وقد استدعت إيران الثلاثاء 6 أكتوبر الجاري، السفير الفرنسي لدى طهران بيير كوشار، احتجاجاً على قمع التظاهرات الطلابية في فرنسا. وفي اليوم التالي، استدعت باريس بدورها السفير الإيراني، واتهمت المسؤولين الإيرانيين بنشر معلومات مضللة عبر الحسابات الرسمية لوزارة الخارجية.
وتكشف هذه المواجهة الدبلوماسية كيف توظف إيران خطاب حقوق الإنسان، في حين تحرم مواطنيها من الحقوق نفسها داخل البلاد. كما يعكس هذا السجال خلافاً حول معنى الاحتجاج، ومن يحق له الادعاء بأنه يدافع عن حق التظاهر.
تحاول طهران وضع نفسها في موقع المدّعي وصاحب الاتهام، وتحويل الأنظار عن ممارسات أجهزتها الأمنية نحو دولة أدانت قمع الاحتجاجات داخل إيران.
وعلى الصعيد الدولي، تسعى طهران إلى تقويض مصداقية الانتقادات الأوروبية. أما داخلياً، فإن هذا النزاع الدبلوماسي يطمئن أنصار النظام إلى أن الحكومات الغربية تواجه هي الأخرى معارضة واستياءً من مواطنيها.
ولا يتطلب أي من هذين الهدفين تضامناً حقيقياً مع الطلاب المحتجين؛ إذ يكفي لتحقيقهما إعادة تأطير صور الطلاب ومطالبهم وتوظيفها في الدفاع عن النظام الإيراني.
من حركة "السترات الصفراء" في فرنسا إلى الاحتجاجات الطلابية
خلال حركة "السترات الصفراء" في فرنسا، أدان المرشد الإيراني الراحل الذي قُتل، علي خامنئي، عنف الشرطة الفرنسية، فيما نظم عدد محدود من مؤيدي النظام الإيراني تجمعاً أمام السفارة الفرنسية في طهران.
وارتدى بعض المشاركين سترات صفراء، ووضعوا شموعاً وصوراً لمحتجين فرنسيين مصابين أمام السفارة.
وأدانت اللافتات عنف الشرطة، لكنها حملت في الوقت نفسه رسالة أيديولوجية واضحة: "ليت للشعب الفرنسي إماماً خمينيّاً!".
وأشار بيان قُرئ خلال التجمع إلى استضافة فرنسا مؤسس النظام الإيراني، روح الله الخميني، في بلدة نوفل لوشاتو قبل نحو 40 عاماً، ووصف حكومة إيمانويل ماكرون بأنها حكومة ظالمة ومستبدة.
وفي الوقت نفسه، كانت السلطات الإيرانية تقمع احتجاجات المتقاعدين والعمال والمعلمين والطلاب داخل إيران.
وكما هي الحال اليوم، أتاح هذا التكتيك لطهران اتهام منتقديها بالنفاق، رداً على الانتقادات الموجهة إلى قمعها الداخلي.
وفي مثل هذه الظروف، تتحول حقوق الإنسان من مجموعة من الالتزامات التي تقع على عاتق الحكومات تجاه مواطنيها إلى ساحة للتنافس وتحقيق المكاسب الدبلوماسية.
تقارير الأمم المتحدة عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في إيران
لا بد، بطبيعة الحال، من تقييم ممارسات فرنسا بصورة مستقلة، استناداً إلى الوقائع المتاحة.
فإصابة المحتجين، ولا سيما القاصرين، تستوجب إجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين.
لكن الأدلة المتعلقة بإيران واسعة النطاق وذات أهمية كبيرة أيضاً.
ففي مارس (آذار) 2024، خلصت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى أن انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال قمع احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية" شملت جرائم ضد الإنسانية.
وشملت نتائج البعثة حالات قتل واحتجاز وتعذيب واغتصاب وأشكالاً أخرى من العنف الجنسي والاضطهاد والاختفاء القسري.
كما وثّقت البعثة دور المؤسسات الحكومية والقوات الأمنية في هذه الانتهاكات، وهي نتائج تشكك في محاولات تصوير تلك الممارسات على أنها مجرد تجاوزات متفرقة واستثنائية.
وفي 17 سبتمبر (أيلول) 2026، أفادت البعثة نفسها بأن مسؤولين إيرانيين ارتكبوا أيضاً جرائم ضد الإنسانية خلال قمع احتجاجات ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026.
"الجيل زد" وفشل مشروع التنشئة الأيديولوجية
أدى جيل زد دوراً حاسماً في احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية"، التي اندلعت عقب وفاة الشابة الإيرانية، مهسا جينا أميني، في سبتمبر 2022.
فالفتيات اللواتي خلعن حجابهن، والمراهقون الذين تحدوا سلطة رجال الدين، والشابات اللواتي طالبن بالتحكم في أجسادهن، كشفوا حدود عقود من التعليم الأيديولوجي.
وكان النظام قد سعى إلى إعادة إنتاج الولاء له لدى الأجيال الجديدة، لكن كثيراً من الشباب شددوا، بدلاً من ذلك، على حقهم في اختيار أسلوب حياتهم.
وعاد الشباب الإيرانيون إلى الشوارع خلال الاحتجاجات التي بدأت أواخر عام 2025، ليقف جيل آخر، قضى حياته كلها في ظل حكم النظام الإيراني الإسلامية، في مواجهة هذا النظام.
ويشكك رفض هذا الجيل للأعراف المفروضة في الافتراض القائل إن السيطرة السياسية تؤدي بالضرورة إلى تبنّي الأيديولوجية الحاكمة.
استخدام الأطفال في الهياكل الأمنية
جاء رد المسؤولين في إيران مزيجاً من القمع ومواصلة تجنيد أفراد في هياكل موالية للنظام.
وتوفر قوات "الباسيج"، الخاضعة لقيادة الحرس الثوري، شبكة لفرض الانضباط الأيديولوجي والتعبئة الأمنية.
وأفادت منظمتا "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية" بأنه يجري قبول أطفال ابتداءً من سن 12 عاماً ضمن حملة تجنيد ينفذها الحرس الثوري.
كما وثّقت منظمة العفو الدولية وجود أطفال مسلحين في نقاط التفتيش والدوريات.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد شعارات وطنية؛ فهذه الممارسات تعرض الأطفال للخطر بصورة مباشرة.
وفي الوقت الذي يدّعي فيه النظام الدفاع عن الشباب في الخارج، فإنه يزج بالأطفال داخل هياكله العسكرية في الداخل.
الابتعاد عن الأيديولوجية الرسمية.. مقاومة في تفاصيل الحياة اليومية
مع ذلك، لا يمكن تقسيم الشباب الإيرانيين ببساطة إلى فئتين: من يعملون لمصلحة النظام، ومن يقاومونه.
فكثير من الشباب لا يريدون سوى بناء حياتهم بعيداً عن إيران الرسمية التي يفرضها الحكم.
ولا تقتصر مقاومتهم على المشاركة في الاحتجاجات، بل تظهر أيضاً في اختيار الملابس، والحب، والرقص، والاستماع إلى الموسيقى، وبناء الصداقات، والحفاظ على جوانب من حياتهم الشخصية بعيداً عن رقابة المسؤولين.
وقد أفرز هذا الوضع ظاهرة يمكن وصفها بأنها "الانفصال العلماني"، أي محاولة حماية الحياة الخاصة من الهيمنة الأيديولوجية للنظام.
ففي الأوساط الاجتماعية والثقافية والعاطفية، وفي أماكن الاحتفال والمرح، يتشكل مجتمع آخر؛ مجتمع هش، مع تفاوت فرص الوصول إليه تبعاً للإمكانات الاقتصادية والخلفيات الاجتماعية للأفراد.
ويمكن أن تتحول السعادة نفسها إلى وسيلة للتعبير عن الاستقلال والحرية الفردية.
ففي ظل نظام يمجّد الشهادة ويشجع المواطنين على التجسس بعضهم على بعض، تكتسب حتى الأفعال البسيطة، مثل الاستمتاع بالحياة والسعي إلى السعادة، دلالات سياسية.
وتدّعي طهران أنها تتحدث باسم طلاب المدارس الثانوية في فرنسا، لكنها أحرى بها أن تصغي أولاً إلى أصوات الشباب الإيرانيين الذين يتطلعون إلى بناء حياتهم بالطريقة التي يختارونها.