وفي الأسابيع الأخيرة، أكد أصحاب محال خدمية وتجارية، تعتمد معيشتهم على المشتريات اليومية والاستهلاك العام للمواطنين، في رسائل وجهوها إلى "إيران إنترناشيونال"، أن الناس قلصوا حتى مشترياتهم اليومية والخدمية الأساسية، وأن العديد من الأسواق وصلت إلى مرحلة انعدام الزبائن.
وبحسب هذه الرسائل، فإن طيفًا واسعًا من الأعمال والمشاريع، بدءًا من المطاعم والمقاهي وصولاً إلى محال الملابس والوحدات السياحية ومتاجر البقالة، بات يعاني من الركود. ويقول العديد من أصحاب هذه المصالح إن الارتفاع الحاد في أسعار السلع وانخفاض القدرة الشرائية دفعا المواطنين- إلى جانب إلغاء الكثير من النفقات غير الضرورية- إلى تقليص مشترياتهم المعتادة واليومية أيضًا.
ووصف البعض الوضع الحالي بأنه أحد أصعب الفترات في السنوات الأخيرة، مؤكدين أن الخوف من غموض المستقبل جعل الناس أكثر حذرًا من ذي قبل، ليحتفظوا بأموالهم قدر الإمكان للحالات "الضرورية وغير المتوقعة".
المطاعم ومحلات الوجبات السريعة تتأثر بالأزمة الاقتصادية
يقول صاحب مقهى في "ساحة خراسان" بطهران: "وصل سعر كيلوغرام التبغ إلى 5 ملايين تومان، وكيلوغرام الفحم إلى 400 ألف تومان. نحن مجبرون على رفع أسعار الخدمات، لكننا بهذا الإجراء نخسر الزبائن أيضًا".
وأفاد مواطن آخر بإغلاق ورشته الإنتاجية قائلاً إنه تعرض للإفلاس واضطر لإغلاق ورشته بسبب غلاء المواد الخام، وظروف الحرب، وتراجع القدرة المالية للمواطنين. وأضاف: "لقد أصبح عدد من العمال عاطلين عن العمل، وبعت جميع المعدات بنصف سعرها لأنني لم أكن قادرًا على دفع الإيجار".
وفي سوق طهران (البازار)، وبحسب ما نقله مواطنون، فإن العديد من المطاعم باتت عمليًا بلا زبائن. وأشار أحد المتابعين في رسالة إلى "إيران إنترناشيونال"- كمثال على ذلك- إلى أن سعر الوجبة الواحدة من "قرمه سبزي" (مرق الأعشاب) وصل إلى 800 ألف تومان، مؤكدًا أن مبيعات معظم المطاعم ومحلات الوجبات السريعة قد انعدمت تمامًا.
وكان وزير التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي، أحمد ميدري، قد أعلن في وقت سابق تسجيل نحو 230 ألف عامل للحصول على تأمين البطالة، بعد أن فقدوا وظائفهم منذ بدء الحرب حتى الآن. كما توقع المدير السابق لصناديق التقاعد في البلاد، حجة الله ميرزايي، في 21 مايو (أيار) الجاري، أن ينضم نحو 4.5 مليون شخص آخرين إلى مجتمع تحت خط الفقر خلال العام الحالي.
وإلى جانب أصحاب الأعمال، قال مواطنون في رسائلهم اليومية لـ "إيران إنترناشيونال" إنه مع اشتداد التضخم وغموض الوضع بشأن موجات غلاء أكبر قادمة، أصبح الناس يشترون المواد الغذائية والبقالة ليوم أو يومين فقط، ولم تعد لديهم القدرة على الشراء الشهري المعتاد.
ووفقًا لهذه الرسائل، فإن سلة مشتريات يومية بسيطة تشمل: عبوة حليب، علبة تمر، سائل جلي، ثلاث عبوات زبدة (وزن 100 غرام)، عبوة لبن (زبادي) صغيرة، عبوة شوفان، معكرونة (رشته بلويي)، عبوتين من رقائق البطاطس (شيبس)، 500 غرام من القهوة، و250 غرامًا من الجوز من سوق الخضار والفاكهة، تكلف نحو 6 ملايين و400 ألف تومان.
وبحسب المتابعين، فإن الناس ينظرون إلى المتاجر بحسرة دون القدرة على الشراء. ومن بين كل 200 شخص، قد يتمكن شخص واحد فقط من شراء كمية قليلة من الدجاج تكفي لوجبة واحدة لعائلة مكونة من ثلاثة أفراد، ولم تعد لديهم القدرة على الشراء لشهر كامل.
وقال صاحب محل لبيع الدجاج المقلي (البروستد) في أصفهان: "وصل سعر كيلوغرام فيليه الدجاج إلى 950 ألف تومان. في ظل هذا الوضع، حتى لو اشتريت الدجاج وبعته، فمن سيتأتى له شراؤه؟".
وفي غضون وصول متوسط سعر الشطيرة (الساندويتش) إلى 500 ألف تومان والبيتزا إلى مليون و200 ألف تومان، اضطر العديد من أصحاب المطاعم ومحلات الوجبات السريعة إلى تسريح العمالة والتفكير جديًّا في إغلاق أعمالهم.
وكانت وكالة أنباء "إيلنا" قد أفادتـ في منتصف مايو الجاري، بأن التضخم السنوي للمواد الغذائية، بناءً على البيانات الرسمية، يتراوح بين 117 و165 في المائة. ووصف الناشط العمالي، فرامرز توفيقي، في حديثه للوكالة حينها هذا الرقم بـ "العجيب"، مستدركًا بأن البيانات الميدانية تظهر أن التضخم الحقيقي للمواد الغذائية خلال عام واحد تجاوز 200 في المائة.
كساد سوق الملابس
أفاد العديد من أصحاب محلات الملابس بأن الأسواق خلال الأشهر الأربعة الماضية كانت فارغة أكثر من أي وقت مضى. وقال صاحب مشغل لإنتاج الأحذية من مدينة تبريز إن السوق شبه معطلة منذ احتجاجات شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، وأن الإنتاج والمبيعات قد توقفا تمامًا.
كما قال صاحب محل تجاري في منطقة "طهران بارس" لـ "إيران إنترناشيونال" إن الناس يعجزون عن تأمين تكاليف المعيشة الأساسية، والأسواق تعاني الكساد المستمر منذ "حرب الـ 12 يومًا" في يونيو (حزيران) الماضي وحتى الآن، مضيفًا أنه يعيش حاليًا على مدخراته السابقة.
وقد نُشرت سابقًا تقارير متعددة حول ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وقفزات أسعار السلع الأساسية. وبحسب تقارير المواطنين، فقد ارتفعت تكاليف المعيشة المعتادة في الأشهر الأخيرة بشكل ملحوظ، حتى أصبحت المشتريات اليومية البسيطة تشكّل تحديًا جديًّا للكثيرين، وهو ضغط ينعكس مباشرة على الأعمال المستقلة والمهن الحرة.
وذكر أحد المواطنين أن إجمالي مبيعات محله منذ بداية الأسبوع لم يصل إلى مليون تومان، وفي حين أنه يواجه شيكات مالية ثقيلة وأقساطًا وديونًا، فقد أبلغ زوجته منذ الآن بأنه "لا يوجد راتب هذا الشهر". وقال بائع ملابس داخلية في سوق طهران الكبير (البازار): "أفلس العديد من جيراني وأخلوا محلاتهم. واليوم، في تمام الساعة الثانية ظهرًا، حققت أول عملية بيع لي".
سقوط قطاعات الأعمال تواليًا: من الورش الصغيرة إلى السياحة والفنادق
لا يقتصر ركود الأعمال في إيران على قطاعي الأغذية والملابس؛ إذ تشير الرسائل الواردة أيضًا إلى موجة واسعة من البطالة والإفلاس في قطاعات الأعمال الصناعية والخدمية المرتبطة بصناعات مختلفة.
وأكد متابعو "إيران إنترناشيونال" أن نحو 70 في المائة من الوحدات السكنية والفندقية في المدن السياحية مثل مشهد باتت خالية من المسافرين، وأن معظم الفنادق شرعت في تسريح موظفيها. وقال أحد العاملين في هذا القطاع: "صناعة السياحة والفندقة في جزيرة كيش قد انهارت. لم نتقاضَ رواتبنا منذ أربعة أشهر. لا توجد زبائن والجميع يحاول فقط البقاء على قيد الحياة ليرى ما ستؤول إليه الأمور". وأضاف مواطن آخر أن وكالات السفر والسياحة تغلق أبوابها الواحدة تلو الأخرى.
وأوضح العديد من النشطاء في هذه المجالات ممن جرى تسريحهم أو فصلهم أنهم لجأوا- على غرار العاملين في القطاعات الأخرى المتضررة- إلى مهن بديلة مثل العمل كالسائقين في تطبيقات النقل الذكي (مثل سناب) أو الأعمال المؤقتة وغير المستقرة.
وقال عامل كان يعمل في مصنع لإنتاج أواني المطبخ إن صاحب المصنع "طرد الجميع تقريبًا" وفضّل الاحتفاظ بالمواد الخام بدلاً من الإنتاج ودفع الرواتب، مضيفًا: "أصبح نحو 400 شخص عاطلين عن العمل. لقد جعل النظام الإيراني من الإنتاج خسارة".
وبالتزامن مع هذه الأزمة الاقتصادية، اتهم الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في 20 مايو الجاري، المواطنين بـ "الإسراف والارتفاع غير المبرر في التوقعات"، داعيًا إياهم إلى "التقشف وضبط الاستهلاك". كما صرح قبلها بيوم، دون تقديم حلول: "سيكون لدينا غلاء بالتأكيد"، مؤكدًا للمواطنين ضرورة "تحمل مشاق الحرب".
وعلى مدى السنوات الماضية، دأب العديد من مسؤولي النظام الإيراني- في مواجهة أي أزمة بما في ذلك البطالة والغلاء والتضخم- على تشجيع المواطنين على "الادخار"، "المقاومة"، وحذف بعض المواد الغذائية والترفيهية اليومية من حياتهم.
وقال رجل يبلغ من العمر 37 عامًا يعيش في بوشهر وكان يدير محلاً تجاريًا لسنوات، إنه على وشك الإغلاق الكامل لأنه لم يعد قادرًا على شراء البضائع أو دفع إيجار المحل. وفي كرمانشاه، أفاد أحد مستوردي أجهزة السجائر الإلكترونية (الفيب والباد) بتوقف الاستيراد وقفر تكاليف الشحن؛ مشيرًا إلى أنه بعد إغلاق الموانئ، لم تصلهم أي منتجات، وارتفعت تكلفة شحن البضائع من 15 ألفًا إلى 215 ألف تومان.
وأكد بعض المواطنين أن ما يقلقهم أكثر من الغلاء نفسه هو "تحول الأزمة إلى أمر عادي" لدى الناس. حيث كتب مواطن من شيراز في رسالته لـ "إيران إنترناشيونال": "لم يعد أحد يتعجب من الغلاء، وربما هذا هو الجزء الأكثر رعبًا في القصة؛ أن يعتاد الناس على الألم، وعلى حذف اللحوم، وحذف السفر، وحذف الأحلام، وحذف الحياة، للبدء تدريجيًا في التخطيط لمجرد البقاء على قيد الحياة".