وقد تشكل تصريحات الأمين العام لحزب الله الإيراني، محمد باقر خرازي، إلى جانب خطاب وسائل إعلام مقربة من التيار المحافظ، مثل "رجا نيوز"، مؤشرًا على تصاعد الخلافات بين الحكومة وقيادات الحرس الثوري؛ وهي خلافات قد تتجاوز تباين وجهات النظر بشأن أسلوب إدارة الدولة، لتثير تساؤلات حول ما إذا كان النظام الإيراني، في ظل الضغوط والأزمات المتراكمة، يقترب من مرحلة حاسمة في تحديد مساره ومستقبله.
وكانت "إيران إنترناشيونال" قد أفادت في 31 مايو بأن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، طلب في رسالة رسمية إلى مكتب مجتبى خامنئي التنحي عن منصبه. ووفقًا للتقرير، حذر بزشكيان من أن إدارة البلاد خرجت عن الأطر الرسمية، وأن مجموعة من قادة الحرس الثوري بسطت نفوذها على مفاصل رئيسية في منظومة الحكم.
ويبدو أن التلويح بالاستقالة لم يقتصر على تلك الواقعة، إذ أُثير أيضًا في مراحل لاحقة، من بينها الفترة التي سبقت مفاوضات إسلام آباد. ويزعم محمد باقر خرازي الآن أن مجتبى خامنئي أبلغه بأنه إذا تقدم بزشكيان باستقالته مرة أخرى، فستُقبل هذه المرة.
وبغض النظر عن صحة هذه الرواية، فإن إعادة طرح احتمال استقالة بزشكيان، وما نُسب إلى مجتبى خامنئي من موقف بشأنها، قد يعكسان دخول آلية صنع القرار في إيران مرحلة جديدة، تتزايد فيها الخلافات بشأن حدود صلاحيات الحكومة وعلاقتها بمكتب المرشد وقيادات الحرس الثوري.
إقرار غير مباشر بوجود أزمة
ولا تقتصر أهمية هذه التطورات على تصريحات خرازي. فقد هاجمت "رجا نيوز" مؤيدي التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن، واعتبرت أن مفردات مثل "الاستقالة"، و"قدرة المواطنين على التحمل"، و"استحالة إدارة البلاد"، و"الخسائر غير القابلة للتعويض"، تشكل مفاتيح خطاب يهدف، بحسب الصحيفة، إلى دفع مجتبى خامنئي نحو قبول اتفاق تصفه بـ"التسوية".
ولا تنفي الصحيفة طرح مسألة الاستقالة داخل أعلى مستويات السلطة، بل تقدمها باعتبارها وسيلة ضغط على المرشد. ويعزز ذلك احتمال ألا تكون الاستقالة مجرد شائعة متداولة خارج دوائر الحكم، بل تحولت إلى أحد أوجه الصراع حول مستقبل النظام؛ وهو صراع لا تحتل فيه حقوق المواطنين موقعًا رئيسيًا، فيما يتركز الجدل على كيفية الحفاظ على النظام.
بزشكيان... مسؤول عن النتائج ومقيّد الصلاحيات
يمكن تفسير جانب من هذه الأزمة من خلال الفجوة بين المسؤوليات الدستورية للحكومة وصلاحياتها الفعلية. فحكومة بزشكيان مطالبة بتحمل تبعات الأزمة الاقتصادية، وتداعيات الحرب، والاستياء الشعبي، ونتائج المفاوضات، في حين يبدو أن جانبًا مهمًا من القرارات الأمنية والعسكرية والسياسة الخارجية يُتخذ خارج الحكومة، في مكتب المرشد وبين قيادات الحرس الثوري.
وفي ظل هذا الواقع، يجد بزشكيان نفسه مطالبًا بتحمل مسؤولية نتائج قرارات لا يبدو أنه يؤدي دورًا حاسمًا في صياغتها. فهو رئيس حكومة مدني، في نظام تتزايد فيه هيمنة المؤسسات العسكرية على عملية صنع القرار.
وقال محمد باقر خرازي إن مجتبى خامنئي حذر من أنه سيقبل استقالة بزشكيان إذا تقدم بها مرة أخرى.
وقد تكون الاستقالة إحدى آخر الأوراق التي يملكها بزشكيان لاستعادة جزء من صلاحيات الحكومة. وإذا صحت الرواية المنسوبة إلى مجتبى خامنئي، فقد تعني أن المرشد يفضل إبعاد رئيس الحكومة المعترض على الحد من نفوذ القيادات العسكرية، بدلًا من تقليص تدخل هذه القيادات في إدارة شؤون الدولة.
ولا يعالج هذا النهج أزمة الحكومة محدودة الصلاحيات، بل يبقي بزشكيان في موقع يتحمل فيه مسؤولية أوضاع لا يملك أدوات كافية لتغييرها.
صراع بين خيار التسوية واستمرار المواجهة
يمكن قراءة خطاب "رجا نيوز" بوصفه مؤشرًا على خلاف يتجاوز العلاقة بين بزشكيان وقيادات الحرس الثوري. ففي أحد المعسكرين، يرى البعض أن القدرات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد استُنزفت، وأن الاستمرار في النهج الحالي قد يجعل إدارة الدولة أكثر صعوبة. وفي المقابل، ينظر المعسكر الآخر إلى هذه التحذيرات باعتبارها محاولة للضغط على مجتبى خامنئي ودفعه إلى تقديم تنازلات.
وفي هذا السياق، تُفسَّر حتى التقارير التي تتحدث عن الأضرار التي لحقت بالبلاد أو تراجع قدرة المواطنين على التحمل على أنها دعوات إلى "التسوية". وبذلك، لا يعود معيار اتخاذ القرار هو الإمكانات الفعلية للدولة، بل الحفاظ على صورة المرشد بوصفه غير قابل للتراجع، حتى وإن اضطر المجتمع إلى تحمل مزيد من الأعباء.
وعليه، يمكن اختزال جوهر الصراع في مسارين متنافسين: اتجاه يدعو إلى التوصل لاتفاق يأخذ في الاعتبار الوقائع الميدانية، وآخر يتمسك بمواصلة المواجهة رغم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية واستنزاف القدرات الداخلية.
تراجع الغطاء السياسي لبزشكيان
إذا صحت رواية محمد باقر خرازي، فإن استعداد مجتبى خامنئي لقبول استقالة بزشكيان في حال تكرارها قد يعكس تراجع مستوى الدعم السياسي الذي يحظى به رئيس الحكومة. وإذا صح أيضًا تقرير "إيران إنترناشيونال" بشأن طلب الاستقالة السابق، فقد يكون رفضها آنذاك مرتبطًا بالرغبة في تجنب إظهار الانقسام داخل قمة السلطة، ومنع الدخول في انتخابات مبكرة أو فراغ تنفيذي.
وفي مثل هذا السيناريو، قد يُسمح لبزشكيان بالاستمرار في منصبه، لكن ضمن هامش حركة أضيق، مع توقع ألا يستخدم ورقة الاستقالة مرة أخرى وسيلةً للضغط.
ومن شأن ذلك أن يضعف موقع الحكومة أكثر، إذ قد يدفع الوزراء وكبار المسؤولين إلى تعزيز التنسيق مع مكتب المرشد والمؤسسات العسكرية، إذا خلصوا إلى أن رئيس الحكومة لم يعد يحظى بدعم سياسي ثابت، وأن مستقبله بات مرتبطًا بتطورات الأزمات المقبلة. وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من تركّز السلطة في يد هذه المؤسسات.
السيناريوهات المحتملة
في ظل هذه المعطيات، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار بزشكيان في منصبه، لكن بصلاحيات أكثر محدودية، مع انتقال جانب أكبر من القرارات الاستراتيجية إلى مكتب مجتبى خامنئي، والمجلس الأعلى للأمن القومي، وقيادات الحرس الثوري، في وقت تتجنب فيه السلطة كلفة انتخابات مبكرة أو إظهار الانقسامات الداخلية إلى العلن.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في إبعاد بزشكيان إذا فشلت المفاوضات مع واشنطن، أو وقعت انتكاسة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية جديدة. وفي هذه الحالة، قد تُحمَّل حكومته مسؤولية الأزمة أولًا، قبل أن يُطرح تغيير رئيس الحكومة باعتباره مخرجًا للأزمة.
ويقوم السيناريو الثالث على قبول مجتبى خامنئي باتفاق مع الولايات المتحدة، على أن يُقدَّم للرأي العام باعتباره قرارًا استراتيجيًا اتخذه المرشد، لا نتيجة لضغوط الحكومة أو تنازلاتها.
وفي المقابل، قد ترتفع احتمالات استقالة بزشكيان إذا خرج الخلاف بشأن مواصلة المواجهة أو إطار أي اتفاق محتمل مع واشنطن عن نطاق الاحتواء، بما يجعل بقاءه في منصبه أكثر صعوبة.