جذور "الخراب" وحرب النظام الإيراني

إن تدمير التراث الثقافي والبنى التحتية الحيوية هو الوجه الأكثر وضوحًا وبدون مواربة للحرب؛ دمارٌ لا يحرق ماضي أمة فحسب، بل يلتهم حاضرها ومستقبلها أيضًا.
إيران إنترناشيونال

إن تدمير التراث الثقافي والبنى التحتية الحيوية هو الوجه الأكثر وضوحًا وبدون مواربة للحرب؛ دمارٌ لا يحرق ماضي أمة فحسب، بل يلتهم حاضرها ومستقبلها أيضًا.
وهذا التدمير، بأي شكل كان ومن أي طرف صدر، مدان. لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن تُخفى خلف هذا الخراب واضحة: إن جذور هذا الوضع لا تعود إلى شيء سوى السياسات الحربية والتصعيدية للنظام الإيراني.
وقبل سنوات، وقبل أن تُسمع أصوات الحرب، كانت مؤشرات الانهيار في التراث الثقافي الإيراني قد ظهرت بوضوح. ترميمات غير علمية، توقف المشاريع البحثية، اختفاء آثار تاريخية، والإهمال في حماية المواقع.. كلها دلائل على أن التدمير بدأ قبل الحرب، داخل بنيةٍ همّشت الحماية وأقصتها.
واليوم، لم تفعل الحرب سوى كشف هذا المسار وتسريعه. تُستهدف البنى التحتية، وتتضرر الآثار التاريخية، وتتفكك حياة الناس. لكن الأخطر من هذا الدمار هو السردية التي تحاول إخفاء أسبابه.
ويجب القول بوضوح: "إن هذه الحرب وتداعياتها هي نتيجة مباشرة لسياسات النظام الإيراني القائمة على التوتر والتصعيد".
وهي سياسات وضعت البلاد عمدًا على مسار المواجهة، ودفعت تكلفة بقائها من جيوب الناس، وحوّلت إيران إلى ساحة أزمات.
ولم تكن الحرب خيار الشعب، لكن الشعب هو من يدفع ثمنها اليوم: بحياته، بمعيشته، باستنشاق هواء ملوث، وبالمعاناة من شح المياه، وانقطاع الكهرباء، والآن بتدمير بيوتهم وتاريخهم.
وفي هذا السياق، يتشكل انحراف خطير: بدل التركيز على السبب الرئيسي، يُدفع المجتمع نحو صراعات داخلية. ينشغل الناس بالحكم على بعضهم البعض بدل المطالبة بالمساءلة. تُستبدل التحليلات بتهم مثل «وطني» و«غير وطني»، وهو ما يرفع المسؤولية عن الطرف الأساسي.
والشعب الذي عانى لسنوات قبل الحرب من سوء الإدارة- من تلوث الهواء إلى نقص المياه وتهالك البنية التحتية- هو اليوم ضحية تلك السياسات نفسها، ولكن بأبعاد أكثر تدميرًا. تحميل هذا الشعب اللوم ليس فقط ظلمًا، بل هو تشويه صارخ للحقيقة.
ويجب التأكيد مرارًا وبوضوح: "إن تدمير البنى التحتية والتراث الثقافي مدان، لكن المسؤول الرئيسي عن إيصال إيران إلى هذا الوضع هو النظام وسياساته التي تصنع الحروب".
وكل رواية تُضعف هذه الحقيقة، وكل تحليل يتجنب تسمية المسؤول، وكل محاولة لوضع الشعب مكان الفاعل الحقيقي، تساهم في استمرار دائرة الخراب.
إذا كان الهدف هو الدفاع عن إيران- عن شعبها، عن الحياة فيها، وعن تاريخها- فإن هذا الدفاع لا يتحقق إلا بشيء واحد: التسمية الصريحة للمسؤول، والوقوف في وجه السياسات التي فرضت الحرب على أمة بأكملها.

أثار تهديد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بقصف البنية التحتية الإيرانية و”إعادتها إلى العصر الحجري”، والذي تبعته ضربات قيل إنها شملت جسرًا لم يُفتتح بعد، موجة غضب بين الإيرانيين داخل البلاد وخارجها.
وقد أدان الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، هذه التصريحات، وكتب: “هل يعني التهديد بإعادة أمة بأكملها إلى العصر الحجري شيئًا غير جريمة حرب كبرى؟... التاريخ مليء بأولئك الذين دفعوا ثمنًا باهظًا لصمتهم أمام المجرمين”.
كما حذر قائد القوات البرية، علي جهانشاهي، من أنه سيرسل القوات الأميركية “ليس إلى العصر الحجري، بل إلى ما قبل العصر الحجري”.
وعلى الصعيد الدولي، جاءت ردود الفعل أيضًا منتقدة. فقد اتهم المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ”استخدام أساليب مروعة”، وأضاف ساخرًا: “حقًا لا أعرف من ينتمي إلى العصر الحجري!”.
كما علّق رئيس الوزراء السويدي الأسبق، كارل بيلدت، قائلاً إن الإيرانيين يريدون “حكومة محترمة وتمثلهم بحق”، وليس قصفهم وإعادتهم إلى العصر الحجري.
جرائم حرب
تصاعد الغضب أيضًا بين الإيرانيين العاديين والجاليات في الخارج، حتى بين أولئك الذين يعارضون النظام، لكنهم يرفضون بشدة التهديدات التي تستهدف البنية التحتية الوطنية والمواقع المدنية.
كما زادت الضربات على منشآت صحية مثل معهد باستور في طهران من حساسية مسألة استهداف المدنيين.
وقال رائد الأعمال الأميركي في مجال التقنية التكنولوجية، ذو الأصول الإيرانية، هادي بارتوفي، مخاطبًا ترامب: “كثير من الإيرانيين دعموا حربك لأن خطتك كانت تحرير إيران، لكنك الآن تحتفل بإعادة حضارة إلى العصر الحجري. القادة العظماء يبنون ولا يدمرون... أشعر بالحزن لرؤية أميركا هكذا”.
واتهمت المحامية الحقوقية المقيمة في لندن، شادي صدر، الحكومات الغربية بالنفاق، معتبرة أن مبررات “مسؤولية الحماية” تحولت إلى أفعال “تعيد نفس الشعوب إلى العصر الحجري، وترتكب جرائم حرب على نطاق واسع”.
وكتب الصحافي المقيم في طهران، يشار سلطاني: “تحدثتم أولًا عن تحرير إيران، ثم قصفتم مدرسة في ميناب وقتلتم أطفالاً، واليوم تتحدثون عن إعادة إيران إلى العصر الحجري”.
وأضاف أن “إيران أرض كانت تبني المدن وتضع القوانين وتُنشئ الحضارة عندما كانت دول كثيرة لا تزال في العصر الحجري”.
انقسام حول كلفة الحرب
رغم الانتقادات الواسعة، لم تكن ردود فعل المعارضة الإيرانية موحدة.
يرى بعض مؤيدي تغيير النظام أن الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية، رغم قسوتها، يمكن إصلاحها لاحقًا، مشيرين إلى سوابق تاريخية مثل الحرب الإيرانية-العراقية، حيث أُعيد بناء منشآت رئيسية بعد دمار واسع.
وفي المقابل، يرى آخرون أن تأثير النظام الإيراني طويل الأمد على الحكم والاقتصاد والموارد البشرية أخطر من الأضرار الحالية الناتجة عن الضربات العسكرية، وأن التركيز يجب أن يبقى على القمع السياسي، مثل الإعدامات وقطع الإنترنت.
وتساءل أحد المستخدمين على وسائل التواصل: “كيف تصبح البنية التحتية والعصر الحجري أولويتكم قبل الحديث عن الإعدامات وقطع الإنترنت؟”
بينما كتب آخر: “لا تقلقوا بشأن الحديد والخرسانة، بل بشأن وطن يحتله سوء الإدارة.. بعد ذلك، ستبني إيران الحرة بنية تحتية تليق باسمها”.
وأشار بعض المعلقين أيضًا إلى أن خطاب ترامب ربما كان موجّهًا بالأساس إلى النظام الحاكم وليس إلى الشعب، حيث كتب أحدهم: “عندما يقول سنعيدكم إلى العصر الحجري، فهو يقصد رجال الدين، وليس الناس”.
تشهد البنية السياسية للنظام الإيراني، في ربيع العام 2026، أعمق تحول في تاريخه منذ عام 1979؛ إذ إن تلاقي ثلاث أزمات أساسية- الحرب، والانهيار الاقتصادي، وفراغ القيادة- يدفع النواة الصلبة للسلطة نحو عملية جراحية كبرى تتمثل في الإلغاء الكامل للمؤسسات المنتخبة والبيروقراطية التقليدية.
وتشير التقارير الأخيرة بوضوح إلى أن نموذج الحكم المزدوج (الدولة- النظام) قد وصل إلى نهايته، وأن الحرس الثوري بدأ، بعد تجاوز الكواليس، رسميًا في ترسيخ ديكتاتورية عسكرية خالصة تحت غطاء قيادة ضعيفة ووراثية.
وهذا التحول لم يعد مجرد سيناريو محتمل، بل أصبح واقعًا يُنفذ في مقار السلطة ومخابئ الحرس الثوري السرية.
انقلاب بنيوي وإنذار اقتصادي
إن التوتر بين الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، وقائد الحرس الثوري، أحمد وحيدي، ليس مجرد خلاف إداري، بل يكشف عن نهاية عمر مؤسسة “الدولة” في نظام الجمهورية الإسلامية.
ورفض أهلية جميع المرشحين المقترحين لوزارة الاستخبارات، بمن فيهم حسين دهقان، صاحب الخلفية العسكرية، يثبت أن الحرس الثوري لم يعد يثق حتى بالعسكريين “المعتدلين” أو البيروقراطيين.
وحجة وحيدي بضرورة السيطرة المباشرة على المناصب الحساسة بسبب “ظروف الحرب” تعني، في أدبيات العلوم السياسية، تعليق الدستور وفرض حكم عسكري غير معلن.
وفي هذا السياق، يُعد الانهيار المالي غير المسبوق العامل المحفّز لهذا التحول؛ إذ حذر بزشكيان صراحة من أن الاقتصاد الإيراني قد ينهار بالكامل خلال ثلاثة أسابيع إلى شهر ما لم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
ولكن رد الحرس كان اتهام الحكومة بالتقصير، ما يعكس اختياره الواضح بين “البقاء الأيديولوجي العسكري” و”إنقاذ معيشة الناس”، لصالح الخيار الأول، واستعداده لمواجهة الانهيار الاقتصادي بالقمع الأمني الكامل.
وهم الخلافة الوراثية وعزلة مركز السلطة
يتمثل أحد أهم جوانب التطورات في استراتيجية الحرس الثوري بشأن مسألة الخلافة. كما أن اختيار مجتبى خامنئي تحت ضغط الحرس من قِبل مجلس الخبراء لا يعكس قوته، بل ضعفه.
وتكشف التقارير عن حالة نجل خامنئي الصحية السيئة وعجزه عن التواصل المستمر مع المسؤولين أنه أصبح أكثر من كونه قائدًا مقتدرًا، “رهينة رمزية” بيد “مجلس عسكري”.
ويمثّل فرض طوق أمني حول مجتبى خامنئي، وقطع تواصله مع رئيس الحكومة نموذجًا كلاسيكيًا لسيطرة “الحرس البريتوري” الذي يحكم باسم القائد لكن بقرار القادة العسكريين.
كما أن معارضة شخصيات نافذة مثل علي أصغر حجّازي وعلي رضا أعرافي، ومحاولتهم إعادة السلطة إلى “مجلس قيادة مؤقت”، تمثل آخر محاولات التيار الديني التقليدي لمنع الهيمنة الكاملة للحرس الثوري.
كما أن تحذير حجّازي السابق من أن اختيار مجتبى يعني تسليم البلاد بالكامل للحرس الثوري الإيراني أصبح اليوم واقعًا.
ولترسيخ هذا النموذج، قد يضطر الحرس إلى تنفيذ تصفيات دموية داخل بنية النظام التقليدية.
تفكك داخلي و"شرعنة" خارجية للحكم العسكري
وكان بزشكيان قد كشف في البرلمان، بعد حرب الـ 12 يومًا، عن حالة خوف داخلي عميقة حين قال: “إذا حدث شيء للمرشد، سنقتتل فيما بيننا ولن تحتاج إسرائيل للتدخل”.
ويعكس هذا التصريح غير المسبوق غياب أي تماسك داخلي؛ نظام تكون فيه الفصائل السياسية بانتظار القضاء على بعضها البعض جسديًا، ويعتبر من الناحية الاستراتيجية نظامًا منهارًا مسبقًا.
وفي الوقت ذاته، ساهمت المتغيرات الخارجية في تعزيز هذا الانهيار.
ويعني تصريح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، هو الطرف الذي تتحدث معه واشنطن اعترافًا ضمنيًا بالسيطرة المطلقة للحرس على الحكم، مع تجاهل الحكومة المدنية بقيادة بزشكيان.
وإضافة إلى ذلك، رفض ترامب لقيادة مجتبى خامنئي فاقم أزمة شرعيته دوليًا وجعلها نقطة لا عودة عنها.
على حافة الانهيار
من خلال تجميع هذه المعطيات، تتضح الصورة: النظام الإيراني القائم على تحالف رجال الدين والمؤسسات شبه الجمهورية قد انتهى.
والنواة الصلبة للسلطة تستغل الأزمات المتقاطعة لتأسيس “دولة ثكنة عسكرية”، حيث تصبح الحكومة مجرد جهاز إداري ثانوي، بينما يتحول مكتب القيادة إلى واجهة معزولة.
ومع اقتراب الانهيار الاقتصادي، يملك القادة العسكريون وقتًا محدودًا لتثبيت هذا “الانقلاب الزاحف”. كما أنهم يخاطرون ببقاء نظام ينهار من ثلاثة اتجاهات في آنٍ واحد: من الداخل (الانقسامات والخوف في الحكومة)، ومن الخارج (الضغط الدولي والحرب)، ومن الأسفل (غضب شعبي متصاعد).
تشهد البنية السياسية للنظام الإيراني، في ربيع العام 2026، أعمق تحول في تاريخه منذ عام 1979؛ إذ إن تلاقي ثلاث أزمات أساسية- الحرب، والانهيار الاقتصادي، وفراغ القيادة- يدفع النواة الصلبة للسلطة نحو عملية جراحية كبرى تتمثل في الإلغاء الكامل للمؤسسات المنتخبة والبيروقراطية التقليدية.
وتشير التقارير الأخيرة بوضوح إلى أن نموذج الحكم المزدوج (الدولة- النظام) قد وصل إلى نهايته، وأن الحرس الثوري بدأ، بعد تجاوز الكواليس، رسميًا في ترسيخ ديكتاتورية عسكرية خالصة تحت غطاء قيادة ضعيفة ووراثية.
وهذا التحول لم يعد مجرد سيناريو محتمل، بل أصبح واقعًا يُنفذ في مقار السلطة ومخابئ الحرس الثوري السرية.
انقلاب بنيوي وإنذار اقتصادي
إن التوتر بين الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، وقائد الحرس الثوري، أحمد وحيدي، ليس مجرد خلاف إداري، بل يكشف عن نهاية عمر مؤسسة “الدولة” في نظام الجمهورية الإسلامية.
ورفض أهلية جميع المرشحين المقترحين لوزارة الاستخبارات، بمن فيهم حسين دهقان، صاحب الخلفية العسكرية، يثبت أن الحرس الثوري لم يعد يثق حتى بالعسكريين “المعتدلين” أو البيروقراطيين.
وحجة وحيدي بضرورة السيطرة المباشرة على المناصب الحساسة بسبب “ظروف الحرب” تعني، في أدبيات العلوم السياسية، تعليق الدستور وفرض حكم عسكري غير معلن.
وفي هذا السياق، يُعد الانهيار المالي غير المسبوق العامل المحفّز لهذا التحول؛ إذ حذر بزشكيان صراحة من أن الاقتصاد الإيراني قد ينهار بالكامل خلال ثلاثة أسابيع إلى شهر ما لم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
ولكن رد الحرس كان اتهام الحكومة بالتقصير، ما يعكس اختياره الواضح بين “البقاء الأيديولوجي العسكري” و”إنقاذ معيشة الناس”، لصالح الخيار الأول، واستعداده لمواجهة الانهيار الاقتصادي بالقمع الأمني الكامل.
وهم الخلافة الوراثية وعزلة مركز السلطة
يتمثل أحد أهم جوانب التطورات في استراتيجية الحرس الثوري بشأن مسألة الخلافة. كما أن اختيار مجتبى خامنئي تحت ضغط الحرس من قِبل مجلس الخبراء لا يعكس قوته، بل ضعفه.
وتكشف التقارير عن حالة نجل خامنئي الصحية السيئة وعجزه عن التواصل المستمر مع المسؤولين أنه أصبح أكثر من كونه قائدًا مقتدرًا، “رهينة رمزية” بيد “مجلس عسكري”.
ويمثّل فرض طوق أمني حول مجتبى خامنئي، وقطع تواصله مع رئيس الحكومة نموذجًا كلاسيكيًا لسيطرة “الحرس البريتوري” الذي يحكم باسم القائد لكن بقرار القادة العسكريين.
كما أن معارضة شخصيات نافذة مثل علي أصغر حجّازي وعلي رضا أعرافي، ومحاولتهم إعادة السلطة إلى “مجلس قيادة مؤقت”، تمثل آخر محاولات التيار الديني التقليدي لمنع الهيمنة الكاملة للحرس الثوري.
كما أن تحذير حجّازي السابق من أن اختيار مجتبى يعني تسليم البلاد بالكامل للحرس الثوري الإيراني أصبح اليوم واقعًا.
ولترسيخ هذا النموذج، قد يضطر الحرس إلى تنفيذ تصفيات دموية داخل بنية النظام التقليدية.
تفكك داخلي و"شرعنة" خارجية للحكم العسكري
وكان بزشكيان قد كشف في البرلمان، بعد حرب الـ 12 يومًا، عن حالة خوف داخلي عميقة حين قال: “إذا حدث شيء للمرشد، سنقتتل فيما بيننا ولن تحتاج إسرائيل للتدخل”.
ويعكس هذا التصريح غير المسبوق غياب أي تماسك داخلي؛ نظام تكون فيه الفصائل السياسية بانتظار القضاء على بعضها البعض جسديًا، ويعتبر من الناحية الاستراتيجية نظامًا منهارًا مسبقًا.
وفي الوقت ذاته، ساهمت المتغيرات الخارجية في تعزيز هذا الانهيار.
ويعني تصريح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، هو الطرف الذي تتحدث معه واشنطن اعترافًا ضمنيًا بالسيطرة المطلقة للحرس على الحكم، مع تجاهل الحكومة المدنية بقيادة بزشكيان.
وإضافة إلى ذلك، رفض ترامب لقيادة مجتبى خامنئي فاقم أزمة شرعيته دوليًا وجعلها نقطة لا عودة عنها.
على حافة الانهيار
من خلال تجميع هذه المعطيات، تتضح الصورة: النظام الإيراني القائم على تحالف رجال الدين والمؤسسات شبه الجمهورية قد انتهى.
والنواة الصلبة للسلطة تستغل الأزمات المتقاطعة لتأسيس “دولة ثكنة عسكرية”، حيث تصبح الحكومة مجرد جهاز إداري ثانوي، بينما يتحول مكتب القيادة إلى واجهة معزولة.
ومع اقتراب الانهيار الاقتصادي، يملك القادة العسكريون وقتًا محدودًا لتثبيت هذا “الانقلاب الزاحف”. كما أنهم يخاطرون ببقاء نظام ينهار من ثلاثة اتجاهات في آنٍ واحد: من الداخل (الانقسامات والخوف في الحكومة)، ومن الخارج (الضغط الدولي والحرب)، ومن الأسفل (غضب شعبي متصاعد).
يمكن للولايات المتحدة أن تستغل هذه اللحظة لدعم تغيير النظام وبناء شراكة استراتيجية مع إيران ديمقراطية، ما قد يحقق أكثر من تريليون دولار من الإيرادات للشركات الأمريكية خلال العقد المقبل.
وهذا ليس مجرد تفكير متفائل، بل تقدير محافظ يستند إلى الإمكانات غير المستغلة لإيران، مقارنة بجيرانها، مثل تركيا والإمارات والسعودية.
وتمثل إيران الحرة أكبر فرصة اقتصادية غير مستغلة أمام الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين. تُظهر النماذج المحافظة إمكانية تحقيق أكثر من تريليون دولار من إيرادات الصادرات الأميركية، وملايين الوظائف، واستقرار أسعار الطاقة بشكل حاسم، وانهيار دائم لأخطر دولة راعية للإرهاب في العالم.
وتُعد إيران هي آخر سوق كبير جديد متاح في العالم. تجمع بين التطور الصناعي، وقلة الاستثمار، والتكلفة المنخفضة للعمالة، وقاعدة سكانية كبيرة. يمكننا تحويل "كوريا الشمالية الشرق أوسطية" إلى "كوريا الجنوبية المنطقة".
وما يميّز إيران هو التقاء نادر بين الحجم، والقدرة، والاستعداد. إيران ليست دولة هشة ما بعد الصراع؛ بل هي اقتصاد حديث مضغوط معرقل بالأيديولوجيا وليس بالقدرة.
وتخرّج إيران نحو 250,000 مهندس سنوياً، مع انتشار قوي لتخصصات العلوم والهندسة والتكنولوجيا، ومهاجرين عالميين مستعدين للعودة للاستثمار؛ حيث يزيد عدد السكان على 90 مليون نسمة، منهم شباب ومتعلمون وجاهزون للاستهلاك، مما يخلق سوقاً فورية وكبيرة.
وجغرافياً، تعتبر إيران جسرًا طبيعيًا بين أوراسيا، يربط بحر قزوين بالخليج وتعد ممرًا لوجستيًا بديلاً موثوقًا بين الشرق والغرب.
على عكس الاقتصادات المعتمدة على الهيدروكربونات فقط، تجمع إيران بين وفرة الطاقة والقدرة الصناعية والتصنيعية العميقة، ما يمكنها من البناء، لا مجرد الاستخراج.
وأخيراً، تتميز جالية إيران الكبيرة في الخارج بالإنتاجية والمهارة المهنية والاقتصادية. في الولايات المتحدة وحدها، ساهم الإيرانيون الأميركيون في خلق تريليونات الدولارات من القيمة وملايين الوظائف عبر شركاتهم. ويُقدّر أن ملايين من الجالية ستعود جزئياً وتستثمر في الإمكانات الهائلة لإعادة بناء إيران لتصبح قوة اقتصادية.
وعلى مدى 47 عاماً، أهدر النظام الإيراني موارد إيران الهائلة على الإرهاب، والحروب بالوكالة، والطموحات النووية، مما ترك اقتصادها مدمراً وبنيتها التحتية منهارة. لكن تخيلوا إيران الحرة- دولة علمانية ديمقراطية مستعادة لمجد ما قبل 1979 كحليف للولايات المتحدة، تعترف بإسرائيل، وتنضم لاتفاقيات أبراهام الموسعة، وربما يُعاد تسميتها باتفاقيات "كوروش"؛ تكريماً للتسامح الفارسي القديم.
وتحت نظام إيراني ديمقراطي ملتزم، مدعوم بحماية الاستثمارات وتمويل معتمد من الولايات المتحدة، ستدخل البلاد مرحلة "اللحاق بالركب" من التحديث الكبير. نصف ذلك التريليون دولار من المبيعات الأميركية يمكن أن يتحقق في أول خمس سنوات فقط، مركزاً على القطاعات عالية القيمة التي تخلق ملايين الوظائف الأميركية.
وفي الطيران، حيث أسطول إيران قديم ومهمل بسبب العقوبات، استبدال ما لا يقل عن 250 طائرة عريضة وجسم ضيق، بالإضافة إلى تحديث البنية التحتية وخدمات الصيانة، يمكن أن يولد 150 مليار دولار خلال عقد من الزمن. هذا ليس صدقة، بل هو عمل ذكي ينعش صناعة محرومة من النمو.
كما أن قطاعي النقل والسيارات يوفران 150 مليار دولار أخرى. مع الطلب على مليون سيارة كهربائية مثل "تسلا"، بالإضافة إلى سيارات الركاب والشاحنات والآلات الزراعية وشبكات الشحن، سيهيمن المبتكرون الأميركيون على السوق. الطرق والمزارع الإيرانية عانت من نقص الاستثمار؛ السوق الحرة ستطلق الطلب المكبوت على المنتجات الأميركية عالية الجودة.
وحتى في المجال العسكري والأمني، هناك فرص بقيمة 250 مليار دولار للتحديث: أنظمة القيادة، وتكنولوجيا ISR (تكنولوجيا الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع)، والتدريب، والدعم المستمر. إيران ما بعد النظام ستتحول من دعم حزب الله وحماس إلى الشراكة ضد الإرهاب، ما يخلق عقودًا طويلة الأجل للشركات الدفاعية الأميركية ويعزز الاستقرار الإقليمي.
وقطاع الطاقة وحده يمكن أن يولد عوائد غير متعلقة بالملكية تصل إلى 300 مليار دولار من خلال تقديم الخدمات، وإعادة الإعمار، والمعدات، وترخيص التكنولوجيا. تقنيات الحفر في المرحلة الأولية، وخطوط الأنابيب في المرحلة المتوسطة، وتحديثات المصافي في المرحلة النهائية، وخدمات إدارة المخاطر ستتجه إلى شركات مثل "إكسون موبيل" و"هاليبرتون". وتعد احتياطيات إيران من بين الأكبر في العالم؛ كما أنها مورد موثوق وشفاف يمكن أن يساعد في استقرار الأسعار العالمية وتقليل الاعتماد على خصوم، مثل روسيا.
وعلاوة على ذلك، فإن قطاعات إضافية من بنية تحتية للمياه وشبكات الذكاء الاصطناعي إلى التكنولوجيا الحيوية، والرعاية الصحية، والتمويل، والترفيه يمكن أن تضيف 350 مليار دولار أخرى. كما أن الشركات الأميركية في مجال تكنولوجيا المعلومات، والأدوية، والسلع الاستهلاكية ستتمكن من الوصول إلى سوق متعلم يزيد تعداده على 90 مليون نسمة ويترقب المنتجات الأميركية.
كما يمكن أن يشهد قطاع السياحة ازدهارًا مع إنشاء المنتجعات والفنادق، بينما سيؤمن استخراج المعادن الأساسية سلاسل التوريد للتكنولوجيا الأميركية. ما يمكن لـ "وول ستريت" أن يكون المحرك الرئيسي للعديد من هذه الصفقات، مما يحقق عائدات كبيرة من الرسوم والخدمات المصاحبة.
إن نقص الاستثمار الطويل الأمد في إيران يعني أن النمو بعد فتح السوق سيكون هائلاً، متجاوزًا حتى طفرة شرق أوروبا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. وعلى عكس المشاريع الخطرة في أماكن أخرى، فإن هذا النمو مدعوم بموارد طبيعية هائلة وحكومة تعطي الأولوية للعلاقات مع الولايات المتحدة وتضع آليات للحماية من الفساد.
وسينتقد البعض هذا باعتباره "تدخلاً"، لكن الشعب الإيراني يقاتل بالفعل- بأيديه العارية- ضد المرتزقة الأجانب مثل حزب الله والحشد الشعبي وفاطميون. يحتاج الشعب إلى تحييد قدرة النظام القاتلة، وتقويض شبكات المراقبة، ومراكز القيادة، والمرتزقة المستوردين، لكي تنجح المقاومة المدنية.
وإيران الحرة ليست مفيدة فقط للإيرانيين؛ بل تمثل أكبر انتصار استراتيجي عالمي لأميركا منذ الحرب العالمية الثانية وهزيمة الاتحاد السوفيتي. إنها تقدم أكبر عوائد اقتصادية وسلام منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وستفكك محور الشر، وتؤمن الشرق الأوسط، وتوفر ازدهارًا يعكس ويوسع ما كان عليه في عهد ما قبل الخميني، عندما كانت إيران عمود السلام. يمكن لإيران أن تعوّض ما فُقد خلال 47 عامًا في غضون 10 سنوات فقط.
والنظام الإيراني جثة متحللة؛ دعونا ندفنه ونبني مستقبلاً تزدهر فيه إيران وأميركا معًا. الفرصة هنا؛ فلنغتنمها.
تشير البيانات الخاصة بتتبع ناقلات النفط من شركة "كبلر"، المتخصصة في تحليل بيانات الطاقة، والتي حصلت عليها "إيران إنترناشيونال"، إلى أن خطط طهران للحد من اعتمادها على مضيق هرمز لم تحقق تغييرًا عمليًا يُذكر حتى الآن.
وعلى مدى أكثر من عقد من الزمن، استثمرت طهران بشكل كبير في ميناء "جاسك" النفطي، وهو مشروع صُمم لتحويل جزء من صادراتها من النفط الخام إلى خليج عُمان، وخلق مسار تصدير بديل خارج المياه الخليجية في أوقات الأزمات. ومع ذلك، تشير البيانات إلى أن الميناء لعب- حتى الآن- دورًا هامشيًا فقط في نظام تصدير النفط الإيراني.
ووفقًا لبيانات شركة "كبلر"، فقد قامت إيران بتحميل ما متوسطه نحو 1.84 مليون برميل يوميًا خلال أول 25 يومًا من شهر مارس (آذار) الجاري، وظل إسهام ميناء "جاسك" محدودًا للغاية.
وقد بلغ متوسط التحميلات من "جاسك" نحو 81 ألف برميل يوميًا خلال هذه الفترة، وهو أقل من 5 في المائة من إجمالي صادرات النفط الإيراني.
وتشير الأنماط التاريخية إلى أن هذا القيد قد يكون هيكليًا. فقد بدأت إيران أولى صادراتها من "جاسك" في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، وسط تصاعد التوترات العسكرية مع إسرائيل، وحتى حينها ظل العدد منخفضًا بنحو 77 ألف برميل يوميًا. وفي مارس 2025، بلغ متوسط الصادرات من الميناء نحو 54 ألف برميل يوميًا.
ويحدث هذا على الرغم من أن "جاسك" مرتبط بمناطق الإنتاج النفطي الرئيسية في إيران عبر خط أنابيب يمتد لنحو 1000 كيلومتر، وهو استثمار بنية تحتية صُمم لتمكين قدرة تصدير كبيرة خارج المياه الخليجية.
وفي الواقع، يمكننا القول إن اعتماد إيران على جزيرة "خارك" لتصدير نفطها يظل هائلاً.
وتشير بيانات "كبلر" إلى أن أكثر من 84 في المائة من صادرات النفط الإيرانية في مارس تم تحميلها من "خارك"، بينما شكل ميناء "جاسك" نحو 4.4 في المائة فقط. وأتى نحو 10 في المائة إضافية من موانئ سروش وبارس الجنوبية في المياه الخليج.
ومثل هذا التركيز يخلق ضعفًا استراتيجيًا واضحًا: أي تعطيل في "خارك" قد يشل صادرات النفط الإيرانية بشكل كبير.
وقد اكتسب هذا السؤال أهمية متجددة مع تصاعد الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. فقد أصبح مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس التجارة النفطية العالمية، نقطة توتر مركزية، حيث تقوم طهران بشكل دوري بتقييد حركة المرور البحري.
وفي الوقت نفسه، ظهرت تقارير عن توسع العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة، بما في ذلك خطط طارئة تشمل جزرًا استراتيجية قرب مضيق هرمز يمكن استخدامها للسيطرة على الوصول إلى الممر المائي.
وفي هذا السيناريو، فإن اعتماد إيران المستمر على البنية التحتية للتصدير المركز حول "خارك" يترك تجارتها النفطية معرضة للانقطاع.
وبشكل عام، تؤكد بيانات التصدير حقيقة أساسية: رغم سنوات الاستثمار، لم تنجح إيران في تقليل اعتمادها على مضيق هرمز بشكل ملموس، أو على مركز تصدير النفط في جزيرة "خارك"، وهو الأهم.
وفي بيئة إقليمية متقلبة، يمثل هذا الاعتماد نقطة ضعف استراتيجية كبيرة.