تُظهر الصور المنشورة مراهقا يتعرض أثناء اعتقاله للعنف والمعاملة المهينة من جانب عناصر الشرطة. فالضرب والإهانة والتصرف الذي يُسحب خلاله لباسه إلى الأسفل ويُلمس جسده، لا يمكن اعتبارها جزءًا عاديًا من إجراءات اعتقال طفل.
وبعد نشر هذه الصور، حاولت السلطات الإيرانية تقديم رواية أخرى للواقعة من خلال توجيه اتهامات إلى هذا المراهق.
لكن هذه الاتهامات لا تغير جوهر القضية. فالرواية الرسمية للسلطات لا يمكنها، بحد ذاتها، أن تحل محل التحقيق المستقل، والأهم من ذلك أنه حتى لو ارتكب طفل مخالفة أو جريمة، فلا يحق لأي عنصر ضربه أو إهانته أو التعامل مع جسده بهذه الطريقة.
فالطفل، حتى عندما يكون متهمًا، يظل طفلاً.
القانون وُضع لمثل هذه الحالات
تنص قوانين إيران أيضًا على قواعد مختلفة للأطفال والمراهقين.
وقال نائب رئيس اللجنة القانونية والقضائية في البرلمان الإيراني، عثمان سالاري، بشأن النظر في جرائم الأحداث، إن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاما يُحاكمون أمام محكمة الأطفال والأحداث، وإنه وفقا للمادة 146 من قانون العقوبات الإسلامي، لا يتحمل الأشخاص غير البالغين المسؤولية الجنائية.
وبالنسبة إلى الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما، فقد نُصّت أيضا على تدابير رعاية وإصلاح، تتراوح بين تسليمهم إلى ذويهم وتوجيه التنبيه والتعليم، وصولا إلى إيداعهم في مراكز الإصلاح والتربية.
وقد وُضعت هذه القواعد للحالات التي يرتكب فيها الطفل خطأ، وليس للحالات التي لا يكون فيها الطفل مخطئًا. لذلك، حتى إذا افترضنا أن هذا المراهق ارتكب خطأ، فيجب أن يكون التعامل معه ضمن هذا الإطار.
فالشرطة ليست مكلفة بتنفيذ العقوبة في الشارع أو أثناء الاعتقال.
كما أن عنصر الشرطة ليس قاضيا. وليس من صلاحياته معاقبة المتهم وفقا لتقديره الشخصي. وتتمثل مهمته في تنفيذ القانون وإحالة الشخص إلى المسار القانوني. وعندما يتعلق الأمر بطفل، تصبح هذه المسؤولية أكبر.
المشكلة لا تقتصر على تصرفات عدد من العناصر
في مثل هذه القضية، لا يمكن اختزال الأمر برمته في عدد من العناصر وإغلاق الملف بمجرد الإعلان عن "محاسبة العناصر المخالفة".
ومنذ سنوات، تُنشر تقارير كثيرة بشأن طريقة تعامل القوات الأمنية وقوات إنفاذ القانون الإيرانية مع المعتقلين. وأفادت منظمة العفو الدولية في تقرير عام 2022 بوقوع حالات من قبيل التعذيب والضرب والجلد والصعق الكهربائي والاغتصاب وأشكال أخرى من العنف الجنسي بحق المعتقلين، ومن بينهم مراهقون في سن مبكرة.
وتحدثت تقارير وروايات متعددة أيضًا عن استخدام العنف الجسدي لانتزاع الاعترافات، والإهانة والتحقير، والتهديد، وعمليات التفتيش الجسدي المهينة، وكذلك الاعتداء الجنسي.
ويحدث جزء من هذه التصرفات أيضا خلال الساعات والأيام الأولى من الاعتقال، في مراكز الشرطة والمراكز الخاضعة لإشراف شرطة الأمن والشرطة الجنائية، عندما يكون الشخص في أشد حالات الضعف، وقبل أن يدخل بعد في إجراءات المحاكمة الرسمية.
ويجعل هذا السجل من الصعب اعتبار قضية المراهق في تبريز مجرد حادثة منفصلة. والسؤال هو: ما الآلية التي يفترض أن تمنع مثل هذا السلوك، ولماذا تستمر مثل هذه المعاملة رغم التحذيرات المستمرة منذ سنوات بشأن ضرورة التعامل المتخصص مع الأطفال؟
شرطة الأطفال.. قانون لا يزال حبرًا على ورق
طُرح في عام 2013 مشروع قانون شرطة الأطفال، ومنذ سنوات يجري التأكيد على ضرورة وجود هيكل متخصص لتعامل الشرطة مع الأطفال والمراهقين. لكن مشروع القانون لم يصل إلى نتيجة حتى الآن.
وتكمن أهمية وجود مثل هذا الهيكل في أمر واضح. فلا يمكن اعتقال الطفل واستجوابه بالمنطق والأساليب نفسها المستخدمة مع شخص بالغ.
في أول مواجهة، يجب أن تدرك الشرطة أنها تتعامل مع طفل قد يكون خائفا أو قلقا أو غير مدرك لحقوقه. ويمكن لطريقة هذا التعامل الأول أن تترك آثارا طويلة الأمد على حياته.
العنف في مرحلة الطفولة ليس مجرد حادث عابر. فتجربة العنف يمكن أن تؤثر في علاقة الطفل بأسرته ومجتمعه والمؤسسات العامة، وأن تغير نظرته إلى القانون والأمن لسنوات. وبالتالي، فإن العنف ضد الطفل لا يمثل مجرد أذى يلحق بفرد واحد، بل قد تمتد تداعياته إلى المجتمع بأسره.
المسؤولية لا تنتهي عند العنصر
إذا ارتكب أحد العناصر أعمال عنف أثناء اعتقال طفل، فإن مسؤوليته المباشرة عن سلوكه واضحة. لكن مسؤولية السلطات لا تنتهي أيضا بإعلان اتخاذ إجراءات بحق عدد من العناصر.
فالسلطة التي تطالب الطفل باحترام القانون، يجب عليها قبل كل شيء أن تحترم هي القانون.
الطفل، حتى لو كان متهمًا، ليس أداة للسلطة. وجسده ليس ساحة للعقاب، ولا ينبغي أن يكون خوفه أداة لتنفيذ القانون. وإذا لم يحم القانون الطفل في مواجهة العنصر المسلح، فإن الحديث عن "حقوق الطفل" لن يكون سوى تكرار بضع كلمات على الورق.
هذه القضية تتعلق، أكثر من اتهام طفل، بمسؤولية سلطة وضعت صلاحية اعتقاله في أيدي عناصرها. ولا تنتهي هذه المسؤولية بالنفي أو صياغة رواية معينة أو إصدار بيان مقتضب بشأن "التعامل مع العناصر"، بل تكمن المسؤولية الحقيقية في توضيح سبب إمكانية وقوع مثل هذا السلوك من الأساس، وما الضمانات الموجودة لعدم تعرض أي طفل آخر، في أي مركز شرطة أو أي مكان احتجاز، لمثل هذا الأمر.