وأرسلت حكومة الرئيس مسعود بزشكيان اتفاقية عام 2018 بشأن الوضع القانوني لبحر قزوين إلى البرلمان للتصديق عليها، منهية سنوات بقيت فيها الاتفاقية دون حسم، ومجددةً جدلاً حساسًا حول الحقوق التاريخية للبلاد ومصالحها في مجال الطاقة وموقعها في هذا الحوض ذي الأهمية الاستراتيجية.
ووقّع قادة إيران وروسيا وأذربيجان وكازاخستان وتركمانستان الاتفاقية في ميناء أكتاو الكازاخستاني في أغسطس (آب) 2018، ولا تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ إلا بعد تصديق الدول الخمس المطلة على بحر قزوين عليها. وقد استكملت الدول الأربع الأخرى عملية التصديق منذ فترة طويلة، بينما ظلت طهران وحدها مترددة في إتمامها.
والاتهام الذي يلاحق مشروع القانون أقدم من مشروع القانون نفسه: اعتقاد واسع الانتشار في إيران، يستند إلى قراءات لمعاهدتي عامي 1921 و1940 مع موسكو، بأن إيران كانت تستحق نصف بحر قزوين، وأنها قد ينتهي بها الأمر بالحصول على ما يزيد قليلاً على عُشره.
لكن الاتفاقية لا تحدد في الواقع أي حصص وطنية، غير أن شبح نسبة الـ 50 في المائة ظل حاضرًا في كل نقاش إيراني حول بحر قزوين منذ "اتفاق أكتاو".
ويزيد توقيت هذه الخطوة من حدة الجدل؛ إذ تأتي في خضم حرب جعلت الساحل الجنوبي لإيران يتعرض لضربات ليلية وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما جعل الممر عبر بحر قزوين إلى روسيا يحمل حصة متزايدة من تجارة البلاد وأهميتها الاستراتيجية.
لكن ما تفعله الاتفاقية فعليًا أضيق نطاقًا مما يوحي به مؤيدوها أو منتقدوها.
فهي تعرف بحر قزوين بأنه "مسطح مائي مغلق بريًا خاص وفريد من نوعه"، وتضعه خارج نطاق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وتحصل كل دولة ساحلية على 15 ميلاً بحريًا من المياه الإقليمية ذات السيادة الكاملة، إضافة إلى 10 أميال بحرية أخرى من حقوق الصيد الحصرية، بينما تُخصص بقية المسطح المائي منطقة مشتركة للملاحة.
ولكن الثروة مؤجلة؛ إذ تنص المادة الثامنة على أن ملكية قاع البحر وباطنه، وكذلك ترسيم حدودهما وحقوق النفط والغاز، تُترك لـ "اتفاقات ثنائية أو متعددة الأطراف بين الدول المعنية".
وقد حسمت روسيا وكازاخستان وأذربيجان إلى حد كبير حدودها في الجزء الشمالي من البحر، بينما لا تزال الحدود التي تشمل إيران وأذربيجان وتركمانستان دون تسوية، وسط تعقيدات مرتبطة بتقسيم المياه الغنية بالطاقة.
نزاع عمره قرن حول حصة إيران
قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، كان بحر قزوين يخضع لمعاهدتي عامي 1921 و1940 بين طهران وموسكو، اللتين اعترفتا بحقوق متساوية في الملاحة والصيد، لكنهما لم ترسما حدودًا بحرية.
وأدى تفكك الاتحاد السوفياتي إلى تحول عدد الدول المطلة على البحر من دولتين إلى خمس دول، ومنذ ذلك الحين دافعت إيران عن تقسيم البحر بالتساوي، بحيث تحصل كل دولة على 20 في المائة.
وأما روسيا وكازاخستان وأذربيجان، فاعتمدت بدلاً من ذلك أسلوبًا معدلاً لخط المنتصف، وهي صيغة من شأنها، بسبب الشكل المقعر للساحل الإيراني، تقليص حصة طهران من البحر وقاعه إلى نحو 11 إلى 13 في المئة. ولم تقبل إيران بهذا التقسيم قط.
موقف إيران: إغلاق الجبهة الشمالية
تقدم إيران التصديق باعتباره استكمالاً للإطار القانوني لبحر قزوين، وتعميقًا للتعاون بين الدول المطلة عليه، وقبل كل شيء، وسيلة لإبعاد القوى الخارجية عنه.
ويشير المسؤولون إلى المادة الثالثة التي تحظر وجود القوات المسلحة التابعة للدول غير الساحلية في بحر قزوين، باعتبارها المكسب الأمني الرئيسي للاتفاقية، وهو بند لطالما دعمتْه كل من طهران وموسكو.
وكتبت وكالة "دفاع برس"، المرتبطة بالقوات المسلحة الإيرانية، أن هذا البند من شأنه أن "يحوّل الحدود الشمالية لإيران إلى منطقة آمنة، بعيدة عن سيناريوهات التدخل العسكري الأجنبي"، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطًا على حدودها الجنوبية والغربية.
موقف المنتقدين: التصديق قبل التفاوض الحقيقي
يرى المعارضون أن البرلمان يرتب خطوات الاتفاقية بصورة معكوسة، إذ يثبت الإطار القانوني قبل تقسيم قاع البحر، حيث تكمن الثروة.
ويشيرون إلى أن دول الشمال قامت بالفعل بتقسيم أجزاء كبيرة من قاع البحر بينها، ومضت قدمًا في تطوير حقول النفط والغاز، في حين لا تزال الحقول المشتركة مع إيران، ومنها حقل البرز، عالقة دون حسم.
وقال المحلل في الشؤون الدولية، داريوش سفرنجاد، لصحيفة "جوان" المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، إن على النواب إعادة مشروع القانون إلى الحكومة، لأن الاتفاقات التكميلية التي كان من المفترض إتمامها خلال ستة أشهر من توقيع اتفاقية 2018 لم تُستكمل قط.
وحذر من أن الموافقة على الاتفاقية دون هذه الاتفاقات "قد توفر لدول قزوين الأخرى أسسًا قانونية في المستقبل، وتؤثر في الديناميكيات الأمنية والسياسية والجيوسياسية لمنطقة بحر قزوين".
وقال محلل العلاقات الدولية المتخصص في أوراسيا، شعيب بهمن، للصحيفة نفسها إن التصديق قبل تحديد حدود قاع البحر من شأنه "تقليص النفوذ القانوني لإيران في المفاوضات المستقبلية، وقد يقوض مطالبتها بحصة تبلغ 20 في المائة من بحر قزوين".
خطوط الأنابيب والممرات و"الخريطة التركية"
تتمثل الجبهة الثانية لمنتقدي الاتفاقية في المادة 14، التي تنص على أن خطوط الأنابيب البحرية تحتاج إلى موافقة الدول التي تمر عبر قطاعاتها فقط، وليس الدول الخمس جميعًا.
وقال بهمن إن هذا البند قد يمهّد الطريق أمام منتجي النفط والغاز في شرق بحر قزوين لتصدير مواردهم مباشرة إلى أوروبا، بما يضعف موقع إيران كدولة عبور.
وقدم المتخصص في الشأن الروسي، مهدي سيف تبريزي، قراءة أكثر تحفظًا لموقع "فرارو". وقال إن المياه الإقليمية الإيرانية البالغة 15 ميلاً بحريًا وحقوق الصيد البالغة 10 أميال بحرية مضمونة، وإن "النزاع الحقيقي يتعلق بقاع البحر وباطنه"، وليس بنسب المسطح المائي التي تهيمن على النقاش العام.
ومع ذلك، فإنه يشارك في المخاوف الاستراتيجية من احتمال تنفيذ مشروع خط الأنابيب العابر لبحر قزوين، الذي طال الحديث عنه، من تركمانستان أو كازاخستان إلى أذربيجان.
وقال: "قد يؤدي ذلك إلى تعزيز موقع أذربيجان، ومن ثم تعزيز ممر زانغيزور وما يسمى مشروع العالم التركي. وإذا صدقت إيران على الاتفاقية، فإنها ستزيل أحد أهم العوائق القانونية أمام تنفيذ هذه المشاريع".
المعارضة تنضم إلى الهجوم
لم تأتِ الانتقادات من داخل أجنحة النظام فحسب. فقد كتب ولي عهد إيران السابق، رضا بهلوي، في منشور على منصة "إكس"، أن التصديق على الاتفاقية دون تفويض من الشعب الإيراني ودون "ضمان واضح وشامل للحقوق التاريخية لإيران" أمر "مقلق للغاية ويشكّل تهديدًا خطيرًا للمصالح الوطنية الإيرانية".
وأضاف أن حقوق إيران في بحر قزوين "ليست قابلة للتفاوض، ولا يمكن التنازل عنها"، محذرًا من أن أي إجراء يقوض هذه الحقوق سيُسجل في الذاكرة التاريخية للشعب الإيراني، وأن المسؤولين عنه سيحاسبهم الشعب في نهاية المطاف.
وذهب سعيد قاسمي نجاد، أحد كبار مستشاري بهلوي، إلى أبعد من ذلك، إذ زعم أن حكومة الرئيس الإيراني الأسبق، حسن روحاني، كانت قد "تنازلت بالفعل عن حصة إيران من بحر قزوين"، وأن بزشكيان ورئيس البرلمان، محمدباقر قاليباف، يسعيان الآن إلى "إضفاء الشرعية على ذلك التنازل وجعله دائمًا".
ووصف الخطوة بأنها "أكبر تنازل عن أراضي إيران ومياهها لقوى أجنبية منذ الإهانات التي تعرضت لها البلاد في عهد القاجار".