وكتبت وول ستريت جورنال، في تقرير نُشر يوم الأحد 1 فبراير، أن الاحتجاجات الواسعة في إيران خلال شتاء هذا العام تحولت، بعد الانخراط الواسع للمراهقين والشباب، إلى تحدٍّ غير مسبوق لوجود نظام الجمهورية الإسلامية.
واستند التقرير إلى مقابلات مع عائلات الضحايا ونشطاء في مجال حقوق الإنسان، كاشفًا عن حجم قمع دموي لم تتضح كل أبعاده حتى الآن.
مراهق لم يعد إلى منزله أبدًا
قال برويز أفشاري، والد سام أفشاري، لصحيفة وول ستريت جورنال إنه تلقى آخر رسالة من ابنه في 7 يناير، جاء فيها: «غدًا سأذهب إلى الاحتجاجات، لكن لا تخبروا أمي».
وبعد أربعة أيام، عثرت العائلة على جثمانه في إحدى ثلاجات الموتى بمدينة كرج. وكان سام قد بلغ لتوّه السابعة عشرة من عمره، وكان من بين المراهقين الذين قُتلوا على يد قوات القمع التابعة للنظام خلال الاحتجاجات.
وبحسب والده، اعتقدت العائلة في البداية أن سام قد اعتُقل، إلا أن السلطات المحلية أكدت أن اسمه غير موجود ضمن قوائم المعتقلين. وبعد البحث في المستشفيات، أبلغهم أحد الأطباء أن سام أُدخل في حالة حرجة إثر إصابته برصاصة من الخلف، قبل أن تقوم قوات أمنية بنقله مع عدد من الجرحى الآخرين إلى جهة مجهولة.
وتوجهت العائلة لاحقًا إلى ثلاجات الموتى، حيث عثرت بعد أربعة أيام على جثمان سام داخل كيس خاص، وقد بدت عليه آثار إصابة إضافية. وأكدت العائلة أن ابنها قُتل بعد إصابته الأولى.
وكانت وثائق سابقة قد وصلت إلى «إيران إنترناشيونال» تشير إلى استهداف مصابين خلال الاحتجاجات بإطلاق نار إضافي.
ووفق تقارير من كرج والأهواز وزنجان، قامت القوات الأمنية بمحاصرة المستشفيات ومراكز العلاج بعد إطلاق النار على المتظاهرين، ومنعت نقل المصابين، كما اقتادت بعض الجرحى من داخل المستشفيات وأطلقت النار عليهم مجددًا.
وقال شهود عيان من كرج إن عناصر أمنية أطلقوا النار مباشرة على مصابين خلال احتجاجات 7 يناير، ومنعوا تقديم الإسعافات لهم. كما أفادت رسائل من الأهواز بأن عناصر أمنية أبلغوا المتظاهرين بأن لديهم «أوامر بإطلاق النار».
وأفاد مركز توثيق حقوق الإنسان في إيران بأن أحد المتظاهرين المصابين اختبأ لمدة ثلاثة أيام داخل كيس مخصص لنقل الجثث خوفًا من استهدافه، إلى أن عثرت عليه عائلته لاحقًا في كهريزك.
كما قال مدير أحد مستشفيات زنجان إن ما لا يقل عن 14 جثمانًا نُقلت إلى المستشفى، وقد ظهرت عليها آثار إصابات في الرأس.
مستقبل أوقفته الرصاصات
قال أفشاري للصحيفة: «كان ابني قادرًا على بناء مستقبل هذا البلد. هذا النظام يقتل أطفالًا لا يطالبون إلا بالحرية».
وأضاف أن سام كان يحب السباحة، ويتعلم اللغتين الإنجليزية والألمانية في كرج، وكان يخطط للسفر إلى ألمانيا لدراسة تكنولوجيا المعلومات. وأشار إلى أن سام كان ابنه الوحيد.
جيل خرج إلى الشارع
وبحسب بيانات الأمم المتحدة، فإن نحو 42% من سكان إيران تقل أعمارهم عن 30 عامًا. ويُعد هذا الجيل الأول الذي نشأ مع انتشار واسع للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ما عزز ارتباطه بالعالم الخارجي.
وترى وول ستريت جورنال أن هذه الخصائص جعلت جيل «زد» في إيران غير مستعد لقبول القيود الاجتماعية والانسداد الاقتصادي.
وأوضحت الصحيفة أن الاحتجاجات بدأت بمشاركة تجار احتجاجًا على الانهيار الحاد في قيمة العملة الوطنية، وحاولت السلطات احتواءها عبر وعود بإصلاحات اقتصادية، لكن مع دخول جيل «زد» بقوة، تجاوزت المطالب البعد الاقتصادي وتحولت إلى حركة مناهضة للنظام، واجهها الحكم بقمع واسع وسريع.
قطع الإنترنت والتعتيم على حجم الانتهاكات
ذكرت وول ستريت جورنال أنه في ليلة اختفاء سام، قُطع الإنترنت في معظم مناطق إيران، واستمرت القيود المشددة على الاتصالات لأسابيع، ما صعّب نقل المعلومات إلى الخارج، ولم يتمكن كثيرون من إيصال شهاداتهم إلا عبر وسائل بديلة.
وكان مجلس تحرير «إيران إنترناشيونال» قد أعلن سابقًا أن ما وصفه بـ«أكبر مجزرة في تاريخ إيران المعاصر»، والتي قُتل خلالها آلاف المواطنين خلال يومي 7 و8 يناير، نُفذت بأمر مباشر من علي خامنئي.
في المقابل، أعلنت السلطات الإيرانية أرقامًا أقل بكثير، وعزت هذه الوفيات إلى «أعمال إرهابية» دون تقديم أدلة.
وبحسب منظمة «نشطاء حقوق الإنسان في إيران»، كان ما لا يقل عن 124 من الضحايا دون سن 18 عامًا، بينما تشير تقديرات أخرى نقلتها وول ستريت جورنال إلى أن نحو نصف القتلى كانوا من جيل «زد».
روايات مراهقين آخرين
روت عائلات ثلاثة مراهقين آخرين قصصًا مشابهة، من بينهم فتى يبلغ 16 عامًا من كرمانشاه قال لأسرته إنه ذاهب إلى المكتبة، ولم يعد أبدًا. كما عُثر على جثمان رَبين مرادي، لاعب كرة قدم يبلغ 17 عامًا، بعد أربعة أيام من اختفائه. وشارك مراهق آخر يُدعى أمير علي حيدري في الاحتجاجات قبل أيام من بلوغه 18 عامًا.
وقالت هولي داغرز، الباحثة في معهد واشنطن، للصحيفة: «الشباب الإيرانيون يعرفون أنهم قد يواجهون الرصاص، لكنهم يؤمنون بأن مستقبلهم يستحق المخاطرة. إنهم يريدون أن يكونوا جزءًا من العالم، وأن يعيشوا بكرامة».
وأكدت وول ستريت جورنال أن الصورة الكاملة لهذا القمع الدموي لم تتضح بعد، وأن الروايات لا تزال تتسرب تدريجيًا من داخل إيران، لكنها ترسم حتى الآن مشهدًا لجيل خرج مطالبًا بمستقبل مختلف، وواجه قمعًا غير مسبوق.