وجاء هذا التحليل، في مقال مشترك كتبه مدير السياسات في منظمة "الاتحاد ضد إيران النووية"، جيسون برودسكي، والمستشار الأول في المنظمة نفسها، سعيد كُلکار؛ حيث تناولا أوسع موجة احتجاجات تشهدها إيران منذ الانتفاضة الشاملة عام 2022، التي اندلعت عقب مقتل الشابة الإيرانية، مهسا جينا أميني، على يد النظام الإيراني.
وطرح الكاتبان السؤال المحوري التالي: هل يمكن للاحتجاجات الأخيرة أن تتحول، كما حدث في انتفاضة 2022، إلى تحدٍّ مستدام وشامل ضد النظام الإيراني أم لا؟
وبرأيهما، تُظهر المقارنة بين المرحلتين أن ديناميات الاحتجاجات في إيران تجمع في الوقت نفسه بين الاستمرارية والتحول.
فعلى الرغم من اختلاف منطلقات هاتين الانتفاضتين، فإن كليهما يعكس سخطًا بنيويًا عميقًا وشرخًا غير قابل للترميم بين السلطة والمجتمع.
وانبثقت احتجاجات عام 2022 من أزمة اجتماعية وأخلاقية. فقد تحوّلت وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى "دوريات شرطة الأخلاق" إلى رمز للقمع الممنهج، ولا سيما ضد النساء، وأسهمت في نشوء حركة تمحورت حول الكرامة الإنسانية، وحرية الجسد، والحريات الفردية.
وكان شعار "المرأة، الحياة، الحرية" تعبيرًا عن تمرّدٍ جيلي على "الحجاب الإجباري" والضبط السلطوي. وتقدّمت النساء والشباب الصفوف الأمامية، فيما تحولت ممارسات المقاومة اليومية إلى تحدٍّ شامل لشرعية النظام.
وأما الاحتجاجات الحالية، فقد بدأت في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، نتيجة صدمة اقتصادية؛ حيث أدى انهيار قيمة العملة الوطنية، وتسارع التضخم، واتساع رقعة البطالة، في نهاية المطاف، إلى تفجير غضب التجار وأصحاب المحال، والطبقة الوسطى الحضرية، والطلاب.
وفي السوق الكبير بطهران، وأسواق لاله زار وعلاء الدين، أغلق التجار محالهم ونزلوا إلى الشوارع.
وكانت رسالة هذه الاحتجاجات واضحة: "الانهيار الاقتصادي وسوء الحوكمة السياسية أمران لا ينفصلان".
وعلى الرغم من اختلاف المحفزات، فإن احتجاجات عامي 2022 و2025-2026 تتقاسم أوجه تشابه مهمة.
أوجه التشابه
في كلا المرحلتين، لعبت شبكات التواصل الاجتماعي، مثل "إكس" و"إنستغرام"، دورًا محوريًا في توسيع رقعة الاحتجاجات، وانتشرت صور العصيان بسرعة داخل إيران وخارجها.
وفي عام 2022، انتشر وسم مهسا أميني عالميًا، وفي المرحلة الحالية لفتت مقاطع إضرابات الأسواق والتجمعات الطلابية انتباه الرأي العام الدولي.
كما كان رد فعل السلطة في الفترتين واحدًا: اللجوء إلى القمع. ففي عام 2022 قُتل أكثر من 500 شخص واعتُقل الآلاف، وفي 2025-2026 ظهرت أيضًا تقارير عن القتل الحكومي، والاعتقالات الواسعة، وممارسات القمع والترهيب.
أوجه الاختلاف
أشار الكاتبان يشيران إلى أن أوجه الاختلاف باتت أكثر بروزًا.
وبدت الانتفاضة الراهنة، في مراحلها الأولى، أوسع نطاقًا وأعمق تأثيرًا مقارنة بعام 2022.
وقد اتسعت رقعتها الجغرافية، فلم تعد مقتصرة على مدن كبرى، مثل طهران، وأصفهان، ومشهد، وهمدان، بل شملت أيضًا مدنًا أصغر ومناطق تعاني حرمانًا اقتصاديًا.
وبحسب تعبير برودسكي وكلکار، فقد كانت احتجاجات 2022، ولا سيما في بدايتها، محصورة إلى حد كبير في المراكز الحضرية الكبرى، بينما شملت الاحتجاجات الحالية منذ انطلاقها طيفًا أوسع من الطلاب، والعمال، والنساء، والأقليات القومية.
كما يختلف السياق الدولي اختلافًا جوهريًا؛ ففي عام 2022، كان التركيز العالمي منصبًا على انتهاكات حقوق الإنسان، واكتفت الحكومات الغربية في الغالب بدعم لفظي وفرض عقوبات محدودة، كما تجنبت إدارة الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، ممارسة ضغط اقتصادي شامل.
وأما الاحتجاجات الحالية فتجري في ظل عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وإحياء سياسة "الضغط الأقصى"، وهي سياسة زادت من عزلة إيران الاقتصادية.
وقد أسهمت التهديدات العسكرية وتصريحات ترامب الداعمة للمحتجيّن في تصاعد مخاوف السلطة، ودفع النظام الإيراني إلى الترويج لرواية "الحرب النفسية الخارجية".
ومن جهة أخرى، تراجع الموقع الإقليمي للنظام الإيراني.
ففي عام 2022، كان النظام لا يزال يعوّل على شبكة قواته الوكيلة وبرنامجه النووي بوصفهما درعًا واقية ردعية.
وأما اليوم، فقد تآكلت قدرات حلفائه الإقليميين، وتعرض برنامجه النووي لأضرار جسيمة نتيجة الضربات العسكرية الإسرائيلية والأميركية.
وعلى الصعيد الداخلي، عاد المرشد الإيراني، علي خامنئي، إلى نمطه المألوف: إقرار محدود بوجود السخط، مقرون باتهام الاحتجاجات بأنها نتيجة مؤامرة خارجية.
وكما عبّر في عام 2022 عن "تأثره" بوفاة مهسا أميني، اعترف هذه المرة بتذمر "التجار" من الأوضاع الاقتصادية، لكنه سارع إلى وصف الاحتجاجات بأنها جزء من "الحرب الناعمة" الغربية.
ومع ذلك، وكما في السابق، لم تُسهم هذه المواقف في وقف استمرار حضور المحتجين في الشوارع.
ومن التحولات اللافتة أيضًا، التغير في الشعارات الاحتجاجية.
فإلى جانب استمرار الحضور الرمزي لشعار "المرأة، الحياة، الحرية"، باتت شعارات أنصار الملكية، مثل "يعيش الشاه" و"بهلوي عائد"، تُسمع في عدد كبير من المدن.
واعتبرت "فورين بوليسي" هذه الشعارات دليلاً على انتقال مركز ثقل الاحتجاجات من الإصلاحات الاجتماعية إلى التغيير الشامل للنظام، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى أن إحياء الذكرى وأشكال المقاومة المدنية النسائية يبرهن على أن قيم حركة 2022 لا تزال حية.
وفي المحصلة، تعكس كلتا الحركتين شرخًا عميقًا وغير محسوم بين السلطة والمجتمع.
فقد أضعفت انتفاضة 2022 الشرعية الأخلاقية للنظام، بينما تستهدف الاحتجاجات الحالية أسسه الاقتصادية.
ويرتبط مستقبل هذه الاحتجاجات بمدى التماسك الاجتماعي، والقدرة على تحويل المعاناة الاقتصادية إلى مطالب سياسية متماسكة، وإمكانية إحداث تصدعات داخل الأجهزة الأمنية والنخب السياسية.
وأكدت "فورين بوليسي" أنه من الواضح أن محركات السخط لم تختفِ، بل أصبحت أكثر قوة، وأن الغضب المتراكم، واليأس الاقتصادي، والتوق المستمر إلى الكرامة الإنسانية، لا تزال جميعها ترسم ملامح المشهد السياسي في إيران.
وأضاف المقال في ختامه: "لم يعد السؤال هو ما إذا كان التغيير ممكنًا أم لا، بل ما إذا كانت الظروف ستتبلور أخيرًا على نحو يسمح لهذا التغيير بأن يدوم".