وذكرت الوكالة أن الجيش الأميركي كان يملك منذ البداية أدلة تشير إلى أن صاروخًا أميركيًا على الأقل أصاب المدرسة، إلا أن هذه الأدلة لم تؤدِّ حتى الآن إلى اعتراف رسمي بالمسؤولية أو نشر نتائج التحقيق بشكل علني من قِبل وزارة الدفاع الأميركية.
وأوضحت أن هذا التحقيق اعتمد على مصادر مفتوحة، ومقاطع فيديو، وصور أقمار صناعية، وتقارير من منظمات حقوقية، إضافة إلى مقابلات مع مسؤولين أميركيين وباحثين ونشطاء حقوق الإنسان ومعلمين وسكان من ميناب داخل إيران وخارجها، ما كشف تفاصيل جديدة حول الهجوم.
وأضاف التقرير أن الغموض المحيط بنتائج تحقيقات "البنتاغون"، إلى جانب ما وصفته الوكالة بالاستخدام الدعائي من قِبل النظام الإيراني للحادثة، جعل من الصعب إجراء تحقيق مستقل، وأبقى عائلات الضحايا دون إجابات.
كما نقلت الوكالة عن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قوله إنه ربما لن يُعرف أبدًا من المسؤول عن الهجوم على مدرسة البنات في "ميناب"، مشيرًا إلى أنه لا يرى أدلة تثبت أن الصاروخ الذي أُطلق كان أميركيًا.
وقد أثارت تقارير حول إخلاء المدرسة تساؤلات بشأن توقيت عملية الإخلاء قبل الهجوم.
وبحسب تقرير لوكالة "أسوشيتد برس"، فإنه بالتزامن مع بدء الهجمات الأميركية والإسرائيلية على مواقع إيرانية، قررت إدارة المدرسة بعد تلقيها معلومات عن بدء القصف إرسال الطالبات إلى منازلهن مبكرًا، وتم التواصل مع أولياء الأمور للحضور إلى المدرسة واستلام بناتهم.
ويشير تحليل أجرته "إيران إنترناشيونال" استنادًا إلى التسلسل الزمني المعلن من قِبل مسؤولين في النظام الإيراني، إلى وجود تساؤلات حول سير عملية الإخلاء.
فقد بدأت الهجمات الأميركية والإسرائيلية عند الساعة 9:40 صباحًا من اليوم نفسه (بالتوقيت المحلي)، فيما أعلنت وسائل الإعلام الرسمية عند الساعة 10:15 تعطيل المدارس في عموم البلاد.
إلا أن رئيس السلطة القضائية في محافظة هرمزغان، مجتبى قهرمانی، قال إن أول مقذوف أصاب المدرسة عند الساعة 11:15 صباحًا (بالتوقيت المحلي)، مشيرًا إلى أنه كان هناك حينها نحو 360 طالبًا و35 من الكادر التعليمي داخل المدرسة.
وتطرح هذه التوقيتات تساؤلات حول سبب عدم إخلاء أعداد كبيرة من الطلاب والموظفين رغم مرور نحو ساعة على إعلان تعطيل المدارس ونحو ساعة ونصف الساعة على بدء الهجمات.
وبحسب تقرير "أسوشيتد برس"، فبعد نحو 10 دقائق من مغادرة أحد الآباء مع طفلته للمدرسة، سُمع دوي انفجارات، فيما أظهرت صور الأقمار الصناعية أن عدة ذخائر أصابت محيط المدرسة واستهدفت ما لا يقل عن خمسة مبانٍ، وأن انفجار مئات الكيلوغرامات من المتفجرات أدى إلى انهيار مبنى المدرسة.
وتُظهر مقاطع فيديو من موقع الانفجار وشهادات سكان محليين العثور على حقائب مدرسية ورسومات أطفال وأقلام ملونة وأوراق تدريب، إضافة إلى جثث ممزقة تحت الأنقاض أثناء عمليات الإنقاذ.
واستنادًا إلى صور الأقمار الصناعية والخرائط مفتوحة المصدر، أفاد التقرير بأن المدرسة تقع داخل مجمع مُسوّر وبالقرب من قاعدة تابعة للحرس الثوري الإيراني، مشيرًا إلى أن الموقع كان في السابق جزءًا من تلك القاعدة، قبل أن يُفصل عنها قبل أكثر من عقد ويتم تحويله إلى مدرسة.
وأضاف التقرير أن بعض الطالبات من أبناء عناصر من الحرس الثوري، فيما تنحدر أخريات من عائلات محلية، بما في ذلك مواطنون من الأقلية البلوشية السُّنية في "ميناب".
ونقل التقرير عن شيوا عاملي راد، الممثلة الدولية لتجمعات المعلمين في إيران، قولها إنه رغم أن هذه المدارس أُنشئت لخدمة عائلات مرتبطة بالحرس الثوري، فإن الأطفال فيها يُعدّون مدنيين، مؤكدة أن "أي هجوم على مدرسة يُدان بشكل قاطع".
وأشار التقرير إلى أن النظام الإيراني، عقب الهجوم، استغل أسماء وصور الطالبات الضحايا في صياغة روايته الرسمية، عبر تنظيم مراسم حكومية، وإنشاء مقابر موحدة، وحملات إعلامية، وبرامج ثقافية، وملصقات جدارية، ومحتوى تعليمي، وأفلام وثائقية، وفعاليات فنية، ورموز مرتبطة بالمنتخب الوطني الإيراني.
كما ذكرت منظمة العفو الدولية سابقًا أن السلطات الإيرانية استغلت معاناة العائلات والطالبات الناجيات لأغراض دعائية.
قصور استخباراتي وتحقيقات "البنتاغون"
جاء في جزء آخر من التقرير أن مراجعات داخلية للجيش الأميركي تُظهر أن أحد محللي الاستخبارات حدّد المبنى المعني على أنه مدرسة قبل سبع سنوات على الأقل، إلا أن هذه المعلومات لم تُنقل بشكل كافٍ بين الوحدات الاستخباراتية والعسكرية.
وبالتالي، عند تصميم العملية، لم يكن المبنى مُصنّفًا لدى مخططي الأهداف كمدرسة، وهو ما قد يشير، بحسب مسؤول أميركي، إلى خلل بنيوي في عملية تحديد الأهداف ومراجعتها.
ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" أيضًا عن الرئيس السابق لقسم تقييم الأضرار المدنية في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ويس براينت، قوله إنه بعد تولي بيت هيغسيث منصب وزير الحرب، تم تقليص مكتب "مركز التميز لحماية المدنيين"، وتوقفت أعماله المتعلقة بتحديث قائمة المواقع المحظور استهدافها، بما في ذلك المدارس والمستشفيات ودور العبادة.
وبحسب أحدث مراجعات مجموعة "إيروارز"، تم تحديد هوية 157 من ضحايا الهجوم، بينهم 123 طالبة بعمر 13 عامًا أو أقل، و34 بالغًا، و26 من موظفي المدرسة، من بينهم امرأة حامل، إضافة إلى خمسة من أولياء الأمور الذين فقد كل منهم ابنة واحدة على الأقل.
وقدّرت المجموعة عدد القتلى بين 157 و168 شخصًا، وعدد الجرحى بين 95 و111 شخصًا، وهي أرقام تختلف عن تلك التي أعلنتها السلطات الحكومية في إيران.
وقالت السلطات في إيران إن الهجوم، الذي وقع بالتزامن مع بدء الهجمات الأميركية والإسرائيلية على مواقع في إيران ومقتل علي خامنئي، أدى إلى مقتل أكثر من 175 طالبة ومعلمًا. ومع ذلك، استخدمت السلطات خلال الأسابيع الماضية تعبير "ميناب 168" لإحياء ذكرى 168 طالبًا قُتلوا.
واختتمت وكالة "أسوشيتد برس" تقريرها بالقول إن تحقيقات "البنتاغون" بشأن الحادثة قد اكتملت إلى حد كبير، لكن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لا تزال تراجع النتائج، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان التقرير النهائي سيُنشر أم لا. وفي الوقت نفسه، دعا عدد من أعضاء "الكونغرس" الأميركي إلى الشفافية ونشر نتائج التحقيق بالكامل.
المواقف والتقارير السابقة
قال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، براد كوبر، خلال جلسة في الكونغرس الأميركي، إن التحقيق العسكري بشأن هذا الهجوم "معقد"، لأن المنشأة التعليمية كانت تقع داخل موقع نشط لصواريخ كروز تابعة لإيران.
وأضاف قبل ذلك بأربعة أيام أنه لا يستبعد احتمال إصابة قنبلة أميركية، لكنه شدد على أن التحقيق لا يزال جارياً، وأن الجيش الأميركي لم يتحمل المسؤولية عن الهجوم.
من جهته، قال وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، إن الجيش الأميركي لا يستهدف المدنيين عمدًا، متهمًا النظام الإيراني بالمسؤولية عن مثل هذه الهجمات.
كما ذكرت وكالة "رويترز" وشبكة "إن بي سي نيوز"، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن المراجعات الأولية للجيش الأميركي أثارت احتمال تورط الولايات المتحدة في هجوم صاروخي على مجمع في ميناب، وهو الموقع الذي تقع فيه مدرسة "الشجرة الطيبة".
وفي المقابل، رفض مسؤول إسرائيلي هذا الطرح، مشيرًا إلى أن المعطيات المتوافرة تشير أكثر إلى خطأ في إطلاق صواريخ من جانب إيران.
أما المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، ماي ساتو، فقد وصفت الهجمات الأميركية والإسرائيلية بأنها "غير قانونية"، مشيرة إلى مقتل أكثر من 160 طالبة في هجوم ميناب، وإلى استهداف مستشفيات ومناطق مكتظة بالسكان.