وكتب جوناثان سباير، في مقال نشرته المجلة البريطانية، أن سياسة إدارة ترامب تجاه إيران اتسمت بمزيج من التهديد العسكري، والسعي إلى عقد الصفقات، والعجز عن استيعاب طبيعة النظام الإيراني، مشيرًا إلى أن واشنطن ما زالت تفتقر إلى استراتيجية واضحة للخروج من الأزمة الحالية.
وأشار الكاتب إلى التصريحات المتناقضة التي أدلى بها ترامب، يوم الخميس 11 يونيو (حزيران)؛ إذ هدد أولاً بأن الولايات المتحدة ستضع قريبًا يدها على جزيرة "خارك" وغيرها من البنى التحتية النفطية الإيرانية، قبل أن يعلن بعد ساعات إلغاء العملية العسكرية المخطط لها ضد النظام الإيراني بسبب التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن.
وبحسب التحليل، كتب ترامب في البداية على منصة "تروث سوشال" أن الولايات المتحدة ستفرض "سيطرة كاملة على أسواق النفط والغاز الإيرانية". لكنه عاد لاحقًا، في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز"، ليقول إنه يفضل السيطرة على جزيرة "خارك"، لكنه غير متأكد من استعداد الرأي العام الأميركي لتقبل خطوة كهذه.
وأضاف الكاتب أن الرئيس الأميركي أعلن بعد ساعات التوصل إلى اتفاق قال إنه حظي بموافقة الأطراف المعنية "من حيث المبادئ والتفاصيل".
ولفت سباير إلى أن وسائل الإعلام المقربة من الحرس الثوري الإيراني تعاملت مع هذه المزاعم بتشكيك وسخرية، حيث ذكّرت وكالة "تسنيم" للأنباء بأن ترامب تحدث عشرات المرات خلال الشهرين الماضيين عن قرب التوصل إلى اتفاق، فيما أفادت وكالة "فارس" بأن المصادر الإيرانية لا تتحدث حتى الآن عن اتفاق نهائي، رغم أنها لا تستبعد إمكانية التوصل إليه.
كما تناول الكاتب الموقف الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن مصادر إسرائيلية أكدت أن حكومة بنيامين نتنياهو لم تشارك في مسار المفاوضات وليست طرفًا في الاتفاق المحتمل. وأضاف أن مكتب نتنياهو أوضح أن إسرائيل لن تدعم أي اتفاق إلا إذا تضمن إخراج المواد المخصبة، وتفكيك البنية التحتية للتخصيب، وفرض قيود على البرنامج الصاروخي الإيراني، وإنهاء دعم طهران للقوى الوكيلة في المنطقة.
غير أن سباير يرى أنه لا توجد مؤشرات على أن الاتفاق الذي يتحدث عنه ترامب يتضمن مثل هذه البنود. وبرأيه، فإن الولايات المتحدة تخلت عمليًا عن مساعي الحد من البرنامج الصاروخي الإيراني وشبكة الحلفاء الإقليميين للنظام الإيراني، وركزت جهودها على الملف النووي وإعادة فتح مضيق هرمز.
وأشار إلى أن المعلومات المتوافرة تفيد بأن جوهر مذكرة التفاهم المحتملة يتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز وبدء فترة مفاوضات تمتد 60 يومًا حول بقية الملفات الخلافية.
ويرى الكاتب أن التبدلات المستمرة في مواقف ترامب تعكس غياب خطة أميركية واضحة لحل الأزمة. فمن جهة، تمتلك واشنطن القدرة العسكرية على فتح مضيق هرمز بالقوة أو وقف صادرات النفط الإيرانية بالكامل، لكنها من جهة أخرى تفتقر إلى التأييد الشعبي اللازم لتوسيع الحرب وتحمل خسائرها البشرية.
وأضاف أن السيطرة على جزيرة "خارك" قد تستدعي عملية برية وقبول وقوع خسائر بشرية، وهو ما لا يبدو أن المجتمع الأميركي مستعد له.
كما اعتبر أن إيران لا ترغب في منح ترامب فرصة لتقديم أي اتفاق محتمل باعتباره انتصارًا سياسيًا أو مخرجًا مشرفًا من الأزمة.
ويُرجع سباير جذور هذا المأزق إلى سوء تقدير إدارة ترامب لطبيعة النظام الإيراني. فرغم تأكيد ترامب مرارًا أن القدرات البحرية والجوية الإيرانية تعرضت للتدمير عمليًا، فإن القوة الحقيقية للنظام الإيراني، بحسب الكاتب، لا تكمن في قدراته التقليدية البحرية أو الجوية.
ووصف إيران بأنها نظام أيديولوجي إسلامي منخرط في "حرب دائمة"، لا تدور أساسًا بين الجيوش، بل بين المجتمعات والأيديولوجيات وشبكات النفوذ.
ويرى أن قدرة النظام الإيراني على الحفاظ على سلطته داخليًا وتوسيع نفوذه الإقليمي من خليج عدن إلى البحر الأبيض المتوسط تستند إلى قدرته على تعبئة الولاءات الدينية، ولا سيما في الأوساط الشيعية، وتحويلها إلى قوة سياسية وشبه عسكرية.
وبحسب الكاتب، فإن هذا الفهم لطبيعة القوة الإيرانية لا يحظى بمكانة كبيرة في رؤية ترامب ومستشاريه، إذ ينظر الرئيس الأميركي إلى العالم أساسًا من زاوية الصفقات، ويفترض أن جميع الخلافات يمكن تسويتها في نهاية المطاف عبر التفاوض.
وأشار سباير إلى تصريحات ترامب الأخيرة بشأن تبادل الهجمات بين إيران وإسرائيل، موضحًا أن الرئيس الأميركي يعتقد أن الطرفين "استمتعا بما يكفي"، وأن الوقت قد حان للعودة إلى طاولة المفاوضات.
وأكد الكاتب في الوقت نفسه أن ترامب، خلافًا للصورة التي كانت سائدة عنه قبل دخوله السياسة، ليس ميالاً إلى الحروب، بل يفضل تسوية النزاعات عبر الاتفاقات، خاصة تلك التي يعترف فيها الطرف الآخر بتفوق القوة الأميركية.
إلا أن إيران، بحسب رأيه، ليست مستعدة لأداء هذا الدور، وهو ما وضع واشنطن في موقف صعب؛ فهي لا تمتلك الإرادة السياسية الكافية لفرض مطالبها بالكامل، كما أنها غير قادرة على إجبار طهران على الرضوخ لشروطها.
وفي سياق متصل، استشهد الكاتب بالتجربة الإسرائيلية، معتبرًا أن إسرائيل أخفقت لسنوات في فهم طبيعة "المشروع الإسلامي" الذي تشكل ضدها، وأن هذا القصور ساهم في الوصول إلى أحداث هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
وأضاف أن إسرائيل أجرت منذ ذلك الحين مراجعة جزئية لنهجها، لكنها ما زالت تواجه كلفة ومتطلبات المواجهة طويلة الأمد مع النظام الإيراني وحلفائه.
وفي ختام تحليله، خلص سباير إلى أن الدبلوماسية المتقلبة والمتناقضة لإدارة ترامب تكشف أن الغرب لم يدرك بعد بصورة كاملة طبيعة التحدي الذي تمثله إيران.
كما أشار إلى موقف وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، التي دعت "الطرفين" إلى ضبط النفس والعودة إلى المفاوضات للتوصل إلى اتفاق دائم، معتبرًا أن هذا الموقف يجسد حالة الارتباك التي يعيشها الغرب في التعامل مع الأزمة الراهنة.