وذكرت "رويترز"، في تقرير نشرتهيوم الثلاثاء 16 يونيو (حزيران)، نقلاً عن 11 شخصًا مطلعين على هذه العمليات، أنه تم تحديد موقعين محددين تُجرى فيهما عمليات نقل النفط من سفينة إلى سفينة ذهابًا وإيابًا؛ أحدهما بالقرب من ساحل الفجيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة، والآخر بالقرب من ميناء صحار في سلطنة عُمان.
وبدأت هذه العمليات في أوائل مايو (أيار) الماضي، ووفقًا لبيانات الملاحة البحرية والصور الفضائية التي راجعتها رويترز، شاركت فيها ما لا يقل عن 92 سفينة.
ووفقًا للصور الفضائية التي فحصتها الوكالة، شوهد حتى 11 يونيو الجاري 17 زوجًا من السفن في الموقعين المذكورين وهي تنقل النفط في الوقت نفسه.
ويقع الموقعان اللذان تُجرى فيهما عمليات النقل في بحر عُمان بالقرب من مخرج مضيق هرمز، كما أنهما قريبان من الحدود التي حددتها "هيئة إدارة الممر المائي للخليج" باعتبارها منطقة خاضعة لسيطرة الحكومة الإيرانية.
وقد أُنشئت هذه الهيئة في 5 مايو الماضي خلال أزمة مضيق هرمز، فيما صادق المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني رسميًا على تأسيسها في 18 من الشهر الماضي أيضًا.
ارتباط المروحية "أباتشي" التي سقطت بعمليات نقل النفط
كان الجيش الأميركي يدعم القوافل المتجهة نحو ناقلات النفط المحملة بالنفط بواسطة طائرات مسيّرة جوية وبحرية ومروحيات.
وقال أربعة مصادر، من بينها مسؤول أميركي سابق مطلع على هجمات الولايات المتحدة، للوكالة إن مروحية أباتشي التي استهدفتها القوات الإيرانية وأسقطتها، في 9 يونيو الجاري، بالقرب من السواحل العُمانية، كانت مشاركة في عمليات نقل النفط. وقد أدى إسقاط هذه المروحية إلى شن الولايات المتحدة ضربات قصف انتقامية.
وباستخدام الصور الفضائية، أحصت "رويترز" في اليوم الذي أُسقطت فيه الأباتشي 12 ناقلة نفط متجاورة ضمن منطقة صغيرة قرب ميناء صحار.
كما تعرض ميناء الفجيرة خلال فترة العمليات السرية لنقل النفط بقيادة الولايات المتحدة لاستهدافات متكررة من قِبل الحرس الثوري الإيراني.
ونقلت الوكالة عن مسؤول دفاعي أميركي قوله إن أية قوة تابعة للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) لا تشارك في عمليات نقل النفط من سفينة إلى سفينة في البحر.
وأحال البيت الأبيض استفسارات "رويترز" إلى القيادة المركزية الأميركية، بينما لم تستجب الحكومة الإيرانية لطلبات الوكالة للتعليق على هذه العمليات.
وأغلقت إيران مضيق هرمز ردًا على الحرب الأميركية- الإسرائيلية. وقد تسبب إغلاق هذا الممر المائي، الذي يمر عبره خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، في أكبر اضطراب لإمدادات الطاقة العالمية في التاريخ، وأدى إلى تصاعد التضخم في أنحاء العالم.
كيفية تنفيذ العمليات
قالت ثمانية مصادر، من بينهم متعاقد أمني خاص شارك في عمليات النقل، لـ "رويترز" إن هذه العمليات كانت تُنفذ بالكامل تحت سيطرة الجيش الأميركي.
ووفقًا لأحد المصادر، وكذلك استنادًا إلى الصور الفضائية، كان على ناقلات النفط التوجه إلى نقطة تجمع قبل الوصول إلى المضيق، ثم ضبط توقيت حركتها بحيث تبقى على مسافة تتراوح بين 3000 و4000 متر من بعضها البعض. كما قال أربعة مصادر إنه كان يجب إطفاء أجهزة الإرسال الخاصة بتحديد الهوية وتقليل إضاءة السفن إلى أدنى حد.
وفي هذه الآلية، تُحدد عدة نقاط على طول المسار حتى يتمكن الجيش الأميركي من متابعة حركة الناقلات خطوة بخطوة. ومع ذلك، قال أحد المصادر إن الرقابة الأمريكية كانت في الواقع مستمرة، وإن الأمريكيين كانوا يتابعون السفن طوال رحلتها بأكملها.
وكتبت "رويترز" في شرحها لعملية نقل النفط بين السفن: "عندما تعبر ناقلات النفط مضيق هرمز، فإنها تتموضع مباشرة بعد المنطقة التي تعتبرها إيران ضمن نطاق سيطرتها إلى جانب ناقلات عملاقة مخصصة للاستقبال، لتبدأ عملية نقل النفط. ويستغرق استكمال هذه العمليات ما بين 24 و40 ساعة. بعد ذلك تعود الناقلات الفارغة عبر المضيق، فيما تواصل ناقلات النفط الخام العملاقة التي تم تحميلها حديثًا رحلتها".
وقد أصبحت هذه العمليات من سفينة إلى سفينة ممكنة لأن عدداً من شركات الشحن، رغم الحصار الإيراني، وافقت على عبور سفنها المضيق وإيصال النفط إلى ناقلات تنتظر استلام الشحنات.
نسخة من أسلوب طهران وبكين
تستخدم إيران منذ سنوات أسلوب النقل من سفينة إلى سفينة للالتفاف على العقوبات، لأن هذه الطريقة تخفي مصدر النفط. ويتمثل الفرق بين الطريقة الإيرانية وما جربته الولايات المتحدة خلال الأسابيع الماضية في طبيعة السفن المشاركة في عمليات النقل.
وبحسب "رويترز"، كانت طهران تغيّر السفينتين المشاركتين في كل عملية نقل لتجنب الكشف عنها، وكذلك بسبب محدودية صادراتها النفطية نسبيًا قبل الحرب التي استمرت 40 يومًا.
أما في العمليات الواسعة النطاق التي تقودها الولايات المتحدة، فإنها توفر للمنتجين الخليجيين حماية أكبر من الهجمات الانتقامية الإيرانية، بما يتيح لهم نقل النفط الخام والمكثفات الغازية والمنتجات النفطية إلى المشترين الدوليين.
ومن خلال مراجعة أكثر من اثنتي عشرة صورة فضائية تعود للفترة بين 2 مايو الماضي و11 يونيو الجاري، رصدت "رويترز" حالات لنقل النفط من سفن تابعة لأساطيل حكومية خليجية إلى ناقلات نفط دولية. كما أظهرت بيانات الملاحة التابعة لشركتي LSEG و"كبلر" أن الناقلات العاملة في المنطقة تموضعت مرارًا إلى جانب بعضها البعض في مواقع محددة خلال الفترة نفسها.
ووصف رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، مايكل فرومان، في مذكرة كتبها يوم 12 يونيو، استعانة الولايات المتحدة بـ "دليل العمل الخاص بالصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران" بأنها "مفارقة ساخرة".
مشغلو ناقلات النفط الدولية
كتبت "رويترز" أن مراجعة سجلات الشحن تُظهر أن الجهات التي تتلقى النفط في هذه العمليات هي في الغالب شركات دولية تتولى تشغيل ناقلات النفط. ومن بين هذه الشركات شركة "ديناكوم تانكرز مانجمنت" ومقرها اليونان، والتي أشارت منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلى سعيها لإيجاد طرق مبتكرة لنقل النفط عبر مضيق هرمز.
وقال متخصصون في الأمن البحري ومسؤولون في قطاع الشحن البحري، تعليقًا على المخاطر التي تنطوي عليها هذه العمليات بالنسبة للسفن المشاركة فيها، إن أجهزة الإرسال المستخدمة للإبلاغ عن مواقع السفن يجب أن تُطفأ عند استخدام هذه الآلية.
وبذلك لا تقوم الشركات بالإبلاغ عبر مراكز المتابعة المعتادة، الأمر الذي يزيد من خطر اصطدام السفن التي تتحرك ليلاً مع إطفاء أنوارها.
وقالت أربعة مصادر مطلعة لـ "رويترز" إن الشركات الراغبة في استخدام هذا النظام يجب أن تخضع لعملية تدقيق وموافقة قبل حصولها على موعد العبور عبر المضيق، وأن تقدم المعلومات المطلوبة إلى مكتب "التعاون والإرشاد البحري للملاحة" التابع للبحرية الأميركية في البحرين.
وتُظهر وثيقتان أوليتان، اطلعت عليهما "رويترز"ـ أن على هذه الشركات تقديم سجلات التتبع الكاملة للسفن، والمعلومات المتعلقة بالملكية النهائية لها، ووثائق الشحنات، إضافة إلى إعلان استعدادها للسماح بإجراء فحوصات على الحمولة.
وفي حال الموافقة عليها، تُحدد للسفن المشاركة نوافذ زمنية محددة للعبور، وتبقى هذه السفن على اتصال بالمكتب العسكري الأمريكي في البحرين طوال الرحلة.
ووفقًا لما كتبته "رويترز"، فإن مراجعة سجلات الشحن تُظهر أن الصادرات الإماراتية تشكل جزءًا مهمًا من عمليات نقل النفط التي تجري تحت الإشراف الأمريكي. وقال ستة مصادر إن شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) كانت من بين أكثر الجهات مشاركة في هذه العمليات.
كما شاركت شركة ناقلات النفط الكويتية بنشاط في هذه العمليات.
ووفقًا لبيانات مؤسسة "تانكر تراكرز" المستقلة المتخصصة في تتبع السفن، فقد جرى في 6 يونيو الجاري، وهو أحد أكثر أيام عمليات النقل ازدحامًا، نقل نحو 2.3 مليون برميل من النفط الخام من إحدى سفن الشركة الكويتية بالقرب من ساحل صحار إلى سفينة أخرى.
وقد شوهدت السفينة المستقبلة، التي تحمل اسم "سي روبي"، بعد خمسة أيام بالقرب من الساحل الجنوبي الغربي للهند وهي متجهة نحو الصين. وكان من المتوقع أن تُفرغ حمولتها هناك.
ولم تستجب حكومة الإمارات، ولا شركة "أدنوك"، ولا شركة ناقلات النفط الكويتية لطلبات التعليق.
وحسب تقديرات "رويترز" المستندة إلى الصور الفضائية، فمن المحتمل أن تكون هذه الشبكة البحرية قد نقلت ما لا يقل عن 90 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية منذ أوائل مايو الماضي.
وقد حُسب هذا الحجم استنادًا إلى السعة التحميلية لناقلات النفط، لكنه لا يزال محدودًا مقارنة بمتوسط ما كان يمر عبر المضيق قبل الحرب، والذي بلغ نحو 20 مليون برميل يوميًا.
ووصف الباحث البارز في معهد واشنطن والمتخصص في المخاطر البحرية، نوام رايدان، والذي راجع النتائج التي توصلت إليها "رويترز" في هذا التقرير، هذه الآلية بأنها: "حل مؤقت في ظروف استثنائية"، مضيفًا أن مثل هذا الإجراء لا يمكن أن يشكّل حلاً دائمًا.