وفي هذه الظروف، حذر عضو لجنة الصناعات والمناجم في البرلمان الإيراني، مصطفى بوردهقان، من تسجيل اقتصاد البلاد نموًا سلبيًا، ومن تحركه نحو التضخم المفرط.
ودعا إلى تشكيل "لجنة طوارئ" لمواجهة التضخم وارتفاع الأسعار، مشيرًا إلى ارتفاع حجم السيولة في إيران إلى 17 ألف تريليون تومان، وهو مستوى قياسي غير مسبوق منذ تأسيس البنك المركزي.
ونقل بوردهقان عن محافظ البنك المركزي، عبد الناصر همتي، قوله إن النمو الاقتصادي للبلاد بلغ سالب 3 في المائة، خلال الأشهر الخمسة الماضية. وإذا تأكد هذا الرقم رسميًا، فإنه يشير إلى تعمق الركود وانكماش الاقتصاد الإيراني خلال الأشهر الأخيرة.
وتخضع إيران حاليًا لضغوط قصوى من الولايات المتحدة.
وقال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، الخميس 13 أغسطس (آب)، إن واشنطن تعتزم اتخاذ إجراءات ضد إيران ستكون، بحسب وصفه، "غير مسبوقة" في تاريخ عزل دولة اقتصاديًا.
وأوضح بيسنت، في مقابلة مع شبكة "نيوزماكس"، أن تفاصيل الإجراءات الإضافية ستُعلن الأسبوع المقبل.
وأضاف أن هذه السياسة ستجمع بين العزلة الاقتصادية الشديدة واستمرار الحصار في مضيق هرمز، وهو حصار قال إنه سيمنع دخول أي سلع إلى الموانئ الإيرانية أو خروجها منها.
وقال المحلل السياسي، روح الله رحيم بور، لـ "إيران إنترناشيونال" إن العقوبات الاقتصادية وحدها لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير في إيران، لكن الاقتصاد أصبح حاليًا أحد أهم نقاط ضعف النظام.
وبحسب رحيم بور، أظهرت تجارب الفترات السابقة أن الضغوط الاقتصادية يمكن أن تدفع النظام الإيراني إلى تقديم تنازلات، موضحًا أن "تقييد صادرات النفط، وتعطيل طرق التجارة، وارتفاع تكلفة الواردات، يخفّض موارد الحكومة من العملات الأجنبية، ويجعل في الوقت نفسه توفير السلع الأساسية والمواد الأولية والنفقات الجارية أكثر صعوبة".
من عجز الموازنة إلى الضغوط الخارجية
لكن بوردهقان أرجع الجزء الأكبر من الزيادة في السيولة إلى اقتراض الحكومة ومحاولاتها تمويل عجز الموازنة، محذرًا من أنه إذا واصلت الحكومة تغطية نفقاتها عبر خلق النقود، فإن الاقتصاد الإيراني سيتجه نحو التضخم المفرط.
وكان قد قال سابقًا، في مقابلة مع موقع "تابناك"، إن جزءًا كبيرًا من الإيرادات الحكومية المتوقعة، بما فيها الإيرادات الضريبية والنفطية، تضرر بسبب الحرب والأزمة الاقتصادية.
ومع ذلك، لا تزال الحكومة مطالبة بتوفير نفقات مثل الرواتب والدعم النقدي وبطاقات السلع.
وكان الاقتصاد الإيراني، حتى قبل الجولة الأخيرة من المواجهات العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يعاني تضخمًا مزمنًا، وتراجع الاستثمار، وأزمة طاقة، وركود الإنتاج، وانخفاض القدرة الشرائية. وقد أدت الحرب والقيود الجديدة على الصادرات والواردات إلى تفاقم هذه الأزمات.
وفي ظل هذه الظروف، تجد الحكومة نفسها عالقة بين خفض الإنفاق، وزيادة الضرائب، والاقتراض، وخلق مزيد من النقود. ويؤدي خفض الإنفاق العام وزيادة الضرائب إلى فرض ضغوط إضافية على الأسر والشركات، بينما قد يؤدي تمويل عجز الموازنة عبر النظام المصرفي إلى زيادة السيولة وارتفاع الأسعار مجددًا.
العمال في نهاية سلسلة الأزمة
تظهر تداعيات هذه الحلقة الآن في تزايد متأخرات الأجور لدى وحدات الإنتاج والخدمات.
وبحسب وكالة "إيلنا"، استدعت بعض الشركات والوحدات الإنتاجية التي كانت قد سرحت موظفين في وقت سابق، عمالها السابقين للعودة بعد استئناف أنشطتها. إلا أن هؤلاء العمال واجهوا بعد عودتهم إلى أماكن عملهم عدم دفع أجور شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) الماضيين، وتراكم مستحقاتهم.
وكان بعضهم قد لجأ خلال فترة البطالة إلى أعمال، مثل قيادة سيارات الأجرة عبر التطبيقات، لكنه فقد بعد عودته إلى المصنع مصدر دخله البديل، وكذلك إمكانية الاستفادة من تأمين البطالة.
وقال الأمين التنفيذي لبيت العمال في محافظة "قم"، أكبر شوكت، إن غالبية العمال يعيشون تحت خط الفقر نتيجة سنوات من "تدني الأجور"، ولا يملكون قدرة كبيرة على تحمل الضغوط الاقتصادية الجديدة.
وحذر من أنه إذا لم تتغير الظروف، فلن يتمكن العمال من تحمل الوضع الحالي لأكثر من شهرين آخرين، متوقعًا أن تشهد البلاد في نهاية الصيف "اضطرابات واسعة" في أوساط العمال.
وأضاف شوكت أن بعض أصحاب العمل غير قادرين فعلاً على دفع الرواتب بسبب اضطرابات استيراد المواد الأولية والتصدير والدورة المالية، بينما يستغل آخرون الأزمة لتأجيل دفع الأجور وخفض الطاقة الإنتاجية رغم امتلاكهم السلع والمواد الأولية في مستودعاتهم.
إضرابات احتجاجًا على عدم دفع الأجور
ظهرت مؤشرات هذا الاحتقان في احتجاجات عمالية سابقة أيضًا.
وفي 23 يونيو الماضي، أضرب نحو 1600 عامل في مجموعة "تبريز لصناعة الآلات" عن العمل؛ احتجاجًا على عدم دفع أجور شهري مايو (أيار) ويونيو الماضيين.
كما تجمع موظفو مركز الصحة في إسلام آباد غرب، في 22 يونيو الماضي؛ احتجاجًا على تأخر صرف المستحقات، وعدم المساواة في الأجور، وانخفاض الرواتب مقارنة بخط الفقر.
وتتواصل الاحتجاجات في وقت تواجه فيه النقابات العمالية المستقلة في إيران قيودًا واسعة، فيما لا يمتلك العمال آليات قانونية ومستقلة فعالة لمتابعة مطالبهم.
ومن غير المرجح أن تتمكن "لجنة الطوارئ" من وقف هذا المسار من دون السيطرة على عجز الموازنة، وتوفير رأس المال العامل للشركات، وضمان دفع الأجور، وخفض التوترات الخارجية.
وما يوصف على المستوى الكلي بأنه نمو في السيولة وركود وانخفاض في إيرادات الحكومة، يتحول في الحياة اليومية إلى أجور غير مدفوعة، وتقلص في قدرة الأسر على الإنفاق، واتساع الاحتجاجات المعيشية.