ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "بیام ما" الإيرانية، فقد واجهت محافظة فارس منذ 10 مايو (أيار) الماضي وحتى 24 يونيو (حزيران) الحالي موجة غير مسبوقة من حرائق الغابات. وتنوعت هذه الأحداث بين 13 حالة حريق في مدينة "كوه جُنار" خلال 12 يوماً، وأربعة حرائق متزامنة في "نور آباد ممسني"، وصولاً إلى 6 بؤر حرائق في 28 مايو، وخمسة حرائق في يوم واحد في "كوه جنار"، بالإضافة إلى حرائق متعددة في "كوهمره سرخي"، و"ماله غاله"، ومتنزه "بمو" الوطني، ومناطق أخرى من زاغروس.
وصرح عضو فريق إطفاء الحرائق "حماة طبيعة زاغروس"، بختيار كشاورز، لصحيفة "بیام ما"، بأنه على الرغم من أن حرائق هذا العام في "نور آباد" بدأت متأخرة بنحو شهر مقارنة بالعام الماضي، فإن الأمطار الجيدة أدت إلى نمو كثيف للغطاء النباتي، وهو ما ضاعف مساحة الحرائق عدة مرات. وحذر قائلاً: "ادعوا أن يمر هذا العام على خير. مع وضع الغطاء النباتي الحالي، ادعوا ألا يصاب متطوعو زاغروس بأذى».
معدات متهالكة وإدارة غير كفؤة
وفقاً لهذا الناشط البيئي، فإنه على الرغم من أن اجتماعات التنسيق بين الموارد الطبيعية، وهيئة إدارة الأزمات، والمجموعات الشعبية قد حسّنت وضع الدعم اللوجستي قليلاً مقارنة بالعام الماضي، فإن اتساع مناطق الحرائق والنقص الحاد في القوات والإمكانات لا يزالان يحولان دون السيطرة السريعة على النيران.
وأفاد المتطوعون بأن جزءاً كبيراً من المعدات التي يستخدمونها قد تهالك. وقال كشاورز إن جهاز نفخ الهواء (المضخة) الذي استخدمه لمدة 4 سنوات لم يعد بالكفاءة المطلوبة، وبسبب المشاكل الاقتصادية، تراجعت التبرعات الشعبية لشراء معدات جديدة بشكل حاد. وبحسب قوله، يواجه المتطوعون صعوبة حتى في تأمين الأحذية، والملابس، والقفازات القياسية.
كما حذر الناشطون البيئيون من غياب أمن وسلامة القوات المتطوعة. وذكر كشاورز أن أحد أعضاء المجموعة سقط العام الماضي من الجبل ونجا بأعجوبة، مؤكداً أن المتطوعين الذين يعملون بجوار ألسنة اللهب يحتاجون إلى معدات سلامة قياسية.
من جانبه، وصف عضو فريق إطفاء الحرائق في "سرجهان"، محمد مراد بور، الحريق الذي اندلع في منطقة "روشنكوه" المحمية بأنه أحد أكبر الحرائق في السنوات الأخيرة؛ حيث استمرت النيران لأكثر من 12 ساعة وقضت على جزء كبير من أشجار الفستق البري (البنه).
وأوضح أن عملية الإطفاء تمت بشكل رئيسي بمشاركة القوات الشعبية؛ حيث دخلت المجموعات المتطوعة إلى خط النار بالتناوب. ومع ذلك، أشار إلى أن المشاركة الشعبية تراجعت مقارنة بالسابق؛ وهو أمر يُعزى- بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية واضطراب التدفق المعلوماتي- إلى غياب الإجراءات القضائية الرادعة بحق المتسببين في الحرائق. وذكر أنه في الساعات الأولى للحريق، حوصر عدة أشخاص داخل حلقة النار، ولم يكن واضحاً أي جهة ستتحمل المسؤولية لو وقع مكروه لهم.
وانتقد مراد بور نقص المعدات، وضعف إدارة الأزمات، والتأخر في إرسال آليات فتح خطوط عزل النيران (آتش بُر)، مؤكداً أنه لو تدخلت إمكانات المحافظات المجاورة في الساعات الأولى، لما اتسعت رقعة النار بهذا الشكل.
وبدوره، أفاد رئيس فريق إطفاء الحرائق في مدينة "كوه جُنار"، شريف محمدي، بتسجيل 27 حالة حريق في هذه المدينة خلال الشهر الماضي وحده. وهو رقم يتجاوز الإحصاءات الرسمية لإدارة الموارد الطبيعية، لأن بعض المناطق الخاضعة لإدارة البلديات لا تُسجل في الإحصاءات الرسمية.
وأعلن اندلاع حريق واسع الأسبوع الماضي في جزء من محمية المحيط الحيوي في "أرزن وبريشان"، طال نحو 18 ألف هكتار واستغرق إخماده 48 ساعة. وقال محمدي إن إدارة الموارد الطبيعية لم تكن تملك سوى عنصر عملياتي واحد لحماية هذه المساحة الشاسعة، وإن معظم العمليات نُفذت بالمعدات الشخصية للمتطوعين.
المنشأ البشري للحرائق
وفقاً لهذا الناشط البيئي، فإن العديد من الحرائق ذات منشأ بشري. وأوضح أن بعض الأفراد يقومون بإشعال النيران في الغابات بهدف الاستيلاء على الأراضي الوطنية، أو بعد تدمير مزارع الخشخاش غير القانونية.
وذكر محمدي، الذي سقط هو نفسه من الجبل خلال عمليات الأسبوع الماضي دون أن يصاب بأذى جسيم، أنه تعرض العام الماضي أيضاً لكسر في الضلع وإصابة في الساق أثناء إطفاء حريق. وأضاف أن عضواً آخر في فريقه سقط العام الماضي من مرتفع وتعرض لكسور في فقرات الظهر والكتف، ورغم امتلاكه بطاقة "مساعد الطبيعة" والتأمين، فإنه لا يزال يخوض معاملات قضائية للحصول على حقوقه القانونية. وحذر من أنه مع استمرار الوضع الحالي، سيفقد المتطوعون حافزهم للمشاركة في العمليات.
كما أشار محمدي إلى أنه شعر بالخوف هذا العام لأول مرة خلال أكثر من 400 عملية إطفاء شارك فيها، لأن ارتفاع ألسنة اللهب وصل إلى نحو 15 متراً، ولم يكن من الممكن الاقتراب من النار باستخدام أجهزة النفخ. وتوقع أنه مع ارتفاع درجات الحرارة وانتقال النار إلى المرتفعات، فإن احتمال وقوع حرائق أوسع في الأسابيع المقبلة يظل مرتفعاً للغاية.
وأكد المتطوعون أن استخدام المروحيات لنقل القوات إلى المناطق الوعرة وصعبة العبور يعد أكثر فاعلية بكثير من استخدام مروحيات رش المياه. ففي كثير من الحالات، يضطر المنقذون للسير صعوداً في الجبال لمدة تتراوح بين 8 و9 ساعات للوصول إلى موقع الحريق، مما يستنزف طاقتهم وقدرتهم على المواجهة. كما طالبوا باستخدام الطائرات المسيّرة (الدرونز) لمراقبة المناطق بعد الإطفاء وتحديد مسارات انتشار النار، وهو إجراء يمكن أن يمنع عودة القوات غير الضرورية إلى المنطقة وهدر الإمكانات.
وأكد محمد حسين حسين زاده، وهو عضو آخر في الفرق الشعبية بـ "كوهمره سرخي"، أن المروحيات يمكنها تقليص وقت وصول القوات إلى المنطقة بشكل ملحوظ، مشيراً إلى أن أجهزة النفخ- في حال توفرها بأعداد كافية- تعادل كفاءة 20 عنصراً بشرياً؛ لكن نقص الإمكانات وتراجع الدعم الشعبي يحدان من قدرات المتطوعين.
وفي المقابل، صرح المدير العام للموارد الطبيعية وإعادة تشجير الغابات بمحافظة فارس، شهرام منتصري، لوكالة أنباء "إيسنا" في 25 يونيو الجاري، بأن الحريق في غابات "بالاده كازرون" و"كوهمره سرخي" قد تم احتواؤه بالكامل، ولا توجد حالياً أي بؤرة نشطة للنار في المنطقة. وأضاف أن عمليات المراقبة مستمرة لمنع اشتعال النيران مجدداً، مشيراً إلى أن الرياح الشديدة تسببت في اشتعال النار عدة مرات، مما استدعى تكرار عمليات الإخماد بين 4 و5 مرات. كما ذكر أن المروحيات نفذت 12 طلعة جوية في يوم واحد لنقل القوات.
ومع ذلك، قال إسماعيل حسيني، نائِب شيراز وزرقان في البرلمان الإيراني، لوكالة "إيسنا"، يوم الجمعة 26 يونيو، إن حريق "كوهمره سرخي" الذي بدأ في 21 يونيو بفعل فاعل، استمر لمدة ستة أيام بسبب "سوء التدبير"، وقضى على أجزاء من غابات زاغروس الثمينة.
وانتقد حسيني أداء الأجهزة المسؤولة، قائلاً إن أكثر من 90 في المائة من حرائق غابات زاغروس ذات منشأ بشري ويمكن الوقاية من معظمها عبر التوعية والوقاية، لكن المسؤولين لا يفكرون في تأمين التمويل والمعدات إلا بعد اندلاع النيران كل عام.
كما انتقد عدم تنفيذ توجيهات وزير الجهاد الزراعي بشأن تجهيز مخفر الحماية في "كوهمره سرخي"، ونقص القوات والمعدات، والعطل الفني في مروحية رش المياه الوحيدة بالمحافظة، وغياب برنامج شامل للوقاية والرصد. وطالب النائب بفتح تحقيق قضائي ومحاسبة المتسببين في إشعال النيران، وإنشاء آلية واضحة لتنظيم وتجهيز القوات الشعبية.
وتظهر مجموعة شهادات المتطوعين، ومسؤولي الموارد الطبيعية، ونائب البرلمان أنه على الرغم من إخماد الحرائق الأخيرة في بعض المناطق، فإنه مع بداية فصل الصيف، وكثافة الغطاء النباتي، ونقص الإمكانات، واستمرار العوامل البشرية، تظل المخاوف قائمة بشأن تكرار الحرائق الواسعة في غابات "زاغروس".