• فارسی
  • English
Brand
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • المظهر
  • اللغة
    • فارسی
    • English
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
جميع الحقوق محفوظة، يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر.
volant media logo

"الإنجاب" وسيلة لـ"إنقاذ الوطن".. جسد المرأة في إيران تحت حصار دعاية النظام

نعيمة دوستدار
نعيمة دوستدار

صحافية - "إيران إنترناشيونال"

22 مايو 2025، 12:03 غرينتش+1

في زمن تتقلّص فيه موائد الشعب الإيراني، وتستمر البطالة وانعدام الأمن الوظيفي، وترتفع معدلات الهجرة بشكل مقلق، قررت السلطات الحاكمة أن تبحث عن حل للأزمة السكانية ليس في الإصلاحات الاجتماعية أو الاقتصادية، بل في نصب لافتات تندد، بطريقة عاطفية، بـ"منع الحمل".

في إحدى اللافتات الإعلانية التي نُصبت مؤخرًا في مترو طهران، كُتبت جملة تقول: "الممرضة التي عالجت جروح أمي، أنتِ سيدة عظيمة". ووُضعت فوق هذه الجملة صورة غطاء أو ستارة، وكُتب تحتها: "الممرضة التي لم تُولد".

بغض النظر عن غموض صورة الغطاء أو الستارة التي لا يتضح ماهيتها، تحمل هذه الجملة القصيرة رواية ثقيلة: "إذا منعتِ الإنجاب، فأنتِ تمنعين ظهور أبطال المستقبل".

مثال آخر هو صورة ورقة محترقة كُتب عليها: "رجل الإطفاء الذي أنقذ حياة ابني، أنت رجل عظيم". وكُتب تحتها: "رجل الإطفاء الذي لم يُولد".

هذه الصور، أكثر من كونها دعوة للإنجاب، هي محاولة لإثارة شعور بالذنب وتأنيب الضمير لدى أولئك الذين لا يرغبون أو لا يستطيعون إنجاب الأطفال.

لكن هذه الرسالة الصريحة ليست مجرد إعلان بسيط، بل هي خلاصة سياسات سكانية فاشلة، وأزمة معنى في النظام الحاكم، ومحاولة متكررة للسيطرة على جسد المرأة وقراراتها.

الهرم السكاني المقلوب: رد فعل دعائي

وفقًا لأحدث تقديرات مركز الإحصاء الإيراني، بلغ عدد سكان البلاد في عام 2024 حوالي 86 مليون نسمة، وانخفض معدل الخصوبة الكلي إلى مستوى مقلق يبلغ 1.6 طفل لكل امرأة، وهو رقم أقل بكثير من معدل استبدال السكان (2.1)، مما يؤدي إلى انخفاض مستمر في عدد المواليد.

تُظهر الإحصاءات الرسمية لمنظمة التسجيل المدني أن عدد المواليد المسجلة في عام واحد انخفض لأول مرة في التاريخ المعاصر إلى أقل من مليون.

في الوقت نفسه، يشكل 22.8 في المائة فقط من سكان البلاد الفئة العمرية من صفر إلى 14 عامًا، بينما ارتفعت نسبة السكان المسنين (65 عامًا فأكثر) إلى أكثر من 5.7 في المائة.

هذا الاتجاه هو مؤشر واضح على تشكّل هرم سكاني مقلوب في إيران، حيث تتضاءل قاعدة القوى العاملة، ويقع عبء دعم السكان المسنين على أكتاف جيل شاب يعاني بالفعل من انعدام الأمن المعيشي والخوف من المستقبل.

في مثل هذا السياق، يبدو إصرار النظام على حلول رمزية مثل الحملات الإعلانية المناهضة لمنع الحمل أكثر بعداً عن الواقع وخطورة في الوقت ذاته.

بدلاً من الاستثمار في سياسات فعالة لتشجيع الإنجاب، مثل توفير الأمن الوظيفي، والخدمات الصحية المجانية، والسكن، والتعليم، لجأ النظام إلى الأداة الأبسط والأقل تكلفة: خلق خطاب "ذنب المنع" وتقديس الإنجاب.

لا توجد أي جهود لزيادة الوصول إلى المرافق أو تشجيع الأفراد من خلال تقديم الإمكانيات، بل إن الأولوية تُعطى فقط لتعزيز شعور الذنب.

الجسد الأنثوي: ساحة معركة السياسات غير الفعالة

وفقًا للأدبيات النسوية، كان التحكم بجسد النساء عبر التاريخ دائمًا إحدى أدوات الأنظمة السلطوية للسيطرة على المجتمع. والآن، تشهد مجتمعات مختلفة جهودًا جديدة لاستعادة حق النساء في اتخاذ القرارات بشأن أجسادهن، من اللواتي اخترن عدم الإنجاب لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو حتى شخصية.

في هذه الحملات، يُصوَّر منع الحمل ليس كأداة للتوعية، بل كعائق أمام ولادة "الأبطال الوطنيين".

المرأة التي تقرر عدم الحمل تُصوَّر، في عين هذه الرواية، كمن تحرم المجتمع من طبيب أو معلم أو ممرضة المستقبل.

هذا النوع من السرد، باستخدام أدوات عاطفية، يحاول تحويل القرار الشخصي إلى "جريمة ثقافية".

من الإجهاض إلى إلغاء وسائل منع الحمل

خلال السنوات الأخيرة، شملت سياسات النظام السكانية إلغاء اللولب الرحمي، وحبوب منع الحمل، وعمليات ربط الأنابيب، واستئصال الأسهر من نظام الرعاية الصحية العامة، بالإضافة إلى تجريم الإجهاض.

هذه السياسات، التي تشبه "الحرمان" أكثر من "التشجيع"، قيدت في الواقع وصول النساء إلى الرعاية الإنجابية، وفي الوقت نفسه، حولت الحملات الثقافية الإنجاب إلى التزام أخلاقي وديني وحتى وطني.

روايات جديدة: الإنجاب كتعبير عن الوطنية

أحد أخطر جوانب هذه الرواية الجديدة هو مساواة الحمل بـ"إنقاذ الوطن".

تُصوَّر المرأة الحامل كأم المستقبل و"الأبطال الوطنيين"، بينما تُعتبر المرأة التي تمنع الحمل، في أحسن الأحوال، غير مسؤولة، وفي أسوأ الأحوال، خائنة للجيل القادم.

في ظل معاناة الجيل الشاب في إيران من عدم الاستقرار، والفقر، وأزمة الأمل، وانهيار المؤسسات الداعمة، يسعى النظام إلى تحويل أجساد النساء إلى حصون للدفاع عن المستقبل من خلال حيل إعلانية. وكأن إنجاب الأطفال يحل محل إنتاج السياسة، أو العدالة، أو الرفاهية.

في حين أن قرار عدم الإنجاب بالنسبة للكثير من النساء والعائلات هو احتجاج على الوضع الراهن، يحاول النظام، بتقليص هذا القرار إلى مسألة أخلاقية وفردية، نزع الطابع السياسي عنه.

في الواقع، من خلال الهجوم على وسائل منع الحمل، يسعى "النظام" إلى إزالة الاحتجاج الاجتماعي من لغة الجسد.

توليد الأزمة في قلب السياسات المناهضة للحرية

حملة مترو طهران، رغم بساطتها، هي رمز بارز لاستراتيجية النظام الحاكم في مواجهة الأزمات التي صنعها بنفسه: إلغاء الاختيار، وتقليص الفردية، وتقديس الطاعة. لكن، من خلال استعراض دروس العقود الماضية، يتضح أن لا إعلان ولا حملة عاطفية يمكن أن تحل محل السياسات المستنيرة، والعدالة الاجتماعية، وتطلع واضح للحياة.

المجتمع الذي يؤدي الإنجاب فيه إلى نقل الفقر، وانعدام الأمن، وإقصاء النساء من المشاركة الاجتماعية عبر الأجيال، لن يظل شابًا فحسب، بل سينحدر بسرعة نحو الهاوية، ولن تتمكن أي "ممرضة لم تُولد" من مساعدة هذا المجتمع على علاج هذه الأزمة.

الأكثر مشاهدة

صحيفة "كيهان" الإيرانية: البحرين ملك لنا ويجب معاقبة حكامها
1

صحيفة "كيهان" الإيرانية: البحرين ملك لنا ويجب معاقبة حكامها

2

بعد خلافات حادة.. وفد التفاوض الإيراني عاد إلى طهران بأمر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي

3

نائب رئيس البرلمان الإيراني: مضيق هرمز تحت سيطرة الحرس الثوري

4

"فوكس نيوز": إيران تنقل 20 مليون برميل من النفط عبر شبكة خفية للالتفاف على الحصار الأميركي

5

الحكومة تنقض وعودها والبنوك تفرض غرامات تأخير الأقساط.. الضغوط تتضاعف على الشعب الإيراني

•
•
•

المقالات ذات الصلة

خامنئي في مأزق.. والشعب يتحمل الخسائر

21 مايو 2025، 18:24 غرينتش+1
•
كامبيز حسيني

في أحدث موقف رسمي له، شكك علي خامنئي، مرشد النظام الإيراني، بنبرة متشائمة، في جدوى المفاوضات النووية، وقال: "في حكومة رئيسي كانت المفاوضات غير مباشرة لكنها بلا نتيجة؛ ولا أظن الآن أنها ستؤدي إلى نتيجة، ولا أدري ما الذي سيحدث".

بهذه الجملة، تم فعليًا التقليل من أهمية مصير الفريق المفاوض للنظام؛ وهو تصريح يُعدّ فصل الخطاب ويُفرغ أي جهد دبلوماسي جرى حتى الآن من مضمونه.

ما هي الحقيقة على الأرض؟

هذا التصريح من مرشد النظام أثّر فورًا على سوق العملات؛ إذ ارتفع سعر الدولار في السوق الحرة وتجاوز 85 ألف تومان. لكن هذا لم يكن الأثر الاقتصادي الوحيد. فقد أظهر موقف خامنئي مرة أخرى أن سياسات النظام في ما يتعلق بالمفاوضات لا تُبنى على المصالح الوطنية أو العقلانية السياسية، بل تخضع للتقلبات الداخلية والرؤية الأيديولوجية لزعيم النظام.

لقد اتخذ خامنئي في السنوات الماضية مواقف متناقضة مرارًا؛ فقد وصف التفاوض في وقت ما بـ"السم"، ثم اعتبره لاحقًا "مرونة بطولية".

وفي شهر أبريل (نيسان) من هذا العام، شدد على أن المفاوضات، إن وُجدت، فهي مسألة ثانوية لوزارة الخارجية، وليست شأنًا أساسيًا.

كما لجأ خامنئي في الماضي مرارًا إلى ما يعرف في الإدبيات الشيعية بـ"صلح الإمام الحسن" لتبرير التراجع عن مواقفه السابقة؛ كنموذج للشرعنة الأيديولوجية للمرونة السياسية.

ماذا تقول الأطراف الآخرى؟

على الساحة الدولية، باتت المواقف أكثر وضوحًا. فقد قال ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي: "حتى التخصيب بنسبة منخفضة يمهّد الطريق لصناعة السلاح". كما أكد ستيف ويتكوف، كبير المفاوضين الأميركيين، أن "التخصيب حتى بنسبة واحد بالمائة غير مقبول". ومن وجهة نظر واشنطن، فإن الخط الأحمر واضح تمامًا.

وفي الوقت نفسه، أفادت صحيفة "ذا ناشيونال" الصادرة في الإمارات أن إيران لم تقبل دعوة سلطنة عُمان للجولة الخامسة من المفاوضات في روما. ويبدو أن المفاوضات على وشك الفشل مجددًا.

عباس عراقجي وصف أجواء المفاوضات بعد تصريحات خامنئي بأنها "منتهية"، فيما قال جواد لاريجاني ساخرًا: "إذا لم نخصّب، فغدًا سيقولون لا تدرسوا الفيزياء أيضًا!".

أما صحيفة "كيهان" فقد حللت بشكل معبّر أن تصريحات خامنئي كان لها تأثير أكبر على ارتفاع سعر الدولار من تهديدات ترامب.

حكومة واحدة.. روايات متعددة

الحقيقة أن نظام الجمهورية الإسلامية، من خلال مواقفه المتعددة والمتقلبة، أبقى الشعب الإيراني في حالة من عدم اليقين الدائم؛ سياسات تكون معادية للاستكبار في يوم، وفي اليوم التالي تتغير باسم "المصلحة" أو "المرونة"، وفي يوم آخر تُظهر كأن لا أهمية لها.

وفي هذا المناخ الضبابي، تقلّص دور رئيس الجمهورية أكثر من أي وقت مضى إلى "منسق لوجستي" للنظام؛ منصب لا يُعهد إليه بصنع السياسات، بل يُعدّ فقط لتحمّل تبعات القرارات الكبرى.

اليوم، تعيش إيران وضعًا اقتصاديًا هشًا؛ فالمجتمع يواجه أزمات معيشية ومشكلات في المياه والدواء والطاقة، وفي الوقت ذاته، السياسة الخارجية عالقة في مأزق مزمن يحمّل الشعب الإيراني الكلفة المباشرة له.

لكن هذه المرة، يبدو أنه لا "المرونة البطولية" ستجدي نفعًا، ولا "الزئير الشجاع".

"ترميم الاستبداد" في النظام الإيراني بالانتقال من "قاضي القضاة" إلى "طبيب الأمة"

21 مايو 2025، 17:18 غرينتش+1
•
محسن مهيمني

في تغيّر المشهد السياسي الإيراني بعد وفاة إبراهيم رئيسي وتولّي مسعود بزشكيان منصب الرئاسة، يمكن ملاحظة تنفيذ المشروع الثاني من مشاريع الهندسة السياسية للنظام الإيراني لإعادة ترميم ذاته؛ بهدفين: ترميم أسس الشرعية، وإعادة بناء منظومة السلطة.

سقوط رئيسي، بغض النظر عن أسباب وتفاصيل حادثة تحطم مروحيته، شكّل فرصة للنواة الصلبة للسلطة لكي تطلق، على خلفية موجات الاحتجاج الشعبي الكبيرة خصوصًا في السنوات الأخيرة، عرضًا لتحوّل ظاهري بهدف تجميل صورتها السياسية داخليًا؛ عرض مستلهم من تجربة سابقة للنظام في ما سُمّي بـ"الاستبداد المطوَّر" عام 1997.

تحديث الاستبداد في نهاية القرن العشرين

في العقود الأخيرة من القرن العشرين، نفذت بعض الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مثل الجزائر ومصر وسوريا وليبيا، نموذجًا مشابهًا من "الديمقراطية من الأعلى".

هذا النموذج، الذي جاء غالبًا استجابةً للضغوط الغربية في مجال حقوق الإنسان وللمؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، تم تطبيقه من خلال الانتخابات وتدوير هندسي للسلطة بين أجنحة النظام.

التحولات الاجتماعية والسياسية بعد تطبيق هذا النموذج تمثلت في إصلاحات حكومية محدودة، كظهور مؤسسات مجتمع مدني خاضعة لرقابة الدولة، وحرية إعلامية محدودة، وخصخصة الاقتصاد لصالح النخب الموالية للأنظمة الاستبدادية.

اتبعت إيران في عهد محمد خاتمي نهجًا مشابهًا، عبر تطبيق إصلاحات سياسية هندسية تهدف إلى بقاء النظام.

لكن الدراسات السياسية أظهرت أن مثل هذا التدوير الظاهري للسلطة، رغم مظهره الديمقراطي وإعطائه إحساسًا بالتغيير للناس، أدى فعليًا إلى تثبيت البنى السلطوية وخلق مؤسسات تخدم بقاء النظام في نهاية المطاف.

المؤشرات الإحصائية، مثل زيادة عدد الصحف أو مؤسسات المجتمع المدني الشكلية في تلك الفترة في هذه الدول، عُرضت في الدراسات السياسية كأمثلة على هذه "الإصلاحات" الحكومية.

تكرار التاريخ: من التراجيديا إلى الكوميديا

قال كارل ماركس ذات مرة: "يُعاد التاريخ مرة على هيئة مأساة، ومرة أخرى على هيئة مهزلة".

ربما تُجسّد هذه العبارة الانتقال من حكومة رئيسي إلى حكومة بزشكيان، بتكرار نسخة من حكومة خاتمي؛ إعادة إنتاج صورة النظام عبر وجه أكثر حداثة، لكنه يظل وفيًّا لنفس المبادئ الاستبدادية.

في عام ما بعد وفاة رئيسي وتسلّم بزشكيان السلطة، تم اتخاذ خطوات متعددة في الساحات السياسية والاجتماعية والثقافية تعكس رغبة النظام في ترسيخ شرعيته السياسية عبر حكومة ذات طابع إصلاحي.

في عهد خاتمي، ظهرت على الأقل مساحة مؤقتة ومحدودة من الحرية السياسية، أما حكومة بزشكيان فلا تحمل حتى إشارات للإصلاحات الدنيا، وتعمل كأداة لتعزيز آليات الأمن والدين في الدولة.

حكومة "الوفاق": عرض للوحدة لتثبيت السلطة

حكومة بزشكيان، بشعار "الوفاق الوطني"، سعت إلى حل الانقسام المُدار بين الأصوليين والإصلاحيين، والذي شكّل لسنوات آلية تدوير هندسي للسلطة.

هكذا، تستعد إيران للانتقال إلى عصر جديد تقل فيه الانقسامات الداخلية.

تشكيلة الحكومة غير المتجانسة، التي تضم وزراء من التيار الإصلاحي وأنصار رئيسي، وتحذيرات الرئيس المتكررة من "الخلافات السياسية"، وتكراره لعبارة "لا تتشاجروا"، كلها يجب تحليلها في هذا السياق.

هذا "الاتحاد الظاهري" بين القوى الموالية للنظام يُوظّف لتقليل التوترات داخل المنظومة وتعزيز احتكار السلطة.

من جهة أخرى، تكرار بزشكيان لتأكيد ولائه للمرشد، وتأكيده أنه لا يتخذ قرارًا من دون التنسيق مع علي خامنئي، وتعبيره عن "الامتنان" له، كلها تدل على الموقع الثانوي لمقام الرئاسة مقابل رأس هرم السلطة.

في هذا النظام الذي يهيمن عليه الأمنيون والعسكريون، لم يعد هناك مساحة كبيرة للمؤسسات المنتخبة كالرئاسة أو البرلمان. إنها حركة من نظام شبه ديمقراطي إلى استبدادي بالكامل عبر العقود الأربعة الماضية.

استمرار دعم "المقاومة"

في السياسة الخارجية، خلال هذا العام منذ وفاة رئيسي ورئاسة بزشكيان، استمر مسار "التنازلات مقابل البقاء" بقيادة شخصية أكثر اعتدالاً.

في هذه المرحلة، عاد وجه مألوف هو عباس عراقجي من خط جواد ظريف، لكن بأجندة واحدة: مفاوضات محدودة مع الغرب لتقليل الضغوط وتحرير الموارد المالية، وتضميد الجراح الحقوقية التي تسبب بها النظام، من دون تغيير في البنى الأيديولوجية والإقليمية.

في المقابل، لا يزال الدعم غير المشروط للفصائل التابعة لإيران قائمًا؛ فبزشكيان نفسه كان من الموقّعين على مشروع عاجل لدعم "قوى المقاومة" في البرلمان، وكرّر مرارًا تمسكه بهذا النهج. ولا يزال من موقعه كرئيس يردد رسميًا بأن الدعم للمقاومة سيستمر.

ولا ينبغي نسيان أنه رغم اللغة "السلمية" الشكلية وادعاء الرغبة في "دبلوماسية تخفيف التوتر"، فإن الأنشطة الخارجية للأجهزة الأمنية والاستخباراتية للنظام الإيراني لم تتغير في عهد بزشكيان؛ من محاولات اغتيال المعارضين في أوروبا إلى التآمر على وسائل الإعلام الفارسية.

تعزيز السيطرة الأيديولوجية

في المجال الاجتماعي والثقافي، ركّزت حكومة بزشكيان على وزارتَي التعليم والثقافة، وأوكلتهما إلى شخصيات أمنية ودينية، في استمرار لسياسات الأسلمة والسيطرة الثقافية.

المصادقة على مشاريع مثل وجود الشرطة في المدارس لمراقبة الحجاب، وزيادة ميزانيات البرامج القرآنية، واستمرار تعيين طلاب الحوزات كمعلمين وموظفين في المدارس، كلها جزء من استراتيجية وزارة التعليم لترسيخ قيم النظام في أجيال المستقبل.

بزشكيان يُواصل بلا قيد ولا شرط برامج حكومة رئيسي؛ مثل تنفيذ وثيقة "المدارس النموذجية" التي تعود للحكومة السابقة.

كما أن وزير التعليم علي رضا كاظمي يصف نفسه بـ"جندي" القائد الأمني أحمد رضا رادان، ويؤكد تنفيذ "نظام التعليم والتربية وفق رؤى المرشد".

في نفس الوقت، يؤكد وزير الثقافة عباس صالحي، صاحب الخلفية الحوزية، أن "الفن والإعلام يجب أن يتأثرا بالقرآن".

إلغاء الحفلات، وإلغاء فعاليات ثقافية كـ"مهرجان الزقاق" في بوشهر، والدعم العلني لبزشكيان للحجاب الإجباري (حتى لو بأسلوب مختلف على حد وصفه)، كلها تؤكد استمرار نهج حكومة رئيسي وعدم حدوث أي تغيير.

بزشكيان لم يتردد في إعلان موقفه من على منصة الرئاسة بالقول صراحة: "لن أبقى صامتًا أمام كسر الأعراف والتعري، وسأتخذ إجراءات".

من رئيسي إلى بزشكيان: وجهان لعملة واحدة

رغم الاختلافات الشكلية، فإن الخطاب السياسي وشخصية وأسلوب قيادة بزشكيان لا تختلف جوهريًا عن رئيسي بالنسبة للسياسة الإيرانية.

فأحدهما خريج الحوزة، والآخر مروّج لتعاليمها؛ الخطب والآيات القرآنية جزء أساسي من خطاب كلاهما. إن كان رئيسي يستند في خطاباته إلى آيات القرآن، فإن بزشكيان يستند إلى "نهج البلاغة" في برامجه وكلماته.

كلاهما كذلك ارتكبا أخطاء لفظية وسلوكية أثارت جدلًا عامًا، وتناقلتها وسائل التواصل؛ من فيديو تقليد بزشكيان المثير للجدل لأصوات المعاقين، إلى خطئه اللفظي حين وصف القوات الجوية بـ"المشجعين"، ذكّر كثيرين بأخطاء رئيسي، ودفع الناس للتساؤل عن الفرق بين الرئيس "المثقف المتخصص" الذي رُوّج له انتخابيًا، وبين رئيسي "صاحب ست سنوات دراسية فقط".

مؤيدو هذين الرئيسين، من الأصوليين والإصلاحيين، قدّماهما على أنهما "قاضي القضاة" و"طبيب الأمة"، لكن أداء كليهما جعل من هذه الألقاب محل سخرية. بزشكيان الذي رُوّج له في الانتخابات كجراح قلب، لم يعرف حتى وزن القلب في المناظرات، واعترف لاحقًا بعد عام على توليه الحكم بأنه حتى في مجال الطب لم يكن ناجحًا، وأن مرضاه كانوا يموتون بعد العمليات واحدًا تلو الآخر.

ثوب جديد لنظام قديم

ما حدث خلال العام الماضي في السياسة الإيرانية هو نقل مدروس للسلطة من شخصية تنتمي للنواة الصلبة للسلطة إلى أخرى بوجه عصري، لكنها أكثر وفاءً للبنية ذاتها. تغيير شكلي هدفه ترميم شرعية منهارة لنظام الجمهورية الإسلامية.

وإذا كانت فترة خاتمي قد منحت مساحة، وإن كانت محدودة، للمشاركة السياسية، فإن النظام اليوم لم يعد يرى حتى تلك المساحة ضرورية، وبزشكيان جاء ليُضفي مضامين استبدادية وعسكرية على مفاهيم ديمقراطية.

الوعي الشعبي والتجربة التاريخية: تحدٍّ أمام هندسة السلطة

رغم محاولة النظام استنساخ ذات النموذج القديم من التسعينيات لإعادة ترميم ذاته بعد أزمة، إلا أن الفرق الآن يكمن في وعي المجتمع وذاكرته الجمعية.

انتفاضات يناير (كانون الثاني) 2017، ونوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وثورة "المرأة، الحياة، الحرية" في 2022، لم تُنهِ الثقة الشعبية فحسب، بل وضعت شرعية النظام في موضع تساؤل غير مسبوق.

بحسب استطلاعات الرأي، ومنها التي أجراها مركز "كمان"، فإن أكثر من 80 في المائة من الإيرانيين يؤيدون تجاوز نظام الجمهورية الإسلامية.

هذا المستوى من السخط الشعبي يُشير إلى أن اللعب بالوجوه لم يعد ينطلي على أحد.

يأس خامنئي من التوصل إلى اتفاق مع ترامب.. وعودة شبح الحرب

21 مايو 2025، 11:58 غرينتش+1
•
مراد ويسي

في الذكرى السنوية الأولى لمقتل الرئيس الإيراني المثير للجدل إبراهيم رئيسي، أشاد المرشد خامنئي بأدائه أمام الولايات المتحدة، معلنًا أنه لا يرى أي آفاق واضحة لنجاح المفاوضات مع أميركا. ويُعتبر هذا التصريح إشارة مهمة إلى احتمال فشل المفاوضات.

النقطة البارزة في كلام خامنئي هي مديحه لرئيسي بسبب مقاومته لما وصفه بـ"التهديد والإغراء" ورفضه التفاوض مع أميركا؛ وهذا المديح يُعد تلميحًا ضمنيًا ينتقد حكومتي حسن روحاني ومسعود بزشكيان، اللتين اتخذتا نهجًا أكثر انفتاحًا على التفاوض مع الولايات المتحدة.

من خلال هذه التصريحات، يحاول خامنئي تمهيد الأرضية مسبقًا لتبرئة نفسه من المسؤولية في حال فشل المفاوضات.
فهو يريد أن يدعي، في حال عدم التوصل إلى نتيجة، أنه كان منذ البداية ضد الحوار مع أميركا.

هذه تكتيكات استخدمها سابقًا في حكومتي روحاني وخاتمي؛ فعندما كان يتم التوصل إلى اتفاق، كان ينسب الفضل لنفسه ويقول إن المفاوضات تمت تحت إشرافه، لكن إذا فشلت المفاوضات أو لم تسفر عن نتيجة، كان يحمل الحكومة المسؤولية ويتحدث عن عدم الثقة بأميركا.

حتى إن خامنئي استخدم أوباما، الذي لا يحبه، لتوبيخ روحاني، مدعيًا أن رئيس الولايات المتحدة كان أذكى من رئيس إيران.
الآن، بعد أن أعلن ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب، أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران حتى بتخصيب بنسبة واحد بالمائة، وصلت الخلافات بين طهران وواشنطن إلى ذروتها.

في المقابل، تصر إيران على مواصلة التخصيب، حتى في مستويات أقل من أربعة بالمائة. وقد اتهم خامنئي، يوم الثلاثاء، الولايات المتحدة بـ"الهراء"، معلنًا أن طهران لن تتراجع عن التخصيب.

هذا الموقف يظهر أن الطرفين غير مستعدين للتنازل عن مواقفهما. تعتبر الولايات المتحدة التخصيب خطًا أحمر وتطالب بوقفه التام، بينما يراه خامنئي ليس فقط حقًا بل مسألة كرامة.

ومع ذلك، يُظهر تحليل أعمق أن مسألة التخصيب بالنسبة لخامنئي ليست مجرد مسألة كرامة. السبب الأهم هو أنه يرى استمرار التخصيب الطريق الوحيد المتبقي للحفاظ على القدرة المحتملة لصنع سلاح نووي.

فقد حققت طهران، من خلال تخصيب اليورانيوم، تقدمًا في تخزين المواد اللازمة، وحتى تقليص المسار لصنع قنبلة نووية. ويخشى خامنئي أن خسارة هذه القدرة ستترك إيران عاجزة تمامًا أمام ضغوط أميركا وإسرائيل.

من وجهة نظر خامنئي، يُعد التخصيب آخر أدوات الردع للنظام الإيراني، خاصة في ظل ضعف الجماعات الوكيلة وقلة فعالية القدرات الصاروخية. لذا، فإن الحفاظ على إمكانية صنع سلاح نووي يُعد بالنسبة له ضمانًا للبقاء، ويرى التراجع عن التخصيب بمثابة نزع السلاح.

قال خامنئي في خطابه إنه سيتحدث في المستقبل عن سبب ضغط أميركا لوقف التخصيب.

ويُظهر تحليل هذا التصريح أنه يسعى للحفاظ على ورقة التهديد في المفاوضات، حتى لو لم يتحدث عن ذلك بشكل أوضح حاليًا.

في هذا السياق، قوبل اقتراح عُمان لعقد الجولة الخامسة من المفاوضات في روما برفض النظام الإيراني. فقد امتنع عباس عراقجي، كبير المفاوضين، عن السفر إلى روما، لأن المشاركة في هذه المفاوضات تتطلب الرد على اقتراح أميركي محدد.

ووفقًا للتقارير، يتضمن هذا الاقتراح وقف التخصيب بالكامل، وبما أن إيران غير قادرة على قبوله، فقد فضلت تأجيل المفاوضات.

من ناحية أخرى، أعلن ترامب ومساعدوه مثل ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي، بوضوح أن إيران يمكن أن تمتلك مفاعلًا سلميًا لكن ليس لها الحق في التخصيب، لأن هذه القدرة يمكن أن تتحول بسرعة إلى صنع سلاح.

في هذه الظروف، لم يعد شعار "لا حرب ولا مفاوضات"، الذي لعبه خامنئي لسنوات، فعّالًا.

وقد أعلن قاسم محبعلي، المدير العام السابق للشرق الأوسط في وزارة الخارجية، في تصريح نادر، أن إيران لم تعد في وضع "لا حرب ولا صلح" ويجب عليها اختيار أحدهما. يمكن اعتبار هذا التصريح نقدًا مباشرًا لسياسات خامنئي.

كما قال محبعلي إن التخصيب كلف الشعب الإيراني حتى الآن أكثر من تريليوني دولار، بينما كانت نتيجته توفير واحد بالمائة فقط من الكهرباء في البلاد من خلال محطة "بوشهر".

هذه الحقيقة الاقتصادية جعلت حتى بعض أعضاء النظام يعبرون عن معارضتهم لاستمرار هذا المسار.

في النهاية، أظهر السوق رد فعل على مأزق المفاوضات. فبعد تصريحات خامنئي الأخيرة، ارتفع سعر الدولار ألفي تومان ليصل إلى 84 ألف تومان.

بينما اعتبرت صحيفة "كيهان" هذا الارتفاع دليلًا على تأثير كلام خامنئي، فإن الحقيقة هي أن هذا الارتفاع يعكس قلق السوق العميق من فشل المفاوضات وتشديد العقوبات. تشبيه هذا الرد بقوة المرشد يشبه شخصًا يكسر زجاجًا في مشاجرة لتخويف الطرف الآخر، فيصيب نفسه بالأذى.

بشكل عام، يبدو أن إيران في موقف لا تستطيع فيه التراجع عن مواقفها، ولا تملك القدرة على مواصلة التصعيد.

مع إصرار أميركا على وقف التخصيب بالكامل وعدم رغبة خامنئي في قبوله، أصبحت آفاق التوصل إلى اتفاق أكثر قتامة من أي وقت مضى، وعاد شبح الحرب من جديد.

بعد عام من سقوط المروحية.. من المستفيد من مقتل الرئيس الإيراني السابق؟

20 مايو 2025، 17:16 غرينتش+1
•
مسعود كاظمي

مرّ عام على مقتل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في حادثة تُعرف بـ"سقوط المروحية في منطقة ورزقان". ورغم مرور 12 شهرًا، لا تزال أسباب الحادثة غامضة، لكن ربما السؤال الأهم من "كيف قتل رئيسي؟" هو: من استفاد من مقتله؟

في الأدبيات الجنائية، هناك مبدأ أساسي: فحص الدوافع وتحديد المستفيدين.
الشرطة والمحققون، في قضايا القتل، يبحثون دائمًا عن التغييرات التي أحدثها موت شخص معين، ومن الذين جنوا فائدة من هذا الموت.

ومن هذه الزاوية، إذا نظرنا إلى حادثة موت رئيسي، يبرز أمامنا سؤال أكثر جدية من فرضية "حادث طبيعي": هل كان نظام طهران فعليًا هو المستفيد الرئيسي من هذا الموت؟

تحول في السياسة الخارجية

بعد مرور عام على موت رئيسي، تجري إيران مفاوضات مع الولايات المتحدة، وليس مع حكومة جو بايدن، بل مع حكومة دونالد ترامب، الرئيس الذي كانت قيادات النظام الإيراني تصفه صراحة بـ"قاتل قاسم سليماني"، وكانت تصف التفاوض معه بأنه مستحيل.

مثل هذا التحول في السياسة الخارجية لنظام إيران ليس غير مسبوق، لكنه في هذه المرحلة يبدو أن الإقصاء الجسدي لرئيسي كان أحد العوامل الرئيسية فيه.

حكومة رئيسي كانت تركز بشدة على "المقاومة"، و"الاستقلال"، و"عدم الاعتماد على الأجانب"، وكانت تروّج لخطاب "القدرات الداخلية".

وزير خارجيته، حسين أمير عبد اللهيان، (الذي لقي مصرعه معه في الحادث) كان يُوصف، بحسب كاظم جلالي، سفير إيران في روسيا، بأنه "وزير خارجية المقاومة، لفهمه العميق للعالم الإسلامي".

كما أشار محمد مخبر، القائم بأعمال الرئيس بعد وفاة رئيسي، إلى أن "أمير عبد اللهيان كان وزير خارجية تيار المقاومة".

في ظل هذه الظروف، كان أي تليين أو تفاوض مع الغرب، وخاصة مع أميركا، يمكن أن يسبب أزمة خطابية خطيرة للنظام الإيراني.

الانتقال من "معاقبة قاتل سليماني" إلى "قبول منطق التفاوض معه"، لم يكن أمرًا سهلًا لحكومة رئيسي. حتى عندما جرت مفاوضات نووية في حكومته مع حكومة بايدن والدول الأوروبية، لم يتم التوصل إلى نتيجة، لأن خطاب حكومة رئيسي والعناصر البشرية فيها لم تكن قادرة على دفع هذا المسار.

لكن موت رئيسي فتح الطريق أمام مسعود بزشكيان وعودة "خطاب التفاوض".

انتقاد بعض الأصوليين لهندسة الانتخابات

دخل بزشكيان الانتخابات وفاز فيها، بشعار "الدبلوماسية" و"التغيير"، وبمرافقة علنية لمحمد جواد ظريف، وزير الخارجية السابق ورمز مفاوضات الاتفاق النووي. فوزٌ اعتبره بعض الأصوليين ليس عرضيًا ولا تنافسيًا.

فقد اتهم محمد منان رئيسي، ممثل مدينة "قم" في البرلمان الإيراني، في مقال له، مجلس صيانة الدستور بهندسة الانتخابات، وكتب: "أن يجلسوا بكل بساطة، دون تبصر بالعواقب، خلال خمسة أو ستة أيام، خلف الطاولة وتحت المكيف، ويقدموا لنا تركيبة في عملية غير شفافة، من دون تحليل كافٍ... إذا كان الهدف من هندسة الانتخابات (حتى لو عن غير قصد) لصالح أصدقائنا الإصلاحيين، فهل كان يمكن إعلان مجموعة مرشحين أفضل من هذه؟ قطعًا لا!"

في وسائل التواصل الاجتماعي، تحدث بعض المستخدمين المقرّبين من التيار "القمي" و"الثوري" عن إقصاء متعمد لرئيسي.

وقد كتب كاتب هذا التقرير، قبل يوم من الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لعام 2024، في مذكرة، أن مسعود بزشكيان هو الخيار المفضل لخامنئي لرئاسة الجمهورية.

فهل مهّد النظام الطريق أمام شخصية معتدلة عبر إقصاء جسدي لشخصية متشددة؟

من وجهة نظر بعض المحللين، لا تنفي الشواهد والفوائد المستخلصة من هذا التغيير مثل هذا الاحتمال.

النظام الإيراني وأزمة الطاقة

إحدى القضايا الأساسية في إيران حاليًا هي نقص الطاقة. وبحسب قول فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم حكومة بزشكيان، فهذه الأزمة ناجمة عن "انعدام الاستثمار والسياسات الصحيحة خلال السنوات الأخيرة".

بمعنى آخر، كان الجميع يعلم بقدوم الأزمة، لكن لم يتم اتخاذ أي إجراء.

الانتقال من العزلة إلى التفاعل هو أحد الطرق للخروج من هذه الأزمة، وهو ما بدأته حكومة بزشكيان بضوء أخضر من المرشد خامنئي، وهو ما لم يكن ممكنًا إلا في غياب رئيسي.

سر سقوط المروحية؛ غموض أم مؤامرة؟

فيما يخص سبب سقوط مروحية رئيسي، لا تزال الرواية الرسمية تؤكد على "سوء الأحوال الجوية"، لكن كثيرين من المقربين للنظام أشاروا إلى احتمال وجود دور للموساد أو عمل تخريبي.

قال فؤاد إيزدي، أستاذ جامعي ومحلل في التلفزيون الإيراني: "قد يكون الحادث وقع، لكن مشكلتنا في منطقة أذربيجان هي وجود إسرائيل والموساد".

وكتبت صحيفة "جمهوري إسلامي"، مشيرة إلى التكهنات: "الحدث وقع قرب حدود بلادنا مع جمهورية أذربيجان، حيث نشرت إسرائيل تجهيزات استخباراتية واتصالية وعسكرية واسعة".

أما كامران غضنفري، النائب في البرلمان، فذهب أبعد من ذلك وقال: "أميركا وإسرائيل، بالتعاون مع [إلهام] علييف، اغتالوا رئيس الجمهورية... لكن بعض السادة لا يرون من المصلحة التصريح بذلك وينسبون الاستشهاد إلى سحابة... يا لها من سحابة كثيفة وذكية!"

في المقابل، نفت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة رسميًا جميع السيناريوهات المرتبطة بـ"التخريب"، و"الهجوم"، أو "العمليات الموجهة"، لكن هذا النفي لم يوقف التكهنات، لأن أي تقرير شفاف عن محادثات الطيار، أو الصندوق الأسود، أو تفاصيل الحادثة لم يُنشر.

من استفاد؟

كان موت رئيسي يعني وفاة أحد كبار مسؤولي نظام الجمهورية الإسلامية، الذي ارتبط اسمه بانتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الإعدامات الجماعية في الثمانينيات، والمحفورة في الذاكرة التاريخية للإيرانيين.

وهو مجتمع لم يستقبل خبر وفاته بالصدمة، بل بالسخرية، ولم يكن نظره إلى موته نظرة "تعزية".

لكن الأهم من موت رئيسي هو التغير الذي تبعه. إقصاء رئيسي مهّد الطريق لتحول في السياسة الخارجية، وانفتاح مجال التفاوض، والسيطرة على أزمات مثل نقص الطاقة.

وقد تمكنت إيران، بتكلفة خطابية أقل مما كان يمكن أن تتكبده لو استمر رئيسي في الحكم، من الانتقال من حكومة المقاومة إلى حكومة الدبلوماسية.

ومن هذا المنطلق، ربما السؤال الأهم ليس كيف قتل رئيسي؟ بل لماذا قتل؟ ومن الذي استفاد من مقتله؟

زيارة ترامب.. تهديد أخطر من قاذفات "B-52" على خامنئي

15 مايو 2025، 12:53 غرينتش+1
•
مراد ويسي

وضعت زيارة دونالد ترامب إلى المنطقة والاستقبال الباذخ الذي حظي به من قِبل قادة الدول العربية، النظام الإيراني ومسؤوليه في موقف غير مسبوق من الانفعال والدفاع.

ورغم أن السياسات الأميركية كانت دائمًا تُشكّل ضغطًا على النظام الإيراني، فإن الزيارة الأخيرة لترامب والصدى الواسع الذي لاقته في الإعلام والرأي العام، خلّفت تأثيرًا أعمق وأكثر خطرًا من قصف قاذفات "B-52" الأميركية أو قنابلها الخارقة للتحصينات على خامنئي ونظام الجمهورية الإسلامية.

يكمن سبب هذا التأثير في قوة الصورة والسرد والمقارنة المباشرة بين تقدم دول مثل السعودية والإمارات وقطر، وبين الوضع الحالي في إيران.

وقد أغضبت هذه الزيارة مسؤولي النظام الإيراني بحق، لأنها قدّمت صورة من التنمية والرفاهية والأمن والتخطيط للمستقبل في دول الجوار الجنوبي لإيران، وهي صورة تتناقض تمامًا مع الواقع اليومي المؤلم للمجتمع الإيراني، مثل الانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء، وازدياد الفقر، والمشكلات الصحية والتعليمية، وتآكل البنى التحتية.

إن الاستقبال الفاخر الذي حظي به ترامب من الدول العربية، ومشاركة رموز بارزة من شركات التكنولوجيا والاقتصاد العالمية، والنقاشات حول مستقبل يعتمد على الذكاء الاصطناعي، والعقود الاستثمارية الضخمة، كل ذلك- إلى جانب التغطية الإعلامية الواسعة ووسائل التواصل الاجتماعي- رسم صورة واضحة للنجاح والتقدم الحقيقي، وهي صورة لم تعد قابلة للإخفاء عبر الرقابة الإعلامية في الداخل الإيراني.

وبينما سعت إيران دائمًا إلى تصوير الدول الخليجية على أنها اقتصادات أحادية تعتمد فقط على النفط، أظهرت الصور والبيانات المنشورة أن هذه الدول لم تُحدث تحوّلًا جذريًا في بنيتها التحتية فحسب، بل إنها تحقق تقدمًا ملحوظًا أيضًا في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والنقل الجوي، والرياضة، والثقافة، والسياحة.

في المقابل، ما يُرى في إيران هو تراكم الأزمات؛ 57 مليون شخص باتوا مؤخرًا بحاجة إلى سلع تموينية مدعومة، نصف الطائرات المدنية الإيرانية أصبحت خارج الخدمة، والمطارات تحولت إلى مقابر لطائرات متهالكة، وملايين الإيرانيين لا يملكون وصولًا مستقرًا إلى مياه الشرب، بينما أصبحت انقطاعات الكهرباء ظاهرة عامة.

من جانب آخر، فإن أمثلة مؤلمة، مثل وفاة مهندسين متقاعدين من صناعة الطيران الإيرانية جراء عطل في معدات هبوط طائرة بوينغ متهالكة، بالتزامن مع توقيع قطر عقدًا مع شركة بوينغ لشراء 210 طائرات مدنية جديدة، تُظهر أن الوضع الفني والبشري في إيران قد بلغ مرحلة الخطر. هذان الشخصان أُجبرا على مواصلة العمل، بعد تقاعدهما، بسبب تدني المعاشات التقاعدية.

مقارنة لا مفر منها

الصورة التي رسمتها زيارة ترامب للمنطقة خلقت مقارنة واسعة في أذهان الإيرانيين. كثيرون باتوا يتساءلون بحسرة: لولا وجود النظام الحالي، ألم يكن بإمكان إيران أن تحقق تقدمًا موازيًا لجيرانها الجنوبيين، أو حتى تتجاوزهم؟ لكن الواقع اليوم، رغم ما تمتلكه إيران من موارد طبيعية وبشرية وتاريخية غنية، هو أن قطاعًا واسعًا من الشعب يعيش في فقر ويأس وغياب لأي أفق مستقبلي.

يحاول مسؤولو النظام الإيراني التقليل من شأن دول المنطقة باستخدام تعبيرات مثل "التقدم الحقيقي" مقابل "التقدم الظاهري"، إلا أن الإيرانيين باتوا يرون الفوارق بأعينهم من نوعية السيارات التي يركبها الناس، إلى جودة التعليم والصحة، وحتى مستوى الفرق الرياضية.

بينما تقوم السعودية بتطوير كرة القدم لديها باحتراف من خلال جذب رونالدو وعشرات اللاعبين الآخرين، وتتألق في بطولات آسيا، تعجز إيران عن التأهل للأولمبياد وتُهزم في المنافسات الآسيوية.

زيارة ترامب وضعت النظام الإيراني في موقف ضعف رمزي وإعلامي شديد.

الصورة التي قُدّمت عن التقدم والتفاعل الإيجابي لجيران إيران مع العالم، حطمت رواية النظام التي فُرضت على الإيرانيين لسنوات من خلال الرقابة. لقد خسرت إيران مجددًا معركة الرواية أمام شعبها.

سجلٌ للحكم

وإذا كان معيار الحكم الجيد هو تحسين جودة حياة الناس، فإن سجل نظام طهران، بناءً على مؤشرات مثل توفير المياه والكهرباء والغاز والأدوية والنقل والعمل والمعاشات الكريمة، يُعتبر سجلًا فاشلًا.

وفي حين نرى ازديادًا في مستوى الرفاهية والرضا العام في دول المنطقة، تواجه إيران أزمة شاملة.

ومن المثير للسخرية أن إيران، في مواجهة الانتقادات، تدّعي أحيانًا أن عقوبات ترامب لم تكن مؤثرة، وفي أحيان أخرى تُحمّلها كامل المسؤولية عن الأزمات. هذا التناقض في الخطاب لا يُقنع المواطنين، بل يعمّق الفجوة بين الدولة والشعب.