ونقلت الصحيفة، الثلاثاء 3 نوفمبر، عن مسؤولين إقليميين وشركات أمنية وخبراء عسكريين، أن طهران تسعى من خلال هذه الأساليب إلى تعزيز موقفها الذي تراجع خلال الحرب، واستعادة السيطرة على مضيق هرمز، وزيادة الضغوط على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ظل تعثر المفاوضات مع واشنطن.
ووفقًا للتقرير، استخدمت القوات الإيرانية خلال الأسابيع الماضية مسيّرات تحت الماء محمّلة بالمتفجرات، وأطلقت قذائف صاروخية، كما استعانت بقوارب صغيرة لتثبيت عبوات ناسفة على هياكل السفن التجارية.
واستهدف بعض هذه الهجمات سفنًا تتولى نقل النفط من الخليج إلى ناقلات تنتظر تحميله.
وأوضح كبير محللي الشؤون الإيرانية والطاقة في مجموعة أوراسيا، غريغوري برو، لصحيفة "وول ستريت جورنال"، أن استمرار هذه الهجمات قد يمكّن إيران من إبقاء مخاطر الملاحة وتكاليف النقل مرتفعة، والحيلولة دون انخفاض أسعار النفط العالمية.
المسيّرات تحت الماء والألغام اللاصقة.. أدوات جديدة لاستهداف السفن
بحسب مسؤولين في الدول الخليجية، شنت إيران منذ أواخر أغسطس هجمات على عدة سفن تجارية باستخدام مركبات غير مأهولة تحت الماء محمّلة بالمتفجرات.
وأشارت "وول ستريت جورنال" إلى أن "المسؤولين في طهران لم يؤكدوا حتى الآن الطبيعة الدقيقة لهذه الهجمات"، موضحة أن الامتناع عن الكشف عن التفاصيل ربما يشكل جزءًا من مساعي إيران لترسيخ الانطباع بأن الألغام البحرية لا تزال تهدد الملاحة في مضيق هرمز.
وكان الحرس الثوري الإيراني قد زعم مرارًا خلال الأسابيع الأخيرة أن سفنًا تجارية تعرضت لأضرار نتيجة اصطدامها بألغام زرعتها قواته.
غير أن مسؤولين في الدول الخليجية يرون أن هذه المزاعم تهدف إلى إثارة الخوف بين شركات الملاحة، والتشكيك في نجاح عمليات إزالة الألغام التي تنفذها الولايات المتحدة.
ووفقًا للتقرير، تشمل الأساليب الأخرى التي تستخدمها إيران تثبيت ألغام لاصقة على هياكل السفن، وهي طريقة سبق أن اتُهمت القوات الإيرانية باستخدامها عام 2019.
وبحسب تقرير صادر عن هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، اقترب قارب صغير من ناقلة نفط خلال إحدى الهجمات الأخيرة في المياه الواقعة شمال سلطنة عُمان، وثبّت عبوتين ناسفتين على هيكلها فوق خط الماء.
وأدى انفجار العبوتين إلى اندلاع حريق في غرفة محركات الناقلة، ما تسبب في تعطيلها مؤقتًا.
وكانت صحيفة "فايننشال تايمز" قد أفادت سابقًا بتعرض ناقلة النفط "لويز 1" لهجوم باستخدام ألغام لاصقة.
وحذّر خبراء الأمن البحري من أن العودة إلى استخدام هذه الطريقة قد تدفع شركات الملاحة إلى تجنب عبور مضيق هرمز.
الاعتماد على القوارب الصغيرة بدلًا من الرادارات الساحلية
وتطرقت صحيفة "وول ستريت جورنال" في جانب آخر من تقريرها إلى التغييرات التي طرأت على أساليب رصد السفن لدى القوات الإيرانية.
ووفقًا لغريغوري برو، أصبحت قوات إيران تعتمد بصورة متزايدة على المراقبين البشريين، عقب الهجمات الأميركية المتكررة على منظومات الرادار الساحلية الإيرانية.
وتعتمد هذه الطريقة على أشخاص يستقلون قوارب صغيرة، ويعملون بصورة سرية بين أعداد كبيرة من قوارب الصيد المنتشرة في مضيق هرمز، لمراقبة السفن العابرة ونقل المعلومات المتعلقة بمواقعها إلى القوات المسؤولة عن تنفيذ الهجمات الصاروخية وهجمات المسيّرات.
ويرى خبراء أن رصد هذه الأنشطة وتعطيلها يمثل تحديًا أكبر للقوات الأميركية مقارنة بالتعامل مع أنظمة الرادار الثابتة.
وأفاد مسؤول عربي مطلع على الهجمات الإيرانية بأن هذه القوارب شوهدت مرارًا بالقرب من المناطق التي تعرضت فيها سفن تجارية للاستهداف.
ويأتي هذا التحول في التكتيكات بعدما دمرت الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من القوة البحرية لإيران خلال الحرب.
وبحسب "وول ستريت جورنال"، ربما جعلت هذه الخسائر اعتماد القوات الإيرانية على السفن المدنية أكثر ضرورة.
وكانت "إيران إنترناشيونال" قد كشفت في تقرير خاص نشرته في 2 يوليو أن الحرس الثوري نشر قوات خاصة على امتداد سواحل الخليج، بهدف رصد السفن التي تعبر المسار الجنوبي لمضيق هرمز مسبقًا.
ووفقًا للمعلومات التي حصلت عليها "إيران إنترناشيونال"، استخدمت هذه القوات نقاط مراقبة برية ومعدات بحرية وأنظمة جوية لجمع المعلومات.
توسيع نطاق الهجمات لتشمل السفن غير النفطية
ذكرت "وول ستريت جورنال" أن إيران وسّعت نطاق هجماتها بالتزامن مع زيادة كميات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز.
ولم تعد الهجمات مقتصرة على ناقلات النفط، بل امتدت لتشمل سفن الحاويات وناقلات البضائع السائبة وسفن نقل الغاز.
كما تعرضت بعض السفن الراسية في مناطق أخرى من الخليج، خارج نطاق مضيق هرمز، للاستهداف.
وأوضح خبير الحرب البحرية في كلية كينغز لندن، أليسيو باتالانو، أن "إيران تستطيع إلحاق أضرار كبيرة بتكلفة منخفضة، كما أن إمكانية شن الهجمات من مواقع ساحلية متعددة تجعل رصدها ومنعها أكثر صعوبة، وتستغرق وقتًا أطول بالنسبة للقوات الأميركية".
وتأتي زيادة الهجمات بعدما هددت إيران سابقًا باتخاذ إجراءات ضد السفن التي تعبر مضيق هرمز دون التنسيق مع طهران.
وكان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، قد أعلن في 6 سبتمبر إنشاء ما وصفه بـ"المنطقة المحظورة الخاضعة للعقوبات" حول مضيق هرمز.
وهدد رضائي بفرض عقوبات على السفن التي تتجاهل أوامر التوقف الصادرة عن القوات الإيرانية، وكذلك على مالكيها.
مساعٍ لزعزعة أمن الملاحة رغم الوجود العسكري الأميركي
تتواصل الهجمات الإيرانية في وقت تنفذ فيه الولايات المتحدة عمليات عسكرية بصورة شبه يومية لحماية حركة السفن ونقل النفط عبر مضيق هرمز.
وتؤكد إدارة ترامب أنها فرضت سيطرتها على هذا الممر المائي، فيما أعلنت القوات الأميركية تطهير مضيق هرمز من الألغام الإيرانية.
ورغم ذلك، بلغت الهجمات على السفن التجارية خلال أكتوبر أعلى مستوياتها منذ اندلاع الحرب.
وسجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أكثر من 35 حادثًا خلال أكتوبر، فيما تعرضت خمس سفن على الأقل للاستهداف خلال الأيام الأولى من نوفمبر.
وكانت وكالة "رويترز" قد أفادت سابقًا بأن تصاعد الهجمات يأتي ضمن مساعي طهران لإبطاء تعافي حركة الملاحة، والإبقاء على الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، خصوصًا قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
ويشير تقرير "وول ستريت جورنال" الجديد إلى أن إيران، رغم الأضرار الواسعة التي لحقت بقدراتها البحرية وبنيتها التحتية العسكرية، لا تزال تسعى إلى رفع تكاليف عبور السفن ومخاطره في مضيق هرمز، من خلال هجمات محدودة لكنها مستمرة.
وبناءً على ذلك، لا تقتصر أهداف هذه التكتيكات على إلحاق الضرر بسفن محددة، بل تشمل أيضًا زعزعة الأمن وردع شركات الملاحة عن استخدام الممرات البحرية الخاضعة للحماية الأميركية، باعتبار ذلك جزءًا من استراتيجية طهران.