وقال بيسنت، في مقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز»، إن إدارة ترامب تعتزم قطع جميع الشرايين المالية والتجارية الإيرانية، بهدف وضع طهران والدول والمؤسسات المتعاونة معها في عزلة اقتصادية كاملة.
ومن المقرر أن يعلن بيسنت، يوم الاثنين 24 أغسطس، تفاصيل الإجراءات الجديدة التي تعتزم الإدارة الأمريكية اتخاذها ضد الجمهورية الإسلامية، محذرًا من أن استمرار التعاون مع الحكومة الإيرانية سيعرّض وصول هذه الدول إلى رأس المال والأسواق العالمية للخطر.
وأعلن وزير الخزانة الأمريكي بدء مرحلة جديدة وواسعة من الضغوط الاقتصادية على إيران، واصفًا إياها بأنها «يوم حاسم اقتصاديًا» وأكبر هجوم مالي منظم ضد عدو.
وأشار بيسنت إلى مؤتمر طهران عام 1943، قائلًا إن قادة الحلفاء كانوا يسعون آنذاك إلى إيجاد سبل «لممارسة أقصى قدر ممكن من الضغط على العدو». وأضاف أن التاريخ يطرح السؤال نفسه مجددًا أمام طهران، وحان الوقت لكي تجيب الولايات المتحدة عنه بكل قوتها.
وأكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باستخدام القوة العسكرية الأمريكية، دمّر جزءًا كبيرًا من القدرات العسكرية للحكومة الإيرانية وأضعف برنامجها النووي. وأضاف أن واشنطن دخلت الآن «المرحلة النهائية»، وتسعى إلى استكمال الضغط العسكري بهجوم واسع على الموارد المالية والتجارية للجمهورية الإسلامية.
واتهم بيسنت النظام الإيراني بأنه، خلال 47 عامًا، لعب دورًا تخريبيًا داخل إيران وخارج حدودها، معتبرًا أن فساد النظام وسياساته أوصلا اقتصادًا كان يمكن أن يكون من أقوى اقتصادات العالم إلى الخراب، وقابلا الإيرانيين المبتكرين ورواد الأعمال بالقمع.
كما اتهم نظام الجمهورية الإسلامية بالحفاظ خارج إيران على شبكة من الجماعات الوكيلة لمواصلة أنشطته العنيفة والإرهابية، وقال إن الولايات المتحدة دفعت ثمنًا باهظًا في مواجهة هذه الشبكة، وإنها ليست الدولة الوحيدة التي واجهت تداعيات أنشطتها.
وبحسب وزير الخزانة الأمريكي، ورغم اتساع التهديدات الناجمة عن سياسات طهران، بقيت واشنطن في كثير من الحالات وحيدة في عزمها على مواجهة الجمهورية الإسلامية.
وعزا بيسنت الانخفاض الحاد في قيمة الريال وارتفاع التضخم في إيران إلى سياسات إدارة ترامب، وقال إن الاقتصاد الإيراني تضرر إلى درجة هبطت معها العملة الوطنية إلى أدنى مستوياتها، فيما اقترب التضخم من أعلى مستوياته التاريخية.
وأشار إلى أن الأمل الأخير للنظام الإيراني يتمثل في استمرار تعاون دول ترى، بدافع الخوف أو الاعتبارات الاقتصادية، أن التسوية مع طهران قد توفر لها الأمن أو السلام المستدام.
وقال وزير الخزانة الأمريكي، من دون تسمية دول بعينها، إن بعض الحكومات والمؤسسات الأجنبية لا تزال تشتري النفط الإيراني وتنقله، وتسهّل تحويل أموال إيران عبر شركات الصرافة والمناطق الحرة التجارية.
وأضاف أن بعض الدول تسمح أيضًا للرحلات الجوية الإيرانية بالعمل، وتسجل السفن نيابة عن طهران في مكاتبها، وتتغاضى عن عمليات نقل الوقود من سفينة إلى أخرى في البحر وعن الاستخدام غير القانوني لأنظمتها المصرفية. واتهم بيسنت هذه الدول في الوقت نفسه بمحاولة إخفاء حجم تعاونها مع الجمهورية الإسلامية.
وقال إن هذه الدول تتصرف على أساس أن استرضاء طهران خيار أكثر أمانًا من مواجهتها، لكنها يجب أن تأخذ في الاعتبار أيضًا عواقب المساعدة في بقاء الجمهورية الإسلامية.
ولشرح هذه المعضلة، أشار بيسنت إلى أفكار الفيلسوف الفرنسي في القرن السابع عشر بليز باسكال. وقال إن باسكال كان يرى أن عدم اليقين لا يعفي الأفراد أو الدول من اتخاذ القرارات، بل يلزمهم بتقييم المخاطر بصورة أكثر دقة، لأن تكلفة الحساب الخاطئ قد تكون أكبر في مثل هذه الظروف.
وقال وزير الخزانة الأمريكي إن «رهان باسكال» ينطبق الآن على الشرايين الحيوية للاقتصاد الإيراني. وأضاف أن الدول التي تواصل توفير الموارد المالية للحكومة الإيرانية لتجنب رد فعل طهران، تعمل في الواقع على تعزيز الحكومة نفسها التي تخشاها.
وحذّر بيسنت من أن هذه الدول تجاوزت حدود صبر الولايات المتحدة، وعليها الاختيار بين مواصلة التعاون مع إيران والحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة والنظام المالي العالمي.
وقال إن ترامب يقوم بما امتنع عنه رؤساء أمريكيون سابقون، وهو إنهاء تهديد اكتفت الحكومات السابقة بإدارته واحتوائه.
وبحسب بيسنت، تقبّلت الطبقة السياسية الأمريكية لعقود دورة لا تنتهي من الأعمال الاستفزازية للجمهورية الإسلامية، بينما كان ينبغي لها أن تدفع المصالح الأمريكية بحزم أكبر. وأضاف أنه لا ينبغي لجيل آخر أن يعيش تحت تهديد قوى ترفع شعار «الموت لأمريكا» وتسعى إلى تحقيق أهداف إيران النووية.
واعتبر وزير الخزانة الأمريكي أن العزلة المالية الكاملة لطهران يمكن أن تقلل الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية الأمريكية بشكل مباشر، وفي الوقت نفسه تعزز أمن حلفاء واشنطن وحرية تحركهم.
كما عرض حوافز للدول التي تقطع علاقاتها المالية والتجارية مع إيران. وقال بيسنت إن قطع التعاون مع طهران يمكن أن يزيد وصول هذه الدول إلى رأس المال العالمي، ويعزز الثقة بأسواقها، ويحسن موقعها المنشود في الاقتصاد الدولي.
في المقابل، حذّر من أن الدول التي تحافظ على علاقاتها مع طهران قد تفقد طريقها نحو تحقيق الازدهار المستدام. وقال إن الأنشطة المالية غير القانونية عادة ما تتوسع في الدول التي تتراجع فيها ثقة المستثمرين والأسواق العالمية.
وأضاف بيسنت أن أي دولة تعمل شريانًا ماليًا لحكومة آيلة إلى الانهيار، يجب أن تتوقع أن تشارك أيضًا في عزلها. كما قال إن الدولة التي تتحول إلى ملاذ للأنشطة الإرهابية ستصبح، من وجهة نظر الولايات المتحدة، طرفًا منبوذًا في العالم.
واتهم وزير الخزانة الأمريكي إيران بأنها قدمت خلال السنوات الماضية الابتزاز في صورة ضمانات أمنية، واستغلت مخاوف الدول الأخرى من الإجراءات الانتقامية التي قد تتخذها طهران.
وبحسب بيسنت، استندت قوة إيران إلى حسابات تعتبر رد فعل إيران أمرًا حتميًا، بينما ترى تنفيذ التهديدات الأمريكية قابلًا للتفاوض. وقال إن عودة ترامب إلى السلطة أنهت هذه المرحلة، وإن الدول التي تخشى الوقوف في وجه طهران لا ينبغي أن تستهين بتكلفة اختبار إرادة واشنطن.
وأضاف أن ترامب هيأ الظروف التي تمكّن الحكومة الأمريكية من استخدام جميع المؤسسات والصلاحيات القانونية والأدوات التي كان كثيرون يعتقدون أن واشنطن لن تلجأ إليها أبدًا.
وحذّر بيسنت من أن أي علاقات متبقية مع طهران قد تسرّع العزلة الاقتصادية للدول والمؤسسات المرتبطة بها، سواء أُنشئت هذه العلاقات عن علم أو تجاهلتها الحكومات والشركات عمدًا.
كما حذّر وزير الخزانة الأمريكي من احتمال رد عسكري من جانب الجمهورية الإسلامية. وقال إنه إذا شنت طهران، بالتزامن مع إضعاف الاقتصاد الإيراني وتراجع سيطرة الحكومة على السلطة، عملًا عسكريًا ضد القوات الأمريكية أو دول الخليج المجاورة، فإن ترامب سيرد «بسرعة وحزم».
وفي ختام مقاله، وصف بيسنت هدف الحكومة الأمريكية بأنه قطع جميع الشرايين الاقتصادية التي تساعد على بقاء الجمهورية الإسلامية، مؤكدًا أن الضغوط ستستمر إلى أن تصبح طهران في عزلة كاملة.
وعاد مجددًا إلى الإشارة إلى باسكال، معتبرًا قرار الدول المتعاونة مع الحكومة الإيرانية نوعًا من الاختيار بشأن مستقبلها، متسائلًا عما إذا كانت هذه الدول مستعدة للمخاطرة بمستقبلها في مواجهة الموجة الجديدة من الضغوط الأمريكية.