ويجادل محلل الصحيفة، تسفي برئيل، في مقال نُشر الجمعة 23 أكتوبر (تشرين الأول)، بأن دول المنطقة لا ترغب في الانضمام إلى حرب جديدة، في ظل تراجع مخزوناتها من الصواريخ الاعتراضية، ومخاوفها من تعرض بنيتها التحتية للضربات. ويرى أن هذا الوضع قد يعزز فرص الحوار مع النظام الإيراني.
ويأتي هذا التحليل قبيل اجتماع وزراء خارجية تركيا ومصر وباكستان والسعودية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا في إسطنبول، بدعوة من وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان.
اجتماع إسطنبول يسعى إلى إيجاد مخرج دبلوماسي
بحسب "هآرتس"، تشمل الموضوعات المطروحة في الاجتماع مضيق هرمز وإيران والحوثيين وغزة والحرب في أوكرانيا، لكن الهدف الأوسع يتمثل في بلورة شكل من أشكال التنسيق الدبلوماسي غير الرسمي بين دول المنطقة والقوى الأوروبية.
ويكتب برئيل أن هذه الدول تسعى إلى تحديد نقاط خلافها مع السياسات الأميركية والإسرائيلية، وطرح حلول مقبولة لدى واشنطن وطهران، رغم عدم تقديم خطة تنفيذية مفصلة حتى الآن.
ونقلت الصحيفة عن مصدر دبلوماسي تركي قوله إن الحرب مع إيران تُعد في الظروف الراهنة "مشروعًا شخصيًا لنتنياهو وترامب"، تحركه دوافع سياسية. وحذّر المصدر من أن مثل هذه الحرب قد تتحول إلى مواجهة إقليمية يصعب احتواؤها.
تراجع الثقة في الدعم الأميركي يغيّر الحسابات الأمنية للمنطقة
يتمثل المحور الأساسي لتحليل "هآرتس" في تراجع ثقة دول المنطقة بدور الولايات المتحدة بوصفها ضامنًا لأمنها.
ويجادل برئيل بأن القواعد الأميركية لم تتمكن، خلافًا لتوقعات الدول المضيفة، من توفير الحماية لها من هجمات النظام الإيراني، وأن وجودها تحول إلى مبرر تستخدمه طهران لمهاجمة الدول المجاورة.
كما يشير إلى تصريحات السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص للرئيس ترامب إلى سوريا والعراق، توم باراك، خلال منتدى الدوحة للأمن العالمي، حين قال إن على حكومات الشرق الأوسط تحمّل مسؤولية أكبر عن أمنها، مع تأكيده أن الولايات المتحدة لن تغادر المنطقة.
وبحسب برئيل، يتمثل القلق الأساسي لدول الخليج في احتمال تعرضها مجددًا للهجمات خلال حرب جديدة، في وقت تتراجع فيه مخزوناتها من الصواريخ الاعتراضية، بينما لا تزال قدرات النظام الإيراني على استهداف البنية التحتية الاقتصادية والمدنية قائمة.
لماذا لا تؤدي هجمات النظام الإيراني بالضرورة إلى تشكيل تحالف عسكري ضد طهران؟
وفقًا لـ "هآرتس"، تعتقد بعض الأوساط في واشنطن وإسرائيل أن توسيع نطاق الهجمات الإيرانية سيدفع الدول الخليجية إلى دخول الحرب إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل.
لكن برئيل يشكك في هذا الافتراض، مشيرًا إلى أن تجربة الحرب أظهرت أن دول المنطقة لا تتسرع في اتخاذ خطوات عسكرية مشتركة، حتى بعد تعرضها للهجمات.
ويلفت إلى الاتفاق الدفاعي بين السعودية وباكستان، والتعاون الثلاثي بين السعودية وباكستان وتركيا، لكنه يؤكد أن هذه التفاهمات لم تتحول بعد إلى هيكل عسكري يمتلك قيادة موحدة واستعدادًا لتنفيذ عمليات مشتركة.
ويرى أن صعوبة إقناع السعودية دولًا أخرى بالمشاركة عسكريًا في الحرب ضد الحوثيين تعكس هذه القيود أيضًا. فباكستان وتركيا لم توافقا على إرسال قوات إلى اليمن، فيما أعلنت مصر أنها لن تشارك في القتال هناك.
مقترح قطري: الحوار مع النظام الإيراني للتوصل إلى اتفاق عدم اعتداء
في مقابل الخيار العسكري، اقترحت قطر أن تجري الدول الخليجية، بالتعاون مع تركيا وباكستان، حوارًا استراتيجيًا مع النظام الإيراني بهدف التوصل إلى اتفاق عدم اعتداء.
وبحسب "هآرتس"، طرح الشيخ وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري، سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، هذا المقترح خلال منتدى الدوحة للأمن العالمي. ويهدف المقترح إلى إنشاء آلية إقليمية تقوم على بناء الثقة ومعالجة المخاوف الأمنية المتبادلة.
ويشير التحليل أيضًا إلى محاولة دبلوماسية سابقة، إذ كان من المقرر أن يجتمع وزير الخارجية العراقي ونظراؤه من خمس دول أعضاء في مجلس التعاون الخليجي مع عباس عراقجي في سلطنة عُمان خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، لبحث الترتيبات البحرية في مضيق هرمز، لكن الاجتماع أُلغي بسبب هجمات الحوثيين على السعودية ومعارضة البحرين.
كما أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، في معرض حديثه عن المسألة، إلى البعد الجغرافي للولايات المتحدة عن مضيق هرمز، وعدم امتلاك إسرائيل مصالح مباشرة في المياه الخليجية، مؤكدًا اختلاف مصالحهما عن مصالح دول المنطقة.
إيران قد تتحول إلى شريك ضروري في الترتيبات الأمنية
يخلص برئيل إلى أن الحرب الرامية إلى إخضاع النظام الإيراني قد تؤدي إلى نتيجة عكسية؛ فبدلًا من تشكيل جبهة إقليمية ضد طهران، قد ينشأ تحالف هدفه منع اندلاع الحرب، ويرى أن مشاركة النظام الإيراني ضرورية لضمان أمن الخليج.
ويرى أن هذا التوجه لا يعني ثقة الدول العربية بالنظام الإيراني أو التغاضي عن هجماته، بل يعكس مخاوفها من أن تجد نفسها وحيدة في مرمى النيران، بينما تتخذ الولايات المتحدة وإسرائيل القرارات المتعلقة بأهداف الحرب.
وتعتبر "هآرتس" أن اجتماع إسطنبول سيكون اختبارًا لمدى إمكانية تحويل المخاوف المشتركة لدول المنطقة وأوروبا إلى مبادرة منسقة لإنهاء الحرب وإشراك إيران في ترتيبات الأمن الإقليمي.