وجرى تسليم جثمان هذا الشاب البالغ 20 عامًا إلى عائلته، صباح الاثنين 9 فبراير (شباط)، بعد شهر من الانقطاع التام للأخبار عنه، رغم أنه كان قد أُصيب في ساقه برصاصة حية يوم 8 يناير الماضي واعتُقل حيًا.
واتصل عناصر من قسم التحريات في قرية "فيراني" التابعة لبلدة "شاندیز" فجر ذلك اليوم بوالد علي، وطلبوا منه التوجه إلى مشرحة مقبرة «بهشت رضا» في مشهد للتعرّف على جثمان ابنه وتسلمه.
وخلال الاتصال، قالوا ردًا على سؤال والده بشأن مصيره: «لقد توفي خلال الاحتجاجات، وجثمانه محفوظ في المشرحة منذ أكثر من شهر».
ولكن مصادر قريبة من عائلة حيدري، شاهدت الجثمان، أكدت لـ "إيران إنترناشيونال" أن آثار الضرب المبرح كانت واضحة عليه، إضافة إلى كسر في الأنف، والأهم وجود ثقب رصاصة في الجهة اليسرى من جبينه، ما يشير إلى أنه، خلافًا للرواية الرسمية، تعرّض لتعذيب شديد خلال احتجازه قبل أن يُقتل بإطلاق رصاصة قاتلة في الرأس.
وأضافت المصادر أن «علامتين واضحتين أخريين على الجثمان أظهرتا أن مقتله لم يمضِ عليه سوى أيام قليلة».
وأوضحت أن علي كان قد حلق ذقنه، صباح الخميس 8 يناير الماضي، قبل اعتقاله، لكن لحيته بدت طويلة، ما يدل على أنه بقي حيًا لفترة بعد ذلك اليوم، وأن مظهر الجثمان لا يتوافق مع حالة وفاة مضى عليها شهر كامل.
الاعتقال في ميدان "هفت تير"
وُلد علي في 28 مارس (آذار) 2005 في قرية "فيراني" ببلدة "شاندیز"، وكان يقيم في مشهد. ولو لم يُقتل، لبلغ 21 عامًا بعد 40 يومًا.
وكان يعمل في ورشة خراطة، وشارك يوم 8 يناير مع آلاف المواطنين في احتجاجات جرت في ميدان "هفت تير" في مشهد.
وبحسب شهود، بدأ إطلاق النار نحو الساعة التاسعة مساءً على حشد من المتظاهرين قرب مركز شرطة هفت تير.
وقال أحد الناجين إن رصاصة حية أصابت ساق علي في اللحظات الأولى لإطلاق النار، فسقط أرضًا. وأضاف: «لم نتمكن من سحبه بسبب النزيف، وعندما وصلت قوات القمع رفعوه واقتادوه بالقوة».
33 يومًا من الاختفاء القسري
منذ لحظة اعتقاله مساء 8 يناير الماضي، وحتى فجر 9 فبراير الحالي، لم تُبلَّغ عائلته بأي معلومات عن مكان احتجازه أو وضعه الصحي أو مصيره.
ورغم مراجعة العائلة لوزارة الاستخبارات، واستخبارات الحرس الثوري، والشرطة، وأقسام التحقيق، والمستشفيات والمحاكم والمشارح، لم تعترف أي جهة باعتقاله.
وكان الرد المتكرر: «لا نعلم شيئًا».
ويُعد هذا الإنكار المنهجي مصداقًا لجريمة «الاختفاء القسري» وفق القانون الدولي، وهو أسلوب يُستخدم لبث الرعب في نفوس العائلات وإغلاق سبل المتابعة القانونية.
نهاية مأساوية لشهر من الغياب
توجهت العائلة، صباح الاثنين 9 فبراير، إلى «بهشت رضا». ولم يكن هناك عناصر أمنيون ظاهرون، لكن الموظفين أبلغوا العائلة بأنه «لا يحق لهم نقل الجثمان إلى حرم الإمام الرضا».
وفي مدينة يُعد فيها الوداع في الحرم تقليدًا دينيًا، حمل هذا المنع رسالة واضحة: السيطرة الكاملة على رواية الوفاة، وعلى مراسم التشييع، ومنع أي تجمع أو توثيق.
جثمان يكشف الجريمة
كان وجه علي "متورمًا" وتحول إلى اللون الأزرق، وأنفه مكسورًا، ما يدل على تعرضه لضرب شديد قبل قتله.
لكن العلامة الأوضح على الإعدام خارج القضاء كانت ثقب رصاصة في الجانب الأيسر من جبينه، ما يرجح أن إطلاق النار تم من مسافة قريبة وبسلاح قصير.
كما أكدت دلائل أخرى أن مقتله وقع قبل أيام قليلة فقط من تسليم الجثمان، وليس قبل شهر كما زُعم.
تشييع تحت رقابة أمنية
دُفن علي في مسقط رأسه بقرية «فيراني» وسط حضور شعبي واسع وانتشار مكثف لعناصر بلباس مدني.
وخلال مراسم الدفن حاول عناصر أمنيون اعتقال بعض المشاركين، لكنهم فشلوا بعد مقاومة الحاضرين.
كما هُددت العائلة بإلغاء مراسم التأبين في أحد مساجد البلدة، إلا أن وساطة وجهاء سمحت بإقامتها.
أزمة التعتيم الإعلامي
قال الناشط السياسي شهرام سديدي، المقيم في بريطانيا، إن غياب التغطية الإعلامية المبكرة لاعتقال علي سهّل قتله.
وأضاف أن تقارير ميدانية تشير إلى اعتقال أكثر من ألف وربما عدة آلاف في مشهد يومي 8 و9 يناير الماضي، لكن لم يُكشف عن سوى جزء ضئيل منهم، ما يثير مخاوف من استمرار الاختفاء القسري.
وأشار إلى أن تهديد العائلات من مغبة النشر يدفع كثيرين إلى الصمت، ما يزيد خطر تعرض معتقلين آخرين للقتل داخل مراكز الاحتجاز.
وختم بالقول إن رسائل عديدة وصلته مؤخرًا عن مختفين بعد اعتقالهم، لكن الخوف من «عنف غير منضبط» يمنع العائلات من الحديث، وهو ما وصفه بالأمر المقلق للغاية.