وبدأت احتجاجات شتاء 2025-2026 في الأسبوع الأخير من الماضي بإضراب أصحاب المحال التجارية في مدينة طهران، وسرعان ما امتدت إلى مدن أخرى حول العاصمة ومعظم مدن محافظة طهران؛ وهي مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة تستقبل أعدادًا كبيرة من المهاجرين، وتضم، وفقًا لتعداد عام 2016، نحو 34 في المائة من سكان محافظة طهران.
وبعد دعوة ولي عهد إيران السابق، رضا بهلوي، بلغت الاحتجاجات ذروتها يومي 8 و9 يناير 2026، فيما تحول القمع الدموي الذي كان قد بدأ في وقت سابق خلال هذين اليومين إلى مجزرة غير مسبوقة.
وفي شهریار، تحدث شهود عن دور عضو سابق في الحرس الثوري وأحد أفراد ما يُسمى "المدافعين عن الحرم" في سوريا، قيادة عملية القمع؛ وهي عملية اتسم أسلوب تنظيمها بأوجه تشابه مع أنماط الحرب الحضرية في سوريا.
وقد أُعدت أجزاء من هذا التحقيق استنادًا إلى روايات شهود ومصادر محلية؛ وتنسب الادعاءات الواردة إلى أصحابها، ولا يعني نشرها أن الكاتب يؤكد بشكل مستقل جميع تفاصيلها.
"إمام زاده إسماعيل".. مركز قمع "شهریار"
في "شهریار"، يُظهر ربط مواقع القمع المسجلة، ومنها بولفار انقلاب، وشارع وليعصر، وتقاطع مخابرات، والمنطقة المقابلة لمتجر "كفش ملي"، أن محيط صحن إمام زاده إسماعيل كان مركزًا للقمع وانطلاق القوات.
وكان إمام زاده إسماعيل، خلال فترة الرئيس الراحل، إبراهيم رئيسي، مكانًا لإقامة فعاليات مرتبطة بما يُسمى "المدافعين عن الحرم"، كما حضر رئيسي هذه الفعاليات عدة مرات. وأدى البحث في الأشخاص المرتبطين بهذا الموقع الديني إلى إبراز اسم عباس رسولي فر، الذي قُتل ابنه، وكان من أفراد "الباسيج"، عام 2021.
وتشير التحقيقات والروايات الجديدة إلى أن رسوليفر تولى في يناير 2026 قيادة مجموعات عمليات القمع في شهریار، وأطلق النار على المحتجين بمسدس. ووفقًا لهذه النتائج، كانت القوات الخاضعة لقيادته تُرسل من قاعدة الباسيج التابعة لـ "حوزة 8 روح الله"، بالقرب من الإمام زاده، إلى مناطق مختلفة من شهریار.
وتقع هذه القاعدة في منطقة سكنية خلف الإمام زاده وبجوار مدرسة الخميني الثانوية للبنين. وتظهر في صور الأقمار الصناعية منطقة في هذا الموقع لا تحمل أي علامة تعريف واضحة. وتفيد التقارير بأن هذا المكان كان يُستخدم لتجمع القوات وإعدادها، قبل إرسالها بقيادة رسوليفر لقمع المحتجين.
من سوريا إلى قمع "شهریار"
وُلد عباس رسوليفر عام 1963، وتقيم عائلته في شهریار منذ نحو قرن. ووفقًا لسجلات منشورة، انضم إلى الباسيج عام 1979 وإلى الحرس الثوري عام 1984، ولديه سجل طويل في الفرقة العاشرة "سيد الشهداء". وخلال ثمانينيات القرن الماضي، شارك، بالتزامن مع قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، في عمليات "طريق القدس" و"بيت المقدس" و"نصر 4".
وأكدت صحيفة "جوان" الإيرانية أن عباس رسوليفر كان موجودًا في سوريا عام 2017 ضمن القوات التي تُسمى "المدافعين عن الحرم". وعلى الرغم من أن تنظيم داعش كان لا يزال نشطًا في أجزاء من شرق حلب خلال جزء من ذلك العام، فإن فيلق القدس والقوات المتحالفة معه كانت تقاتل أيضًا على محاور دير الزور والميادين والبوكمال، في إطار التحالف الداعم لبشار الأسد. وبالتالي، فإن وجود رسوليفر في سوريا يؤكد سجله في هذا الهيكل العسكري وخبرته في الحرب الحضرية.
الحرب "الحضرية" في حزام طهران
يكشف فحص أسلوب القمع في شهریار عن تشابهين رئيسيين مع نمط الحرب الحضرية في سوريا: الأول، تقسيم المدينة جغرافيًا إلى مناطق عمليات، والثاني، إسناد مهمة محددة لكل وحدة من الوحدات المشاركة للسيطرة على تلك المنطقة، من دون نقل المسؤولية بين الوحدات.
وتشير نتائج التحقيق إلى أن الخبرة العسكرية العابرة للحدود التي يمتلكها رسوليفر ودوره في تنظيم مجموعات العمليات قد يفسران سبب تشابه التكتيكات المستخدمة في شهریار مع الأساليب التي استُخدمت في سوريا. ووفقًا للتقديرات، قُتل ما لا يقل عن 200 ألف مدني في سوريا على أيدي نظام بشار الأسد والقوات المنسوبة إلى النظام الإيراني والميليشيات المتحالفة معها.
وقد ورد اسم رسولي فر قبل الاحتجاجات الأخيرة في يناير 2026 أيضًا في عدد من عمليات القمع الداخلية، منها احتجاجات قزوين عام 1994، وإسلامشهر عام 1995، واحتجاجات شهریار عام 2009، واحتجاجات نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 في شهریار. كما نسب بعض الشهود إليه مسؤولية قتل نادر مؤمني خلال قمع احتجاجات 2019 في شهریار.
سيناريو القمع بعدة مدن
تشير التحقيقات إلى أن القمع في مدن محافظة طهران اتبع نمطًا موحدًا؛ وهو نمط لم تكن أساليبه، بحسب التقرير، نتيجة قرارات لحظية من عناصر محليين، بل جزءًا من خطة منسقة.
وظهر أول مؤشرات هذا النمط في مدينة إسلامشهر. ففي 7 يناير 2026، وبالتزامن مع بدء الإضراب في تلك المدينة، وضعت الشرطة ووحدات مكافحة الشغب أحياء زرافشان وباغ فيض في حالة تأهب.
وفي 8 يناير 2026، ومع تحرك المحتجين من شوارع زرافشان وباغ فيض وأبوذر باتجاه طريق ساوه، أطلقت مركبات الشرطة قنابل مضيئة. ووفقًا للروايات التي جُمعت، استُخدمت القنابل المضيئة لكشف مواقع التجمعات ونقل موقع وجود المحتجين بسرعة إلى وحدات القمع الأخرى؛ وهي طريقة تشبه تلك المستخدمة في ساحات القتال لتحديد الأهداف.
وفي الليلة نفسها، أفاد شهود بإطلاق ذخيرة حية من سطح المسجد الجامع ومنطقة ميدان خميني في مدينة واوان. كما تكررت لاحقًا في مناطق أخرى روايات عن استخدام مركز ديني موقعًا لإطلاق النار.
وفي مدينة رباط كريم، اتخذ هذا النمط شكلًا آخر. ففي 8 يناير 2026، أطلق مسلحون في مدينة برند، قال شهود إنهم كانوا يتحدثون العربية، النار مباشرة على المحتجين من داخل المساجد والقواعد. وعرّف بعض الشهود هؤلاء بأنهم من قوات "الحشد الشعبي" العراقي، وقالوا إن وجودهم يشبه ما شهدوه خلال قمع احتجاجات نوفمبر 2019.
وفي يومي 8 و9 يناير 2026، استخدمت القوات في "برند" تراجعًا تمويهيًا لاستدراج المحتجين إلى كمين. ووفقًا للروايات، تراجعت القوات إلى الخلف، ما دفع المحتجين نحو مركز الشرطة رقم 18 في برند، وبعد دخول جزء من الحشد إلى محيط المركز، أطلقت القوات النار عليهم بالذخيرة الحية. وقال شهود إن عددًا من المحتجين قُتلوا في إطلاق النار.
وفي باكدشت، يوم 8 يناير 2026، استخدمت القوات الحكومية مركبة مدرعة كبيرة وأسلحة حربية لتفريق المحتجين في منطقة مامازند وشارع العلامة. واستمرت الاشتباكات في 9 يناير، حيث أفاد شهود عيان بإطلاق نار كثيف واستخدام رشاشات من جانب قوات "الباسيج" والحرس الثوري.
وفي قرجك، مساء 8 يناير 2026، انقطعت الكهرباء في محيط ميدان مركز الشرطة، وبالتزامن بدأ إطلاق النار من داخل مركز الشرطة. وفي الظلام، استهدف قناصة المحتجين من فوق سطح ومن طوابق مختلفة من مطعم "سنتنيال" في ميدان الخميني. وقدرت روايات محلية عدد القتلى جراء عمليات إطلاق النار بالعشرات.
وفي 9 يناير 2026، في ميدان محطة قطار ورامين، بثت مركبات مزودة بمكبرات صوت هتاف "حيدر حيدر" بصوت مرتفع جدًا لمنع وصول شعارات المحتجين إلى بعضهم البعض وإسكات أصوات التجمع. وبالتزامن، أطلقت القوات الحكومية الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية.
وفي 8 يناير 2026، تزامن انقطاع شديد في الإنترنت في مدينة قدس (قلعة حسن خان) مع انقطاع الكهرباء. وفي 8 و9 يناير، انتشر قناصة على سطح مجمع ميلاد التجاري في وسط المدينة وميدان سَرقنات ومحيط مبنى المحافظة، كما أطلقت قوات شبه عسكرية، عرّف بعض الشهود أفرادها بأنهم من الحشد الشعبي، النار على المحتجين. وأفادت تقارير محلية بمقتل عشرات الأشخاص. وكان إيليا قدسي من بين الضحايا الذين فارقوا الحياة بعد إصابته برصاصة في الرأس.
قتل داخل سيارة وإجبار على تناول أقراص
وفي بردیس وبومهن، تتحدث الروايات عن مرحلة تجاوزت إطلاق النار على التجمعات، وهي أساليب وصفها الشهود بأنها "اغتيال ميداني" للمحتجين في أماكن معزولة. وفي إحدى الحالات، ذكرت رواية أن محمد رضا مرادقلي، وهو محتج يبلغ 19 عامًا، اعتُقل مساء 8 يناير 2026 ونُقل إلى داخل سيارة تابعة لقوات القمع، حيث قتله عناصر الأمن بعد قطع أحد شرايينه.
ووفقًا لرواية أخرى، فتشت القوات الحكومية في 9 يناير 2026 هاتف شاب آخر عند بوابة مدينة پردیس وفي منطقة بومهن، وبعد العثور على صورة لولي عهد إيران السابق، رضا بهلوي، في هاتفه، اعتقلته. ووفقًا للرواية المسجلة، تعرض الشاب للضرب المبرح وأُجبر على تناول قرصين، ثم تُرك في الشارع عند منتصف الليل.
وفي هذا المحور أيضًا، أُفيد بترديد هتاف "حيدر حيدر" بالتزامن مع الضرب بالعصي، وإطلاق النار المباشر، واستخدام الغاز المسيل للدموع. ويشير تكرار هذه الأساليب في ورامين وبومهن، بالتزامن مع قطع الكهرباء في قرجك ومدينة قدس، ووجود قناصة في قرجك وقلعة حسن خان، وحضور قوات ناطقة بالعربية في برند ومدينة قدس، إلى عناصر النمط الموحد نفسه الذي ظهر في عدة مدن.
وتشير المعلومات، التي وصلت إلى "إيران إنترناشيونال" إلى أنه خلال "الاحتجاجات الشعبية الأخيرة"، تولى أحد قادة الحرس الثوري، الذي يمتلك سجلًا في قمع معارضي نظام بشار الأسد في سوريا، قيادة قوات القمع في شهریار. كما شاركت قوات بالوكالة في عمليات القمع في بعض مدن محافظة طهران.
وكان القمع المتزامن والمنظم للاحتجاجات الشعبية الخيرة في مدن محافظة طهران، ولا سيما في مدينتي قلعة حسن خان وشهریار، نموذجًا لتطبيق تكتيكات "الحرب الحضرية" في أطراف العاصمة؛ حيث لجأت السلطات، بسبب الموقع الجيوسياسي لهذه المنطقة بوصفها "حزامًا عازلاً لطهران"، إلى الأدوات القاتلة مباشرة، دون الدخول في مرحلة احتواء أعمال الشغب بالأساليب التقليدية.