لم يعد الحراك الاحتجاجي في إيران، كما في السابق، يقتصر على استهداف رموز محددة للنظام بشكل انتقائي، بل اتسع نطاقه ليطال كل ما يُنظر إليه باعتباره ممثلاً للنظام، بما في ذلك العلم الرسمي للبلاد.
ويعود أحد أبرز مظاهر القطيعة العلنية إلى عام 2009، حين أضرم طلاب النار في صورة مرشد النظام السابق ومؤسسة الثورة، روحالله الخميني، في خطوة اعتُبرت آنذاك كسرًا لمحظور سياسي، ودفع قادة "الحركة الخضراء" إلى القول إن جهات أمنية قد تكون وراءها لتبرير تشديد القمع.
في تلك المرحلة أيضاً، رُدد شعار "لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران"، في إشارة إلى تحوّل لدى جزء من المجتمع من خطاب أيديولوجي عابر للحدود إلى تأكيد الهوية الوطنية.
ومنذ احتجاجات عام 2017، التي شهدت شعار "إصلاحي، أصولي، انتهى الأمر"، اتخذت الاحتجاجات مساراً أكثر شمولاً، وصولاً إلى احتجاجات يناير الأخيرة، حيث اتسع نطاق رفض النظام بمختلف أجنحته.
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت الهتافات التي تستهدف مباشرة المرشد علي خامنئي وقادة عسكريين بارزين مثل قاسم سليماني، بوصفهم رموزاً لسياسات النظام الداخلية والخارجية، كما أُزيلت صورهم وأُحرقت في احتجاجات متفرقة.
وامتد هذا الرفض إلى ساحات غير سياسية، بينها بطولة كأس العالم 2022 في قطر، حيث تعرض المنتخب الإيراني لانتقادات من بعض الأوساط التي رأت فيه ممثلاً للنظام أكثر من كونه فريقاً رياضياً.
إحراق العلم
في 23 فبراير، ولليوم الثالث على التوالي، نظم طلاب في عدد من الجامعات الإيرانية تجمعات احتجاجية رددوا خلالها شعارات مناهضة للمرشد، وأخرى داعمة لرضا بهلوي. وخلال هذه التحركات، داس بعض المحتجين على علم النظام وألقوه باتجاه قوات الأمن.
وفي جامعات أمير كبير، وجامعة طهران، وجامعة الزهراء، أُحرقت أعلام النظام.
وكان نظام طهران قد سعى عام 1979 إلى دمج الرموز الوطنية والدينية في العلم الرسمي، مع الإبقاء على الألوان التقليدية وإضافة عبارة "الله أكبر" في الوسط وعلى الشريطين الأخضر والأحمر، وهي عناصر لا تحظى اليوم بإجماع رمزي لدى جميع الإيرانيين.
ورغم أن القوانين الإيرانية لا تنص صراحة على تجريم إهانة العلم الوطني، فإن وجود لفظ الجلالة عليه قد يفتح المجال أمام ملاحقات بتهمة الإساءة للمقدسات.
النظام الإسلامي في مواجهة إيران
منذ تأسيسها، لم تُبدِ الجمهورية الإسلامية اهتماماً واسعاً ببعض الرموز والتقاليد الوطنية. فقد حاول الخميني استبدال احتفالات النوروز بمناسبات دينية، دون أن ينجح في ذلك.
وخلال سنوات ما بعد الثورة، لم يحظَ العلم الوطني بحضور بارز في الفضاء العام، قبل أن يتغير ذلك في عهد الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، حيث توسع استخدام العلم بشكل ملحوظ، بالتزامن مع تصاعد الجدل حول البرنامج النووي، في مسعى لتقديمه كقضية وطنية لا حكومية فحسب.
وبعد الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل، سعت السلطات إلى إعادة إبراز بعض الرموز الوطنية. ففي إحدى المناسبات، طُلب أداء نشيد "يا إيران" عقب خروج خامنئي من ملجأ خلال الحرب، إلا أن هذه الخطوات اعتبرها منتقدون متأخرة وغير كافية.
ويشير مراقبون إلى أن اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع والنظام انعكس أيضاً على بعض المظاهر الاجتماعية والدينية، حيث شهدت بعض مراسم تشييع ضحايا احتجاجات سابقة أنماطاً مختلفة عن الطقوس التقليدية، في دلالة على تحولات أعمق في المزاج العام.