ونُشر التقرير المؤلف من 1149 صفحة، يوم الأربعاء 16 سبتمبر (أيلول)، بعنوان "مهندسو الجرائم: الجهاز الحكومي المنظم للجرائم ضد الإنسانية في انتفاضة (المرأة، الحياة، الحرية) في إيران عام 2022"، وكشفت المنظمة عنه خلال مؤتمر صحفي في لندن.
وبحسب البيان الصحافي للعفو الدولية، لجأ مسؤولون في النظام الإيراني، وصفتهم المنظمة بأنهم "آمرو القتل"، إلى "القتل والتعذيب والإخفاء القسري والسجن والاغتصاب والاضطهاد" بهدف قمع الانتفاضة على خلفيات سياسية وجندرية وإثنية ودينية.
وأكدت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنييس كالامار، أن الأدلة الواسعة التي جُمعت في التقرير "لا تترك مجالاً للشك" في أن مسؤولين في النظام الإيراني ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية خلال احتجاجات عام 2022.
وأضافت: "في إطار سياسة حكومية تقوم على استخدام القوة القاتلة لإسكات الأصوات المعارضة، شنّوا هجومًا واسعًا ومنهجيًا ضد سكان مدنيين كانوا يطالبون بالكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان وتغييرات سياسية جذرية".
وبالتزامن مع الذكرى الرابعة لمقتل جينا مهسا أميني، أطلقت "إيران إنترناشيونال" حملة خاصة بعنوان "آمرو القتل"، تتناول فيها أبعاد قمع المواطنين في مناطق مختلفة من إيران.
وكانت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق قد أفادت في مارس (آذار) 2024 بأن القمع العنيف لانتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" والتمييز الهيكلي والواسع ضد النساء أديا إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في إيران، وأن العديد من هذه الأفعال ترقى إلى "جرائم ضد الإنسانية".
دعوة إلى إنهاء الإفلات من العقاب
حذرت كالامار من أن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية على يد مسؤولين في النظام الإيراني استمر في ظل "الإفلات من العقاب".
وأوضحت أن هذه الأوضاع أدت إلى "دورات متصاعدة من القتل الجماعي للمتظاهرين"، انتهت بمقتل آلاف المتظاهرين والمارة خلال 48 ساعة فقط في 8 و9 يناير 2026.
وشددت كالامار على أن "الجمعية العامة للأمم المتحدة يجب أن تضع حدًا لتطبيع عمليات القتل الجماعي خلال قمع الاحتجاجات في إيران، وأن تنشئ آلية للعدالة الجنائية الدولية لملاحقة ومحاكمة الأشخاص الأكثر تورطًا في الجرائم ضد الإنسانية".
ودعت منظمة العفو الدولية المدعين العامين في أنحاء العالم إلى التحقيق مع المسؤولين الضالعين في قمع المتظاهرين بإيران، وإصدار مذكرات توقيف بحقهم إذا توافرت أدلة كافية.
وأكدت المنظمة أن الإيرانيين طالبوا مرارًا منذ عام 2015 بإنهاء النظام والانتقال إلى نظام حكم جديد قائم على احترام حقوق الإنسان، لكنها اعتبرت أن رد السلطات في يناير (كانون الثاني) 2018، ونوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وانتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية"، ويناير 2026، كشف عن "نمط متكرر من القتل الجماعي والتعذيب والإخفاء القسري وجرائم دولية أخرى".
ويستند التقرير إلى عدة سنوات من التحقيقات ومقابلات مع 270 شخصًا، بينهم متظاهرون ومعتقلون سابقون وشهود عيان ومحامون ونشطاء حقوقيون وصحافيون وعاملون في القطاع الطبي وأقارب قتلى ومعتقلين.
كما راجعت المنظمة وحللت أكثر من ألفي مقطع فيديو وكمية كبيرة من الأدلة الموثقة، شملت تصريحات رسمية ووثائق مسربة وأوامر للنيابة العامة وأحكام محاكم وسجلات للطب الشرعي.
وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" قد أعلنت في مايو (أيار) 2024 أن قوات الأمن التابعة للنظام الإيراني أخضعت عددًا من معتقلي انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" للاغتصاب والتعذيب والاعتداء الجنسي.
كما أفادت "بي بي سي العالمية" في الفترة نفسها، استنادًا إلى وثيقة وصفتها بأنها "شديدة السرية"، بأن نيكا شاكَرمي، إحدى قتيلات انتفاضة مهسا، تعرضت لاعتداء جنسي على يد ثلاثة من عناصر الأمن في النظام الإيراني ثم قُتلت.
تحديد 87 مسؤولاً في النظام الإيراني
أعلنت منظمة "العفو الدولية" أنها حددت خلال تحقيقاتها 87 مسؤولاً في النظام الإيراني ترى أنه ينبغي إخضاعهم لتحقيقات جنائية على خلفية "ارتكاب جرائم ضد الإنسانية".
وتضم القائمة 62 قائدًا في قوات الأمن، من بينهم 33 قائدًا في الحرس الثوري و27 قائدًا في قيادة الشرطة "فراجا"، إضافة إلى 25 مسؤولاً في وزارة الداخلية، بينهم عدد من المحافظين وحكام المدن.
ومن بين هؤلاء، هناك 10 مسؤولين على المستوى الوطني و77 مسؤولاً على المستويات الإقليمية والمحلية والمحافظات، تولوا مسؤوليات في 17 مدينة بمحافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية.
وتصدرت القائمة أسماء علي خامنئي، ومحمد باقري، وحسين سلامي، ومحمد باكبور، الذين ذكر التقرير أنهم قُتلوا جميعًا خلال حربي الـ 12 يومًا والـ 40 يومًا.
كما ورد اسم وزير الداخلية خلال احتجاجات عام 2022 والقائد الحالي للحرس الثوري، أحمد وحيدي، ضمن الأشخاص المذكورين في القائمة.
ومن بين المسؤولين الآخرين الذين أفادت المنظمة بأنهم ضالعون في قمع انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية": حسين أشتري، وحسن كرمي، ومهدي معصوم بيغي، ومحمد تقي أوسانلو، ومحمد نظر عظيمي، ومجيد مير أحمدي، ومحمد صادق معتمديان، وإسماعيل زارعي كوشا.
وأوضحت كالامار، في معرض حديثها عن دور كبار المسؤولين في قمع الانتفاضة، أن "العناصر الموجودة في الشوارع عملت ضمن تسلسل هرمي منسق للقيادة، ربطهم بمسؤولين وجّهوا ارتكاب الجرائم على نطاق واسع، وهيأوا الظروف والإمكانات لها، وقدموا الدعم لتنفيذها".
وأضافت أن غالبية هؤلاء المسؤولين ما زالوا يشغلون مناصب تتيح لهم تنفيذ حملات قمع دامية جديدة ضد المواطنين، مشيرة إلى أن بعضهم حصلوا على ترقيات في هرم القيادة بعد جرائم عام 2022.
وفي الأشهر الأخيرة، وبالتزامن مع استمرار التوترات مع الولايات المتحدة، ازدادت حدة انتهاكات حقوق الإنسان وقمع المواطنين في إيران.
ويرى نشطاء أن النظام الإيراني يسعى، خصوصًا بعد التوترات العسكرية الأخيرة، إلى خلق أجواء من الخوف والترهيب لمنع تجدد الغضب الشعبي إزاء الأزمات المعيشية والسياسية المتفاقمة.
الأكراد والبلوش ونصيبهم من القمع الدامي
وأفادت منظمة العفو الدولية بأن سلطات النظام الإيراني استهدفت، خلال احتجاجات عام 2022، المجتمعات الكردية والبلوشية بصورة خاصة بالقمع القاتل، وارتكبت بحقهم، بحسب المنظمة، جرائم ضد الإنسانية.
ووفق التقرير، استخدمت قوات الأمن في محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية بصورة متكررة بنادق قنص وبنادق حربية ورشاشات خفيفة ومدافع رشاشة ثقيلة مركبة على شاحنات "بيك أب" لقمع المتظاهرين.
وأضافت المنظمة أن قتل وتعذيب المتظاهرين الأكراد والبلوش جرى بدوافع تمييزية سياسية وإثنية، وأن عناصر "جريمة الاضطهاد ضد الإنسانية" تحققت في التعامل مع هاتين المجموعتين.
ويأتي نشر التقرير في وقت تعرضت فيه سياسات النظام تجاه الأقليات الإثنية في إيران مرارًا لانتقادات من منظمات حقوقية.
وفي 6 أغسطس (آب) الماضي، دعا عدد من خبراء الأمم المتحدة، في ظل زيادة الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري والتعذيب وإعدام أفراد من الأقليات الإثنية في إيران، النظام الإيراني إلى وقف قمع البلوش والأكراد وإنهاء الإجراءات العابرة للحدود ضد المعارضين.