وبناءً على المعلومات والوثائق، التي وصلت إلى "إيران إنترناشيونال"، فقد تحول مستشفى "غرضي" في أصفهان إلى أحد المراكز الرئيسية لنقل القتلى والجرحى خلال الفترة من 8 إلى 10 يناير الماضي.
ووفقًا للمعلومات الواردة، فقد تم حتى الآن توثيق هويات 24 شخصًا ممن لقوا حتفهم في مستشفى "غرضي".
وكانت "إيران إنترناشيونال" قد نشرت خلال الأشهر الماضية، في تقارير منفصلة، روايات حول مقتل أو وفاة كل من: إيرج كياني، ومحمدرضا صابري، وأحمدرضا محراب بيك، ومهدي معصومي، ومونا حسيني، وذلك بعد نقلهم إلى مستشفى "غرضي" أو في سياق الأحداث المرتبطة بهذا المستشفى.
وقد وثقت تلك التقارير حالات إطلاق نار مباشر، وحرمان من العلاج، واختطاف الجثامين أو التأخر في تسليمها، فضلًا عن ممارسة ضغوط أمنية على العائلات، ومطالبتها بمبالغ مالية طائلة مقابل تسليم جثث ذويها.
ماذا حدث في مستشفى "غرضي"؟
أفاد شهود عيان وعائلات الضحايا بأن قوات الأمن فرضت سيطرتها الكاملة على المستشفى، وجرى نقل العديد من الجثامين إلى خارجه دون علم ذويهم، كما حُذفت البيانات المتعلقة بهم من نظام الاستقبال في المستشفى. وفي حالات متعددة، تم تسليم الجثامين إلى العائلات متأخرة مقابل مبالغ مالية طائلة.
وتشير الروايات إلى أنه في مساء يوم 9 يناير الماضي، نُقل أكثر من 100 جريح إلى مستشفى "غرضي".
وصرح مصدر من داخل المستشفى لـ "إيران إنترناشيونال" بأن أسماء عدد من الجرحى والقتلى التي سُجلت جرى حذفها من نظام المستشفى بعد فترة وجيزة، لكي لا يبقى لها أي أثر.
وبحسب تقرير صادر عن أحد أعضاء الكادر الطبي، فقد تم تحديد أو رصد 140 جثمانًا مرتبطًا بمستشفى "غرضي"، في حين تحدثت مصادر أخرى عن أعداد أعلى بكثير.
نقل الجرحى إلى "المشرحة"
تقدم الروايات الواردة من داخل مستشفى "غرضي" ومحيطه صورة صادمة عن الوضع داخل مشرحة هذا المستشفى. إذ ذكرت عدة مصادر طبية وشهود عيان أن مشرحة المستشفى امتلأت بالكامل في ليلتي 8 و9 يناير الماضي خلال فترة وجيزة، وتراكمت الجثامين فوق بعضها البعض.
كما تُظهر التقارير الواردة أن عددًا من الجرحى نُقلوا إلى مشرحة مستشفى "غرضي" برفقة جثامين القتلى.
وقال أحد أعضاء الكادر الطبي في مستشفى "غرضي" لـ "إيران إنترناشيونال" إنه انتبه لوجود شخص على قيد الحياة إثر سماعه صوت أنين ينبعث من بين أكياس الجثث التي نُقلت إلى المشرحة، إلا أن قوات الأمن تدخلت ومنعته من الاقتراب منه.
كما أفادت مصادر مختلفة بنقل جثامين من مستشفى "غرضي" إلى مشارح تقع خارج المستشفى.
ووفقًا للروايات، ومع امتلاء مشرحة المستشفى، نُقلت جثامين عدد من القتلى عبر سيارات مبردة، من بينها شاحنات تبريد تحمل شعار شركة "ميهن"، إلى برادات سوق الخضار والفواكه المركزي في أصفهان.
وقال شاهد عيان أيضًا إنه رأى شاحنات صغيرة "وانيت" كانت الدماء تسيل منها وهي تتجه نحو برادات سوق الخضار والفواكه.
وتشير المعلومات، التي وصلت لـ "إيران إنترناشيونال"، إلى أن جثامين بعض القتلى أُخفيت عن عائلاتهم لعدة أيام، ثم سُلّمت لاحقًا تحت وطأة الضغوط الأمنية ودفع مبالغ مالية طائلة.
وبحسب العائلات، فقد طُلبت مبالغ تتراوح بين 500 مليون إلى مليار تومان في بعض الحالات لتسليم الجثمان.
ويأتي هذا في حين كانت هيئة الطب الشرعي قد أعلنت في 12 يناير الماضي أن فحص المصابين وتسليم جثامين قتلى الاحتجاجات مجاني. ومع ذلك، نُشرت تقارير تفيد بطلب مبالغ طائلة من العائلات، بما في ذلك ما يُعرف باسم "ثمن الرصاصة".
قوات الأمن تختطف جثمان أحد المتظاهرين
كان فريد سيفي أحد المتظاهرين الذين نُقلت جثامينهم إلى مستشفى "غرضي".
ففي 8 يناير الماضي، استُهدف بإطلاق نار مباشر من قِبل قوات القمع.
وقال شهود عيان إن أحد عناصر الأمن أطلق النار على قلبه من فوق سطح أحد المباني. ونقلت العائلة فريد إلى مستشفى "غرضي" في أصفهان وهو لا يزال يتنفس، لكنه فارق الحياة داخل المستشفى، وقامت قوات الأمن باختطاف جثمانه لاحقًا.
ووفقًا لمصادر مقربة من العائلة، سُلّم جثمانه بعد عدة أيام عقب دفع مبلغ مالي طائل، ودُفن في 15 يناير وسط إجراءات أمنية مشددة في "حاجي مير شمس خورزوق".
وكان قد مضى على زواج فريد عام وثمانية أشهر فقط، وكانت زوجته حاملًا بثلاثة توائم وقت مقتله.
وتشير المعلومات الواردة من شوارع أصفهان أيضًا إلى أن مستشفى "غرضي" كان الوجهة للعديد من الجرحى الذين أُصيبوا جراء إطلاق النار المباشر من قِبل قوات الأمن.
وقال أحد شهود العيان على احتجاجات 9 يناير في شارع "خاقاني" بأصفهان، إن آلاف الأشخاص كانوا موج٥ في الشارع، وإن قوات الأمن هاجمت المتظاهرين من اتجاه تقاطع "حكيم نظامي" والشوارع المحيطة.
ووفقًا لهذا الشاهد، استخدمت القوات في البداية الغاز المسيل للدموع، والليزر، وإطلاق النار من مسافات بعيدة، ثم بدأت بإطلاق النار المباشر مع اقترابها من الحشود.
وروى الشاهد أنه بعد بدء إطلاق النار الكثيف، سقط عدة أشخاص على الأرض، واضطر الناس إلى الفرار عبر الأزقة.
وأضاف أن أحد المتظاهرين أُصيب بثلاث رصاصات بالقرب من "زقاق الأندلس"، وحاول الناس الاتصال بالطوارئ، لكن خطوط الرقم (115) كانت مشغولة، مضيفًا: "في النهاية، أوقف عدة أشخاص سيارة من طراز (برايد)، وطلبوا من السائق نقل جثمان ذلك المتظاهر إلى المستشفى".
رواية أحد الجرحى عن فتح ملف قضائي بحقه في مستشفى "غرضي"
في رواية أخرى، قال فتى يبلغ من العمر 18 عامًا ويُدعى "مهدی"، إنه استُهدف برصاص حي في 8 يناير الماضي بمدينة أصفهان من مسافة تقارب 10 أمتار، حيث أصابت الرصاصة المنطقة الواقعة فوق ركبته.
وأضاف أن الأهالي نقلوه في البداية إلى منزل قريب من موقع الاحتجاج، وقاموا بتضميد مكان الجرح للسيطرة على النزيف، متابعًا: "بعد ارتفاع عدد الجرحى وضيق المكان، كان يتم علاج عدد من المتظاهرين في مرائب السيارات (الجراجات) التابعة للمنازل".
وفي نهاية المطاف، اضطر هذا الفتى إلى مراجعة مستشفى "غرضي" بسبب شدة النزيف، وهناك تم فتح ملف قضائي بحقه. وأشار إلى أن عناصر الأمن داهموا منزله عدة مرات بعد مراجعته للمستشفى.
وتُظهر التقارير الواردة أن الخوف من الاعتقال، أو التعذيب، أو التصفية داخل المستشفيات دفع العديد من الجرحى إلى الامتناع عن مراجعة المراكز الطبية، أو مغادرتها فورًا بعد مراجعتها وتلقي الإسعافات الأولوية. وقد خضع بعضهم للعلاج داخل المنازل والمرائب بمساعدة الأهالي أو الكوادر الطبية.
وأدت هذه الممارسات إلى عدم تسجيل الأعداد الحقيقية للجرحى والضحايا في الأنظمة الرسمية على الإطلاق، أو حجبها من سجلات البيانات بعد قيدها أوليًا.
وتواصل حملة تقصي الحقائق التي أطلقتها "إيران إنترناشيونال" عملها بهدف توثيق، وفحص، والتحقق من روايات الشهود، والعائلات، والكوادر الطبية، والمصادر المحلية حول القمع الدموي لاحتجاجات شهري ديسمبر (كانون الأول) ويناير الماضيين.
ويُعد مستشفى "غرضي" في أصفهان من النقاط المحورية في هذه التحقيقات بناءً على الحجم الهائل للتقارير الواردة؛ وهو المكان الذي تشير المصادر إلى أن الجرحى فيه لم يُحرموا من حق العلاج فحسب، بل تحولت جثامين القتلى هناك أيضًا إلى أداة للتهديد، والابتزاز، والتستر، ومحو آثار الجريمة.