وأوضح "بوليتيكو" في تحليله للمفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن، أن أي اتفاق محتمل بين الجانبين سيحتاج على الأرجح إلى مستوى من "الغموض الدبلوماسي" وإلى تفسيرات مختلفة لبنود الاتفاق، وهو نهج سبق استخدامه في العديد من الاتفاقات الدولية المهمة.
وأشار التحليل إلى تصريحات وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الذي أكد أمام الكونغرس أن واشنطن، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، لن ترفع العقوبات المفروضة على إيران، ولن تسمح لطهران بالوصول إلى أصولها المجمدة.
ومع ذلك، يرى "بوليتيكو" أن هناك فرقاً بين الأصول "المجمدة" والموارد المالية "المقيدة"، وهو ما قد يفتح باباً للتسوية.
ووفقاً للتقرير، فإن أحد الخيارات المطروحة يتمثل في السماح للنظام الإيراني بالاستفادة بصورة غير مباشرة من جزء من موارده المالية المقيدة، بما في ذلك مليارات الدولارات الموجودة في قطر، من دون رفع رسمي للعقوبات أو الإفراج المباشر عن الأصول المجمدة.
تجربة الاتفاق النووي ودروس الماضي
وفي سياق متصل، أشار "بوليتيكو" إلى المفاوضات النووية التي جرت في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، موضحاً أن الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بُني أيضاً على مجموعة من الصيغ القانونية والسياسية التي أتاحت للطرفين تقديم نفسيهما بوصفهما منتصرين في المفاوضات.
وذكّر التقرير بأنه خلال تنفيذ الاتفاق النووي، وبالتزامن مع الإفراج عن سجناء أميركيين في إيران وتسوية نزاع مالي قديم بين البلدين، كانت إدارة أوباما تؤكد أن هذه الملفات لا ترتبط بالاتفاق النووي، وهو ما رفضه منتقدو الإدارة من الجمهوريين.
وأضاف "بوليتيكو" أن تجربة الاتفاق النووي تظهر أن الاتفاقات الدبلوماسية المعقدة غالباً ما تقوم على تفسيرات متباينة، وغموض محسوب، وصيغ مرنة.
ترامب يسعى إلى اتفاق يختلف عن الاتفاق النووي
ويرى التحليل أن ترامب، الذي أمضى سنوات في مهاجمة الاتفاق النووي واصفاً إياه بـ"الكارثي"، قد يجد نفسه مضطراً لاستخدام أدوات مشابهة من أجل التوصل إلى اتفاق جديد.
ويعتقد "بوليتيكو" أن ترامب، إذا نجح في إبرام اتفاق، سيكون قادراً على تسويقه باعتباره إنجازاً شخصياً بعدة طرق، من بينها وقف إيران تخصيب اليورانيوم ولو لفترة محدودة، أو تمكينها من الوصول إلى مواردها المالية عبر آليات غير مباشرة.
كما أشار التقرير إلى أن ترامب قد يقدّم أي تعهد جديد من جانب النظام الإيراني بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي على أنه مكسب مهم، حتى وإن كانت طهران قد أعلنت هذا الموقف مراراً في السابق.
احتمال التواصل مع مجتبى خامنئي
وفي جزء آخر من التحليل، تناول "بوليتيكو" احتمال إجراء ترامب حواراً مباشراً مع المرشد الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، معتبراً أن مثل هذا التواصل قد يُنظر إليه من جانب الرئيس الأميركي بوصفه إنجازاً سياسياً مهماً.
وذكّر التقرير بأن المرشد الإيراني الراحل، علي خامنئي، لم يجرِ أي حوار مباشر مع أي رئيس أميركي، وهو ما قد يمنح ترامب فرصة لتقديم أي اتفاق محتمل على أنه مختلف عن التجارب السابقة.
مخاوف من تسريب تفاصيل المفاوضات
وفي المقابل، اعتبر "بوليتيكو" أن إحدى أبرز المشكلات التي تواجه إدارة ترامب تتمثل في عدم قدرتها على الحفاظ على سرية المفاوضات.
وأشار التقرير إلى أن عدداً من المسؤولين الأميركيين السابقين يرون أن التسريب المستمر للمعلومات وتفاصيل المفاوضات إلى وسائل الإعلام يمكن أن يضعف الثقة بين طهران وواشنطن ويجعل مسار المحادثات أكثر تعقيداً.
ونقل "بوليتيكو" عن إيلان غولدنبرغ، المسؤول السابق في إدارتي أوباما وبايدن، قوله: "إذا كنتم تريدون حقاً التوصل إلى اتفاق، فلا ينبغي تسريب تفاصيله إلى وسائل الإعلام في كل مرحلة".
الجانبان سيحاولان إعلان النصر
وفي خلاصة التقرير، أكد "بوليتيكو" أنه في حال التوصل إلى اتفاق، فإن كلاً من طهران وواشنطن ستسعيان إلى تقديمه للرأي العام بطريقة تخدم مصالحهما.
وشددت الصحيفة على أن القضية الأهم ليست الروايات العلنية، بل التفاهم غير المعلن بين الطرفين بشأن كيفية تنفيذ الالتزامات، والجدول الزمني للإجراءات، والتفسير الدقيق لبنود الاتفاق.
وختم التقرير بالقول إنه، كما حدث في العديد من الاتفاقات الدولية المهمة السابقة، فمن المرجح أن يرافق أي اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة قدر من الغموض المتعمد والتفسيرات المتباينة والروايات المتناقضة، إلا أن العامل الحاسم سيبقى وجود فهم مشترك بين الطرفين لكيفية تنفيذ الاتفاق.