ومن شأن الهجوم على هذه المنشأة الاستراتيجية المرتبطة بالحرس الثوري أن يؤدي إلى تعطل سلاسل الإنتاج في الشقين العسكري والمدني، على حد سواء.
وتعود ملكية بتروكيماويات "كارون" إلى "الشركة القابضة لصناعات الخليج للبتروكيماويات"، والتي تعد أكبر كيان بتروكيماوي في إيران. وتُظهر تقارير متعددة، لا سيما تلك الصادرة عن وزارة الخزانة الأميركية عام 2019، أن هذه المجموعة القابضة قد أبرمت عقوداً هندسية وإنشائية وتمويلية بقيمة مئات الملايين من الدولارات مع "مقر خاتم الأنبياء للبناء" (الذراع الاقتصادية للحرس الثوري).
وبناءً على ذلك، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مجموعة "الخليج الفارسي" وشبكة الشركات التابعة لها، نظراً لإسهام عائداتها في تقديم الدعم المالي للحرس الثوري ومقر "خاتم الأنبياء".
ويُذكر أن الحرس الثوري يهيمن على جزء كبير من عائدات البتروكيماويات الإيرانية- بما في ذلك الصادرات والمشاريع- أو يتلقاها عبر شركات تابعة وعقود تُمنح دون مناقصات، حيث تُستغل هذه الأموال لتمويل الأنشطة العسكرية والصاروخية والعمليات الإقليمية للحرس الثوري.
دور البتروكيماويات في سلسلة تصنيع الأسلحة
بشكل عام، أدرج الحرس الثوري مجمعات البتروكيماويات، بما فيها بتروكيماويات "كارون"، كباقي القطاعات الصناعية الأخرى في إيران، ضمن سلسلة تصنيع الأسلحة. فالمركبات الكيميائية المنتجة في معشور (حيث يقع مجمع كارون) وعسلوية، يمكن استخدامها كمواد أولية (سلائف) لإنتاج وقود الصواريخ البالستية أو حتى لدعم البرنامج الكيميائي.
وكانت إسرائيل قد أعلنت صراحةً، خلال جولة سابقة من الهجمات على منشآت معشور- بما في ذلك مجمع "كارون" والمجمعات المحيطة به- أن هذه المواقع تنتج مواد كيميائية مخصصة للبرنامج الصاروخي الإيراني.
الوظيفة المدنية لمنتجات بتروكيماويات "كارون"
ومع ذلك، فإن لمنتجات بتروكيماويات "كارون" وظائف مدنية أيضاً؛ إذ تعد "كارون" المنتج الأول والأكبر لمركبات "الإيزوسيانات" في الشرق الأوسط. وتعتبر الإيزوسيانات مواد كيميائية متطورة تشكل حجر الأساس لإنتاج "البولي يوريثان"، وبدونها يتعذر تصنيع العديد من المنتجات الصناعية والاستهلاكية.
وفي سلسلة الإنتاج، تلعب بتروكيماويات "كارون" دور المورد الرئيسي والمحوري؛ حيث تستقبل مواد أولية مثل "التولوين" و"البنزين" من مجمعات البتروكيماويات المجاورة، وتعتمد على الكلور، وأول أكسيد الكربون، والهيدروجين لإنتاج "الإيزوسيانات". وتُنقل منتجات هذا المجمع لاحقاً إلى وحدات الصناعات التحويلية (صناعات المصب) لتحويلها إلى أنواع مختلفة من الرغوة (الفوم)، العوازل، المواد اللاصقة، وطلاءات البولي يوريثان.
وقد نُفذ المشروع الاستراتيجي المعروف باسم "هايكو" في هذا المجمع بهدف تأمين الاحتياجات المحلية من أول أكسيد الكربون والهيدروجين، مما أسهم بشكل كبير في تقليص اعتماد مجمع "كارون" على المصادر الخارجية.
وكان هذا المجمع، الذي ينفرد بإنتاج "الإيزوسيانات" في المنطقة، قد لعب سابقاً دوراً فعالاً في الحد من الاعتماد على الواردات وتعزيز الاكتفاء الذاتي الصناعي من خلال إنتاج مواد ذات قيمة مضافة عالية. ومن ثم، فإن أي ضرر يلحق بهذه الوحدة- على غرار ما حدث في الهجوم الأخير الذي استهدف وحدة الكلور والخزانات التابعة لها- يمكن أن يتسبب في شلل سلسلة الإنتاج بأكملها في منطقة معشور والصناعات المرتبطة بها؛ إذ تعد وحدة الكلور من المكونات الحيوية للعملية التشغيلية، وبدونها يتوقف إنتاج غاز "الفوسجين"، مما يؤدي عملياً إلى تعطيل خط إنتاج "الإيزوسيانات" بالكامل.
وأما على الصعيد التصديري، فإن مجمع "كارون" يصدر منتجاته، بما في ذلك "الأنيلين"، إلى دول مثل الهند، في حين وجدت بعض منتجاته الأخرى طريقها إلى أسواق روسيا، وتركيا، وعدد من دول الجوار. وأسهمت هذه الصادرات، إلى جانب توفير العملة الصعبة، في تعزيز مكانة إيران في السوق الإقليمية للمواد الكيميائية.
ويبدو تأثير منتجات "كارون" ملموساً في طيف واسع من القطاعات؛ فالرغوة المرنة (الفوم الناعم) المستخدمة في صناعة الأثاث، والمراتب، ومقاعد السيارات، والإسفنج، وكذلك الرغوة الصلبة (الفوم الجاف) المستخدمة كعوازل حرارية في المباني، والثلاجات، والمجمدات (الفريزرات)، بالإضافة إلى الأنابيب، والمواد اللاصقة الصناعية، والدهانات، ونعل والأحذية، قطع غيار السيارات، والعوازل الصوتية والحرارية، كلها صناعات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بإنتاج بتروكيماويات "كارون".