ومن المرجح أن تكون القيادة الجديدة في طهران، التي يهيمن عليها الحرس الثوري الإيراني، أقل خضوعًا للقيود الدينية والأيديولوجية، وأكثر تحركًا بدوافع أمنية وانتقامية.
ويأتي هذا التقييم في وقت شهد سلسلة من الهجمات ضد أهداف يهودية وإسرائيلية في مناطق مختلفة من العالم، منذ بدء الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، في 28 فبراير (شباط) الماضي.
في أوروبا، أعلنت مجموعة مرتبطة بإيران تُدعى "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" مسؤوليتها عن عدة هجمات، من بينها استهداف سيارات إسعاف تابعة لمتطوعين يهود في لندن، وهجوم فاشل على مكاتب "بنك أوف أميركا" في باريس، وكنيس في بلجيكا، وكنيس ومدرسة يهودية في هولندا.
وفي جمهورية أذربيجان، أعلنت السلطات أنها أحبطت خطة منسوبة إلى إيران لاستهداف سفارة إسرائيل في باكو ومراكز الجالية اليهودية.
تصاعد تهديد الهجمات الفردية
قال الباحث البارز في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، داني سيتريونوفيتش، لقناة "إيران إنترناشيونال"، إن "النظام الإيراني بعد علي خامنئي قد تتحول نحو سلوك عملياتي أكثر هجومية، مع زيادة تهديد الخلايا النائمة والهجمات الفردية".
وأضاف أن "الهجمات الفردية تمثل تهديدًا أكبر"، موضحًا أن هذا النوع من الهجمات يحدث عندما يقوم فرد بالتصرف بعنف دون أوامر مباشرة.
وقال سيتريونوفيتش: "يكفي فقط خلق البيئة المناسبة؛ وهذا وحده قد يدفع شخصًا لاتخاذ قرار بالتحرك".
ووصف هيكل النظام الإيراني الجديد في هذا العام بأنه "الثورة الثالثة"، أي المرحلة الثالثة من تطور هذا النظام منذ عام 1979، حيث أصبح هيكل عسكري يسيطر فعليًا على عقيدة ولاية الفقيه، ويهيمن فيه الحرس الثوري الإيراني على القرارات الأساسية.
وبحسب قوله، أظهر هذا النظام، عبر استخدام قوات خارجية لقمع احتجاجات يناير (كانون الثاني) 2026، أنه يتمتع بدعم ملحوظ خارج حدوده.
وأضاف: "هذا النظام سيحاول تقديم نفسه على أنه استمرار لحكم علي خامنئي".
لكنه أكد أن هذا النظام يظل مقيّدًا، لأنه ورث بنية فقدت جاذبيتها الثورية التي تجاوزتها شعبيتها الداخلية منذ زمن.
دور القوات بالوكالة والشبكات الإقليمية
تشير تقارير إلى دخول نحو 800 عنصر من الميليشيات العراقية، بينهم أعضاء من كتائب حزب الله وحركة النجباء، إلى إيران قبل أيام من قمع احتجاجات يناير الماضي، التي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من المتظاهرين.
كما وردت تقارير عن وجود قوات شيعية من تركيا وأفغانستان وباكستان داخل إيران.
وتُعد القوات الباكستانية، المعروفة بـ "لواء زينبيون"، فرعًا من الشبكة الأيديولوجية لطهران، التي يتم تجنيدها من الشيعة في جنوب آسيا. لكن محللين يؤكدون أن هذا جزء فقط من الصورة الكاملة.
وفي هذا السياق، وصف سايمون ولفغانغ فوكس، الأستاذ المشارك في الجامعة العبرية في القدس، رجل الدين المقيم في لاهور بباكستان، جواد نقوي، بأنه يدير شبكة واسعة ومعقدة من المدارس الدينية الشيعية.
وقال إن هذه المراكز تنتج رجال دين متدربين في قم، ومحتوى إعلاميًا عالي الجودة، ونموذجًا سياسيًا محددًا.
وأضاف فوكس: "نقوي يعتقد أنه يجب تطبيق النموذج الإيراني في باكستان".
وأشار إلى أن هذا النموذج مستوحى من حزب الله، وهو فصيل شيعي في لبنان أصبح لاعبًا مهيمنًا في السياسة هناك بعد تبنيه ولاية الفقيه.
وقال فوكس إن "فكرة السيطرة على الدولة موجودة"، لكنه أكد أن المقارنة محدودة لأن المجتمع الشيعي في باكستان ليس لديه تاريخ من القتال المسلح.
النفوذ خارج الحدود: من كشمير إلى الهند
قال الباحث كليف سميث من جمعية الشرق الأوسط، الذي زار كشمير الخاضعة للسيطرة الهندية، إن محاولات إيران لترسيخ نفسها كقائد للشيعة "حققت نجاحًا جزئيًا".
وأضاف: "فكرة إيران خارج حدودها أقوى من داخلها".
وتضم الهند ما بين 20 و40 مليون شيعي، وهي ثاني أكبر تجمع شيعي بعد إيران، لكنها لم تحظَ باهتمام كافٍ.
وقال سميث إن الحكومة الهندية سمحت فعليًا بنفوذ طهران بين الشيعة، باعتباره توازنًا ضد ما تسميه "التطرف السُّني القادم من باكستان ومفيدًا لها".
ولكن الاحتجاجات بعد مقتل خامنئي دفعت إلى إعادة النظر في هذا النهج.
وقال إن خبيرًا هنديًا أخبره: "بعد رؤية الاحتجاجات، أدركنا أنه كان ينبغي الانتباه لهذا الأمر في وقت مبكر".
وقال أبيناف بانديا من مؤسسة أوسناس في الهند: "هذا الإهمال أوسع، ونفوذ إيران لا يقتصر على الشيعة".
وأضاف أن الهند تضم نحو 200 مليون مسلم (ثالث أكبر عدد في العالم)، وأن التركيز المفرط على ما سماه "التهديد السُّني" أدى إلى تجاهل النفوذ الإيراني بين الشيعة.
وأضاف: "لم يكن للشيعة دور رئيسي في النشاطات الإرهابية، لكن هذا التصور قد يكون مشكلة".
خطر تصاعد الصراع وتوسيع النشاط الخارجي
حذّر سيتريونوفيتش من أن تداعيات مقتل خامنئي قد تجعل الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أكثر صعوبة في الاحتواء.
وقال: "قد يؤدي ذلك إلى نوع من الحرب الدينية يجب منع توسعها".
كما حذّر من زيادة النشاط الخارجي الإيراني قائلاً: "نظرًا لهذه القدرات ووجود مجتمعات متعاطفة في العالم، خصوصًا في دول مثل الهند، فإن احتمال زيادة هذه الأنشطة مرتفع جدًا".