لقد ربط النظام إيران بأيديولوجية وعدت بالكرامة والاستقلال لمدة 47 عامًا، لكنها أدت عمليًا إلى العزلة والتدهور الاقتصادي وأزمات متكررة.
ما بدأ كمشروع ثوري تحوّل تدريجيًا إلى نظام ثيوقراطي متجمد، حافظ على نفسه من خلال المواجهة خارجيًا والقمع داخليًا، لكن هذا الدوران الاستراتيجي المغلق يبدو اليوم تحت ضغط متزايد.
وكانت الاحتجاجات الشعبية الأخيرة نقطة وصفها الكثيرون بلحظة الانفصال: إذ قتل وأصيب واعتُقل آلاف الأشخاص أثناء قمع شامل من قِبل القوات الأمنية، وهو عنف صدم حتى مجتمعًا متعوّدًا على القمع الرسمي.
لقد تجاوز النظام عتبة سياسية واجتماعية، واعتمد علنًا على القمع للحفاظ على السيطرة، ما أدى إلى زوال أي شرعية كان دعيها.
وتواجه إيران اليوم ضغوطًا متزامنة: التدهور الاقتصادي، الاستياء الشعبي الواسع، العزلة الدولية المستمرة، والتهديد الملموس باستخدام القوة من قبل الولايات المتحدة.
ولم تعد الصيغ السابقة- المماطلة والانحراف الدبلوماسي، تصعيد التوتر عبر شركاء إقليميين، وتوسيع القدرات العسكرية- ضامنًا للاستقرار.
التطرف الأيديولوجي والتكاليف الاستراتيجية
في قلب الأزمة، يقف نوع من التطرف الأيديولوجي المكلف ماليًا واستراتيجيًا؛ حيث إن عشرات مليارات الدولارات- وإذا أُخذت التكلفة الاقتصادية الكاملة، أكثر من 100 مليار دولار- أنفقت على تخصيب اليورانيوم للحفاظ على ما يسميه المسؤولون «الخيار النووي».
وهذا المسار لم يؤمن الأمن، بل أدى إلى دورات متكررة من العقوبات والعزلة المتزايدة.
كما أنفقت مليارات أخرى على البنية التحتية الصاروخية والمرافق تحت الأرض لعرض الردع خارج الحدود الإيرانية. يراها أنصارها دفاعية، فيما يعتبرها النقاد أدوات ضغط تعمّق المواجهة دون تحقيق استقرار دائم.
والمنطق نفسه شكّل شبكات الميليشيات الموالية لطهران في جميع أنحاء الشرق الأوسط، التي صُممت لتوسيع النفوذ ومحاصرة المنافسين بتكلفة منخفضة نسبيًا، لكنها في الواقع جرّت إيران إلى مواجهات متكررة مع جيوش أقوى منها وكرّست دورة تصعيد التوتر.
وداخليًا، يظل الحرس الثوري و"الباسيج":أدوات السيطرة الرئيسية، وترتبط مهمتهمة أكثر من أي وقت مضى بقمع الاحتجاجات الداخلية. كل موجة احتجاج تُقابل بالقوة تعمّق الفجوة بين النظام والشعب، واستمرار الاعتماد على القمع يهدد استقرار المجتمع الإيراني والمنطقة بأكملها.
لحظة القرار: الواقعية أم الاستنزاف
في الوقت نفسه، دخلت الولايات المتحدة مرحلة تعتمد على الضغط الردعي المستدام، مع قدرات جوية وهجومية، قاذفات استراتيجية جاهزة للمهام، طائرات استطلاع، أنظمة دفاع جوي وصاروخي متعددة الطبقات، وحضور بحري مكثف يشمل مجموعتي حاملات طائرات قرب الممرات الحيوية، مما يُظهر حجم القدرة والإصرار الأميركي.
وأميركا تمتلك الآن أدوات موثوقة لاستهداف الدفاعات الجوية، الهياكل القيادية، القوات الصاروخية، الأصول البحرية، والقدرات العسكرية والنووية الإيرانية، دون العودة إلى الحروب البرية الواسعة السابقة.
والرسالة ليست أن الحرب حتمية، بل إن استراتيجية اللعب على حافة الهاوية ربما وصلت إلى نهايتها.
القرار الآن في يد طهران، ولا يعني بالضرورة الاستسلام، بل الواقعية الاستراتيجية.
مثلما قبل روح الله الخميني عام 1988 بعد ثمانية أعوام من الحرب مع العراق «شرب كأس السم» لضمان وقف التدمير والحفاظ على الدولة، قد تواجه إيران لحظة مماثلة من التحوّل.
إن التراجع الاستراتيجي لا يعني انهيار الدولة أو التخلي عن الدفاع الوطني، بل قد يعني تسليم بعض السلطات للجهات مثل الحرس الثوري و"الباسيج" التي لعبت دورًا في القمع الداخلي واستمرار العزلة.
كما يشمل التراجع وقف تخصيب اليورانيوم، وضع برامج الصواريخ تحت قيود يمكن التحقق منها، قطع العلاقات مع الميليشيات الموالية كأداة سياسة خارجية، ووقف الخطاب التهديدي تجاه المنافسين الإقليميين.
وفي المقابل، يمكن لإيران تحقيق ما طالما طالب به مواطنوها: الانتعاش الاقتصادي، رفع العقوبات، وتطبيع العلاقات الدبلوماسية، رغم أن هذه الإنجازات وحدها قد لا تلبي توقعات المجتمع بعد الألحتجاجات الشعبية الأخيرة.
ويطالب جزء متنامٍ من الشعب الإيراني الآن بتغييرات سياسية جذرية ومسار موثوق نحو الديمقراطية العلمانية والانتخابات الحرة.
والخيار البديل هو الاستنزاف العسكري مع هشاشة اقتصادية واضطرابات داخلية تؤدي إلى تدمير البنية التحتية وتعميق العزلة وزيادة الغضب الشعبي، حيث إن القمع قد يكبح المعارضة مؤقتًا لكنه يزيد عدم الاستقرار طويل الأمد.
ومعروف أن التاريخ قاسٍ مع الحكام الذين يخلطون بين التعنت الأيديولوجي والقوة.
ولا يزال لدى قادة إيران نافذة ضيقة لاختيار مصالح وطنية حقيقية على حساب التوسع الأيديولوجي. القوة المستدامة لا تكمن فقط في صالات الطرد المركزي وأنفاق الصواريخ، بل في الشرعية والرفاه والتماسك الاجتماعي.
ولعدة عقود، ربط النظام الإيراني المواجهة بالقوة والمقاومة بالمصير. اليوم، يخيّم شبح الحرب على إيران، والاختيار بين التنازل السلمي عن جزء من السلطة أو تصعيد جديد غير معروف العواقب سيحدد مستقبل النظام ومسار البلاد التي يحكمها.
والمسار الأقل خطورة لإيران يبدو واضحًا: التراجع عن المواجهة وترك اختيار المستقبل للإيرانيين، حتى لو كان ذلك يعني نهاية عهد الحكام الحاليين.