصت "إيران إنترناشيونال" إلى أن التحقيقات الأميركية بشأن بعض البنوك كانت متأخرة سنوات عن أنشطة هذه الشبكة، التي توسعت عبر دول عدة وحوّلت مليارات الدولارات لصالح إيران رغم العقوبات.
واستند التحقيق إلى مراسلات داخلية مسرّبة وسجلات معاملات خارجية لبنك "بارسيان"، تغطي الفترة من نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 إلى مايو (أيار) 2023. وكان البنك الإيراني خاضعًا للعقوبات الأميركية منذ عام 2018.
وتسلط هذه الوثائق الضوء على عملية متعددة الطبقات داخل النظام المصرفي الإيراني. ولا تقدم السجلات سوى لمحة عن شبكة واحدة خلال فترة سبعة أشهر، ما يشير إلى أن حجمها الكامل أكبر بكثير.
ولم تجد "إيران إنترناشيونال" أي دليل على أن البنوك في الإمارات والصين سهّلت عن علم جهود إيران للالتفاف على العقوبات الأميركية.
وحدد التحقيق 15 بنكًا مقراتها خارج إيران ساعدت طهران في إجراء معاملات دولية خلال السنوات الأخيرة.
ووفقًا للسجلات المتاحة للعامة، لم تتعرض 13 من هذه البنوك لأي عقوبات أو إجراءات إنفاذ أميركية بسبب تورطها.
واستهدفت الولايات المتحدة في أغسطس (آب) الماضي بنكَين فقط من أصل البنوك الـ 15، في إطار حملة "يوم النصر" الاقتصادية التي وصفتها واشنطن بأنها هجوم واسع على الروابط المالية الإيرانية حول العالم.
وفي 24 أغسطس الماضي، دعا وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، جميع الحكومات إلى إغلاق فروع بنك "ملي" الإيراني.
وبعد أربعة أيام، اقترحت وزارة الخزانة الأميركية قطع عمليات بنك مصر في الإمارات عن خدمات المراسلة المصرفية التي تتيح الوصول إلى النظام المالي الأميركي.
وتقدّر وزارة الخزانة أن بنك مصر الإمارات عالج، بين عامي 2024 و2026، نحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات يُحتمل أن تكون جزءًا من شبكات النظام المصرفي الموازي الإيراني.
لكن الوثائق ،التي راجعتها "إيران إنترناشيونال" أظهرت أن أموالاً مصدرها البنك المركزي الإيراني كانت تُوجّه إلى حسابات في فروع بنك مصر بالإمارات منذ نوفمبر 2022 على الأقل.
ولم يرد بنك مصر وبنك بارسيان على طلبات التعليق.
الصين والإمارات
وفقًا لوزارة الخزانة الأميركية، تستخدم البنوك الإيرانية وسطاء لنقل العملات الأجنبية إلى خارج البلاد مع إخفاء مشاركتها في المعاملات. ويستخدم الوسطاء العاملون لصالح البنوك ما يُعرف بشركات "رهبر"، التي تعتمد بدورها على شركات وهمية وواجهات خارجية للالتفاف على العقوبات.
وأظهرت الوثائق المسرّبة إيداع أموال تعود إلى البنوك الإيرانية في حسابات خارج إيران، يُشار إليها في السجلات باسم "حسابات أمناء"، ثم تحويلها وفقًا لتعليمات البنوك الإيرانية.
وفي كل مرحلة، كانت التفاصيل التي تكشف هوية الأطراف تختفي، ما جعل البنوك الأجنبية تتعامل مع شركات تجارية غير إيرانية، معظمها غير خاضع للعقوبات، بدلاً من مؤسسات خاضعة للعقوبات مثل بنك بارسيان وبنك شهر والبنك المركزي الإيراني.
وفي رسالة مؤرخة 22 مايو 2023، طلب بنك بارسيان من بنك شهر، وهو بنك إيراني آخر، ترتيب "تسوية الدراهم المشتراة ذات المصدر الاسمي".
وقالت الرسالة إن بنك بارسيان اشترى 3.06 مليون درهم إماراتي من البنك المركزي الإيراني، وإن الأموال كانت محفوظة في "حساب أمانة" لدى بنك شهر. وطلبت من بنك شهر تحويل الأموال إلى حساب لدى بنك مصر.
وقال مياد مالكي، وهو مسؤول سابق رفيع المستوى في وزارة الخزانة الأميركية، ويعمل حاليًا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن ما يُبقي شبكة النظام المصرفي الموازي للنظام، المعروفة باسم "شبكة رهبر"، قائمة ليس هندسة مالية معقدة، بل الأشخاص: أفراد موثوقون وعدد قليل من الصرافين، وهم سماسرة العملات الذين يشكلون بوابة النظام إلى النظام المالي العالمي.
وأضاف: "وكما ينفذ عناصر الحرس الثوري قمع النظام في الداخل، يتحمل هؤلاء رجال الأعمال والأمناء مسؤولية تمويل إرهابه في الداخل والخارج. ومن دونهم، لن تتمكن طهران من نقل يوان واحد من حساباتها في الصين أو شراء دولار أو يورو واحد في دبي أو إسطنبول".
وحددت "إيران إنترناشيونال" 33 رسالة تعليمات في الوثائق المسرّبة وجهت عمليات تحويل بالدرهم واليوان والدولار، بقيمة إجمالية تقارب 36 مليون دولار.
وشكلت الدولارات الحصة الكبرى من قيمة التحويلات، ما يعني أن العملة المهيمنة في هذه الشبكة المصرفية الموازية لا تزال العملة التي صُممت العقوبات الأميركية للسيطرة عليها.
الإمارات والصين
وصفت وزارة الخزانة الأميركية عمليات بنك مصر في الإمارات بأنها "عقدة حيوية لوصول النظام الإيراني إلى الدولار الأمريكي".
وأظهرت الوثائق أن بنك مصر كان الوجهة الإماراتية الأكثر استخدامًا في المعاملات الخارجية لبنك بارسيان، لكن سبعة بنوك أخرى تعمل في الدولة ظهرت أيضًا في السجلات، من بينها بعض أكبر البنوك الإماراتية.
وأظهرت الوثائق أن المعاملات جرت بين عامي 2022 و2023، أي بعد سنوات من إدراج بنك بارسيان على قائمة العقوبات بموجب أمر تنفيذي يستهدف تمويل الإرهاب.
كما ظهرت 13 شركة مسجلة في الإمارات كمستفيدين من خلال هذه البنوك الثمانية، وكانت خمس منها تمتلك حسابات لدى بنك مصر.
وحددت "إيران إنترناشيونال" أيضًا سبعة بنوك صينية تلقت أموالاً نيابة عن إيران.
وتتضمن الوثائق المسرّبة 23 رسالة من بنك بارسيان تتعلق بمعاملات باليوان مع بنوك صينية، من بينها بعض أكبر البنوك في البلاد من حيث حجم الأصول.
وتلقى أحد البنوك الصينية المتخصصة في التسويات العابرة للحدود لصالح المصدرين الصغار 11 تعليمات دفع من بنك بارسيان، وفقًا للوثائق.
وكانت معظم الشركات المستفيدة شركات تجارة عامة مسجلة في هونغ كونغ وسنغافورة، حيث يمكن تأسيس الشركات بسهولة نسبية، بينما تحصل على الخدمات المصرفية من البر الرئيسي الصيني.
ولم يواجه أي من البنوك الصينية السبعة التي حددتها الوثائق إجراءات إنفاذ أمريكية بسبب تعاملاته مع إيران.
غيض من فيض
قال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، في أغسطس الماضي، إن وزارته "حددت خرائط الشبكات والجهات الميسّرة والقنوات المالية التي تستخدمها إيران لتهريب النفط والتهرب من العقوبات وتمويل الإرهاب".
كما أكد الرئيس الميركي دونالد ترامب، في منشور على "تروث سوشال"، أن "أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو كياناتها الحكومية بتقديم أي نوع من شريان الحياة لإيران ستواجه هي نفسها عواقب اقتصادية هائلة".
وشمل تحذيره التحويلات النقدية وشركات الصرافة والشركات الواجهة.
ولكن العقوبات الأميركية ركزت بدرجة أكبر على شبكات عائدات النفط وعمليات الشراء الإيرانية، مقارنة بالخدمات المصرفية عبر البنوك المراسلة وتمويل التجارة.
ويكشف تحقيق "إيران إنترناشيونال" عن الحجم الذي لا يزال خارج نطاق الاستهداف من جانب الإدارة الأميركية. وتظهر الملفات المسرّبة أن بنكًا إيرانيًا واحدًا وجّه، خلال سبعة أشهر، أموالاً إلى 15 بنكًا أجنبيًا في بلدين، عبر 33 شركة مستفيدة.
ومن بين المستفيدين الـ 33، لم تحدد وزارة الخزانة الأميركية علنًا سوى ثلاثة منهم.
وجرت المعاملات التي حددها التحقيق من خلال مؤسسات مالية إيرانية كانت خاضعة بالفعل للعقوبات الأميركية عندما صدرت رسائل التعليمات.
وطوال تلك الفترة، كانت المؤسسات الإيرانية التي تشكل محور الشبكة، بما فيها البنك المركزي الإيراني وبنك بارسيان وبنك شهر وبنك اقتصاد نوين وبنك سامان وبنك ملي، خاضعة بالفعل لعقوبات أميركية واسعة النطاق. ومع ذلك، واصلت الأموال تحركها، إلى حد كبير عبر مؤسسات مالية خارج إيران.
المادة 311
لم تصل واشنطن إلى حد استهداف المؤسسات المالية الأكبر، ولا سيما البنوك الصينية الكبرى المشاركة في تمويل التجارة الإيرانية، وهي خطوة تجنبتها واشنطن حتى الآن؛ بسبب مخاوف من حدوث اضطرابات مالية أوسع نطاقًا وردود فعل انتقامية.
وبعد ساعات من فرض الولايات المتحدة عقوبات على عشرات الكيانات الصينية وتهديدها باستهداف "مؤسسة مالية كبرى" لم تحددها بسبب تعاملاتها مع طهران، قالت بكين بنبرة تحذيرية إن علاقاتها مع إيران "يجب ألا تتعرض للاضطراب أو التقويض". وحذر المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، من أن الصين ستتخذ "جميع التدابير اللازمة" لحماية مصالحها.
وبدأت واشنطن استهداف القنوات المصرفية التي تستخدمها شبكة إيران المصرفية الموازية من خلال أداة أكثر تحديدًا، هي المادة 311 من قانون باتريوت الأميركي، التي يمكن أن تقيّد وصول المؤسسات المالية الأجنبية إلى النظام المالي الأميركي.
وعلى خلاف إدراج مؤسسة على قائمة العقوبات، لا يتطلب إجراء بموجب المادة 311 من وزارة الخزانة إثبات أن البنك تعامل عن علم مع أموال إيرانية، وهو ما قد يفسر اختيار هذه الأداة.
واستُهدفت عمليات بنك مصر في الإمارات بموجب المادة 311 في إطار حملة "يوم النصر" الاقتصادية.
وقال مالكي، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية: "ما يجعل هذه الحزمة مختلفة هو أنها لا تعمل بمفردها. فالمشاركة الدبلوماسية الأميركية والضغط على دول، مثل الإمارات وتركيا، وحتى الصين، أصبحا مقترنين الآن بحصار يخنق جزءًا كبيرًا من الواردات التي تستخدم إيران هذه الشبكات لتمويلها".
وأضاف: " يسرّع ذلك ما كانت العقوبات وحدها ستحتاج إلى سنوات لتحقيقه. كما أن الحسابات الإقليمية تغيرت: فالدول التي استهدفها النظام نفسه أصبحت أكثر استعدادًا بكثير للتعاون في إنفاذ العقوبات، كما أظهرت الإمارات للتو".
وأشارت واشنطن إلى أن المزيد من الإجراءات ضد البنوك الأجنبية قادم.
وسيعتمد نجاح حملة "يوم النصر الاقتصادي"، التي تقودها واشنطن بدرجة كبيرة على إنفاذ الإجراءات خارج إيران، بما في ذلك اتخاذ إجراءات ضد المؤسسات الأجنبية التي تسهّل المعاملات الإيرانية، والتي يوجد كثير منها في دول شريكة للولايات المتحدة أو في دول منافسة استراتيجية لها.
أثار سؤال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن موعد انتفاضة الشعب الإيراني ضد النظام ردود فعل من آلاف متابعي "إيران إنترناشيونال".
وقال كثير من المواطنين إن العقبة الرئيسية أمام الاحتجاجات في الشوارع ليست رغبة الشعب أو إرادته، وإنما الخوف من التعرض للقمع مجددًا، وغياب الدعم الدولي، والشكوك بشأن قرارات الرئيس الأميركي واستئناف المفاوضات مع النظام الإيراني.
واعتبر مواطنون إضعاف جهاز القمع شرطًا مسبقًا لاندلاع انتفاضة جديدة، فيما طالب آخرون بزيادة الضغط على النظام الإيراني، وبموقف أكثر وضوحًا من المجتمع الدولي لدعم ولي عهد إيران السابق، رضا بهلوي، خلال المرحلة الانتقالية.
الشعب انتفض مرارًا.. فمتى تتم مساعدته؟
قال عدد من المواطنين، في رسائلهم إلى "إيران إنترناشيونال"، إن الشعب الإيراني سبق أن احتج مرارًا ضد النظام، ودفع في كل مرة ثمنًا باهظًا.
وأشاروا أيضًا إلى حضور المحتجين في الشوارع يومي 8 و9 يناير (كانون الثاني)، متسائلين: "متى ستتم مساعدة الشعب الذي وقف بأيدٍ خالية في مواجهة قوات القمع التابعة للنظام؟".
وكتب أحد المتابعين: "الشعب الإيراني قاتل وانتفض بألف ضعف قدرته. الآن حان الوقت لكي تساعده بقية الدول".
وكتب مواطن مخاطبًا ترامب: "الشعب الإيراني يحارب منذ 47 عامًا".
وقال متابع آخر، في إشارة إلى وقف إطلاق النار والجولات المتعددة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة: "هذا النظام لا يمثل الشعب. التفاوض مع قتلة الشعب خطأ. ساعدوا الشعب حتى ينهي المهمة بنفسه".
الخوف من القمع وانتظار إضعاف القوات الحكومية
كان القلق من القمع مجددًا، وضرورة تقليص قدرة القوات الأمنية، من بين المحاور الأخرى في رسائل المتابعين.
وقال أحد المتابعين إن إضعاف قوات القمع هو العامل الأهم لبدء انتفاضة جديدة.
وكتب أحد المواطنين، في إشارة إلى تصريحات سابقة لترامب: "مهما كنت شجاعًا، إذا كنت تعرف بأنك ستُقتل برصاص القناصة، فمن الحماقة أن تقاتل وأنت خالي اليدين".
وشدد متابع آخر على أنه لا يمكن تحويل المدنيين إلى "لحم للمدافع"، وأضاف: "برأيي، الانتفاضة دون خطة خطأ".
وقال أحد المواطنين إن الشعب سيعود إلى الانتفاض عندما يتأكد من أن قوات القمع قد أُضعفت بما يكفي.
كما أشار عدد من المواطنين إلى استهداف "نقاط التفتيش" وتعطيل الهياكل الأمنية للنظام الإيراني باعتبارهما من العوامل التي يمكن أن تمهد الطريق لانتفاضة جديدة.
وكتب أحد المتابعين: "السيد ترامب، واصل الحصار البحري وأضف إليه حصارًا بريًا. اترك يد بنيامين نتنياهو حرة لتدمير منظومة القمع، وعندها سيكون الشعب الإيراني مستعدًا لإسقاط النظام الإيراني".
انعدام الثقة بترامب والقلق من استئناف المفاوضات
عكست بعض الرسائل الواردة انعدام الثقة بسياسة ترامب.
وقال بعض المتابعين إنهم يخشون أن تستأنف الولايات المتحدة المفاوضات مع النظام الإيراني مرة أخرى بعد نزول الشعب إلى الشوارع.
وقال أحد المتابعين: "نحن نخشى الخروج إلى الشوارع ثم تعودون للتفاوض مع نظام الملالي".
وكتب مواطن في رسالة مماثلة: "سينتفض الشعب الإيراني عندما لا تتفاوضون مع هذا النظام القاتل".
وقال شخص آخر: "السيد ترامب، هذه المرة قاتلوا أنتم، والمساعدة من الشعب قادمة".
وتأتي هذه الآراء في وقت كان ترامب قد دعا المحتجين، خلال احتجاجات يناير الماضي، إلى مواصلة وجودهم في الشوارع، وقال إن "المساعدة في الطريق".
وأشار أحد المتابعين إلى تلك التصريحات قائلاً: "في ذلك الوقت، عندما قلت إن المساعدة في الطريق، نزل الناس إلى الشوارع، لكنك جلست وتفاوضت مع النظامة".
وأضاف أن الناس، إذا عادوا إلى الشوارع مرة أخرى، فسيخرجون "من أجل النضال واستعادة حريتهم"، وليس من أجل تنفيذ الاستراتيجية الأميركية.
تشهد مواقع تعاطي المخدرات في طهران تزايدًا في أعداد النساء في منتصف العمر، مع دفع الصعوبات الاقتصادية والتشرد بعضهن من حياة كانت مستقرة في السابق إلى بيئات ينتشر فيها الإدمان والعنف، وفقًا لما أوردته صحيفة «شرق» الإيرانية، الأربعاء 2 سبتمبر (أيلول).
وقال عاملون اجتماعيون للصحيفة، في تقرير ميداني، إن بعض النساء يصلن بسياراتهن الخاصة لشراء المخدرات، قبل أن يفقدن منازلهن ويضطررن إلى النوم داخل سياراتهن، وفي بعض الحالات يجدن أنفسهن مشردات خلال أسابيع.
وقالت الأخصائية الاجتماعية، سبيده علي زاده للصحيفة: «نواجه الآن مجموعة مختلفة من النساء؛ نساء كنّ أحيانًا يعشن حياة طبيعية نسبيًا حتى منتصف العمر، وكانت لديهن أسر وأطفال، ولم يكنّ حتى من متعاطي المخدرات قبل دخولهن هذه الأماكن».
لا توجد أرقام رسمية حديثة تُظهر عدد النساء المشردات في طهران، أو تتيح قياس الزيادة التي وصفها الأخصائيون الاجتماعيون بدقة.
من المنازل والسيارات إلى أوكار تعاطي المخدرات
في أحد مواقع تعاطي المخدرات في منطقة قاحلة بالقرب من طريق آزاديغان السريع في طهران، اصطف رجال ونساء لشراء الهيروين من تاجر كان يعمل من تجويف بين صخور كبيرة، ويدفعون نقدًا أو بالبطاقة قبل تعاطي المخدر في مكان قريب.
وكان من بين هؤلاء نساء لا يزال مظهرهن مختلفًا بشكل ملحوظ عن أشخاص أمضوا فترات أطول في العيش في مثل هذه المواقع.
كانت إحدى النساء تعيش في سيارتها الخاصة وتتعاطى الهيروين بداخلها. وأشار إليها أحد الأخصائيين الاجتماعيين قبل أن تضع أنبوبًا معدنيًا على شفتيها وتغادر بسيارتها البيضاء برفقة شخص آخر يتعاطى المخدرات.
وقال الأخصائي الاجتماعي: «هي لم تصل بعد إلى الحالة التي وصل إليها الآخرون في الموقع، ولا تزال تعيش في سيارتها الخاصة».
ووصف آخرون نساء مررن بمسار مشابه، إذ كنّ في البداية يقدن سياراتهن إلى المنطقة لشراء المخدرات، قبل أن يبدأن بالنوم داخل سياراتهن، وينتهي بهن الأمر بفقدانها.
كما تحدث أشخاص تجمعوا في الموقع عن امرأة شابة أنجبت طفلاً قبل عدة أسابيع في إحدى الغرف البدائية المتناثرة في المنطقة القاحلة.
وقال أحد الموجودين هناك: «وُلد طفلها هنا في موقع تعاطي المخدرات، لكنها اختفت منذ ذلك اليوم».
وقال رجل آخر إن المرأة اختبأت لأنها كانت تخشى أن تأخذ السلطات الطفل منها.
وأضاف: «اختفت لأنها كانت تخشى سلطات الرعاية الاجتماعية. يقولون إن الطفل وُلد مدمنًا، لكن لا أحد يعرف أين هما الآن».
وذكرت صحيفة «شرق» أن محاولات العثور على الأم والطفل باءت بالفشل، بما في ذلك زيارة غرفة بدائية تقع قبالة الطريق السريع، حيث كان أشخاص في الموقع يعتقدون أنهما اختبآ فيها.
ويؤدي الفقر وعدم القدرة على تحمل تكاليف السكن بشكل متزايد إلى تعريض النساء لمثل هذه البيئات، ومن بينهن نساء لم يسبق لهن تعاطي المخدرات.
وقد تمتد المخاطر إلى أسر بأكملها. وفي حالة أخرى وصفها أحد الأخصائيين الاجتماعيين، كان زوجان وطفلهما الصغير يعيشان داخل سيارة، إلى أن تدخلت خدمات الطوارئ الاجتماعية ونقلت الطفل إلى منظمة الرعاية الاجتماعية الحكومية بسبب ظروف المعيشة.
تزايد ظهور النساء في منتصف العمر
لا تملك طهران أرقامًا حديثة بشأن عدد النساء المشردات فيها، لكن البيانات المتاحة تشير إلى مشكلة أوسع نطاقًا تتعلق بالتشرد في العاصمة.
وقد أحصت بلدية طهران نحو 24 ألف شخص مشرد في عام 2021. وارتفعت البلاغات المتعلقة بالأسر المشردة في أوائل عام 2025، كما أشار متحدث باسم مجلس مدينة طهران لاحقًا إلى زيادة في أعداد متعاطي المخدرات الذين يعانون الإدمان بشكل واضح في بعض مناطق العاصمة.
ويقول الأخصائيون الاجتماعيون إن النساء في منتصف العمر أصبحن أكثر ظهورًا في مواقع تعاطي المخدرات خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ الحرب التي استمرت 40 يومًا مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكانت كثير من النساء اللواتي شوهدن في مثل هذه المواقع خلال السنوات السابقة يعانين بالفعل الإدمان أو أشكالاً أخرى من الاضطراب الاجتماعي الشديد. لكن الأخصائيين الاجتماعيين يقولون إنهم باتوا يرون الآن نساء كنّ يمتلكن منازل ويعشن حياة أسرية حتى منتصف العمر، قبل أن تؤدي الضغوط المالية إلى فقدانهن السكن الآمن.
وتعيش بعضهن في البداية داخل السيارات أو شاحنات البيك أب أو ملاجئ مؤقتة. ودون الحصول على الدعم في وقت مبكر، يمكن للتشرد أن يعرّضهن لتعاطي المخدرات ويُسرّع مسارًا نحو التدهور يصبح من الصعب بشكل متزايد عكسه.
العنف والعوائق أمام العلاج
تواجه النساء اللواتي يعشن في مواقع تعاطي المخدرات خطرًا متزايدًا للتعرض للعنف والسرقة والاستغلال، وقد تكون قدرتهن على الدفاع عن أنفسهن أو الهروب من المواجهات محدودة بدرجة أكبر.
وقال التقرير إن محاولات إخلاء أماكن التجمع المعروفة يمكن أن تزيد من هشاشتهن، من خلال تشتيت الأشخاص ونقلهم إلى مناطق أكثر نائية، حيث يصعب الوصول إلى خدمات الحد من أضرار المخدرات.
وبالنسبة إلى الراغبين في التوقف عن تعاطي المخدرات، يمثل الوصول إلى العلاج الطوعي عقبة أخرى.
وقال أخصائيون اجتماعيون لصحيفة «شرق» إن قرار طلب العلاج قد لا يستمر سوى بضع ساعات، قبل أن يؤدي الانسحاب أو الجوع أو العودة إلى البيئة نفسها إلى إعادة الشخص إلى تعاطي المخدرات.
وقد تحول تكاليف العلاج والإجراءات الإدارية والقيود المفروضة على القبول دون حصول الأشخاص الذين لا يملكون المال على المساعدة خلال تلك الفترة، في وقت لا تزال فيه الموارد متاحة لبرامج العلاج الإجباري.