عاد محسن رضائي، الذي يمتد سجله على مدى أربعة عقود في هيكل السلطة بإيران من عملية "كربلاء 4" المثيرة للجدل والإخفاقات المتكررة في الانتخابات الرئاسية، وصولاً إلى النشرة الحمراء للإنتربول في قضية تفجير "آميا"، يوم الأحد 9 أغسطس (آب)، إلى أحد أعلى المناصب الأمنية بالنظام الإيراني.
وخلف القائد العام السابق للحرس الثوري، البالغ من العمر 71 عامًا، محمد باقر ذوالقدر في منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بعد استقالة الأخير من المنصب، وذلك بعد أكثر بقليل من أربعة أشهر على توليه مهامه.
وعيّن المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، رضائي ممثلاً له في المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يؤدي دورًا محوريًا في اتخاذ القرارات المتعلقة بالحرب والدبلوماسية والمواجهة بين طهران وواشنطن.
ويضيف هذا التعيين فصلًا جديدًا إلى سجل رضائي، الذي يشمل قيادة الحرس الثوري خلال الجزء الأكبر من الحرب الإيرانية-العراقية، وعقودًا من العمل في المؤسسات السياسية العليا، وأربع محاولات للوصول إلى منصب رئاسة الجمهورية.
وبهذا التعيين، يعود إلى قلب السلطة مجددًا اسم ارتبط بإحدى أكثر عمليات الحرب إثارة للجدل، وبالنشرة الحمراء لـ "الإنتربول" في قضية تفجير عام 1994 في مركز للجالية اليهودية في الأرجنتين "آميا"، فضلًا عن سنوات من السخرية والنكات التي تداولها الإيرانيون على وسائل التواصل الاجتماعي.
من إسلامي مسلح إلى قيادة الحرس الثوري
ولد رضائي، واسمه الكامل محسن سبزواري رضائي ميرقائد، عام 1954. وقبل ثورة 1979، انضم إلى جماعة "منصورون"، وهي تنظيم إسلامي مسلح كان يحارب النظام الملكي.
وبعد الثورة، اندمجت "منصورون" مع ست جماعات إسلامية أخرى لتشكيل "منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية".
وسرعان ما صعد رضائي داخل الهيكل السياسي للنظام الإيراني حديث التأسيس. ففي عام 1981، عندما كان يبلغ 27 عامًا، وبعد عام واحد من اندلاع الحرب الإيرانية-العراقية، عيّنه مؤسس النظام الإيراني، روح الله الخميني، قائدًا عامًا للحرس الثوري.
وظل رضائي في هذا المنصب حتى عام 1997. وكان قائدًا للحرس الثوري طوال معظم سنوات الحرب التي استمرت ثمانية أعوام مع العراق، وأشرف خلال تلك الفترة على تحول الحرس الثوري إلى أحد مراكز القوة العسكرية الرئيسية في إيران.
من القيادة العسكرية إلى الساحة السياسية
في عام 1997، ترك رضائي القيادة العسكرية وانتقل إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام، حيث شغل منصب أمين المجمع لسنوات.
وفي وقت لاحق، تولى رضائي منصب نائب رئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية في حكومة الرئيس الراحل، إبراهيم رئيسي.
لكن نشاطه السياسي لم يحقق له النجاح الانتخابي الذي كان يطمح إليه.
وخاض رضائي الانتخابات الرئاسية عدة مرات. ففي انتخابات عام 2005، ترشح لكنه انسحب قبل وقت قصير من موعد التصويت. كما ترشح في انتخابات أعوام 2009 و2013 و2021، وخسر في جميعها.
وأصبح تكرار مشاركته في الانتخابات الرئاسية في نهاية المطاف مادة ثابتة للسخرية على شبكات التواصل الاجتماعي الناطقة بالفارسية: "أينما تُجرى انتخابات، فلا بد أن يكون محسن رضائي مرشحًا فيها."
"كربلاء 4" .. جدل مستمر منذ عقود
لا توجد واقعة في السجل العسكري لرضائي أثارت جدلًا مستمرًا في إيران بقدر عملية "كربلاء 4"، التي نُفذت في ديسمبر (كانون الأول) 1986 ضد القوات العراقية.
كان رضائي قائدًا للحرس الثوري عند بدء العملية. وأظهرت روايات نشرها لاحقًا قادة ومشاركون فيها أن القوات العراقية كانت على علم مسبق بالهجوم الإيراني.
وقال أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي كان يتولى القيادة السياسية للحرب الإيرانية، لاحقًا إنه علم، قبل بدء العملية بفترة وجيزة، بأن معلوماتها قد تسرّبت.
ولا تزال الأرقام الدقيقة للخسائر موضع خلاف. ووفقًا لمذكرات رفسنجاني خلال فترة الحرب، قُتل نحو ألف شخص، وفُقد 3900، وأصيب 11 ألفًا آخرين.
وبعد عقود، عادت العملية إلى واجهة الاهتمام الشعبي، ولا سيما عندما أعيدت إلى إيران عام 2015 رفات 175 غواصًا إيرانيًا.
وفي عام 2018، أعاد رضائي إشعال الجدل بنشره تعليقًا عن "كربلاء 4"، قال فيه إن العملية نُفذت بهدف "خداع" العراق قبل بدء عملية "كربلاء 5" الأوسع نطاقًا بعد بضعة أيام.
وأثارت هذه الرواية انتقادات من مقاتلين ومسؤولين سابقين وشخصيات عسكرية. وقال منتقدون إن "كربلاء 4" صُممت منذ البداية باعتبارها هجومًا حقيقيًا واسع النطاق، ولم تكن عملية تمويه أو خداع.
وأوضح رضائي تصريحاته لاحقًا، قائلاً إن "كربلاء 4" بدأت باعتبارها العملية الرئيسية، لكنها تحولت إلى عملية خداع بعد صدور أمر بالانسحاب.
كما حظي تسجيل صوتي لمحادثة بين رضائي وحسين خرازي، قائد إحدى الفرق العسكرية، خلال المراحل الأولى من العملية، باهتمام واسع، إذ يُسمع فيه صوت رضائي وهو يأمر القوات بمواصلة التقدم.
وتحوّل هذا الملف بالنسبة إلى منتقدي رضائي إلى نقاش أوسع حول مسؤولية قادة الحرب ومساءلتهم: هل أصر القادة على مواصلة العملية رغم وجود مؤشرات على استعداد القوات العراقية؟ وهل أدى وصفها لاحقًا بأنها "عملية خداع" إلى إخفاء طبيعة الخطة الأصلية؟
مطلوب من الأرجنتين على خلفية قضية "آميا"
أدت سنوات قيادة رضائي للحرس الثوري الإيراني إلى صدور طلب دولي لتوقيفه.
وتلاحق الأرجنتين رضائي على خلفية تفجير مركز الجمعية اليهودية "آميا" في بوينس آيرس في يوليو (تموز) 1994، الذي أسفر عن مقتل 85 شخصًا وإصابة مئات آخرين.
وفي عام 2007، وافقت اللجنة التنفيذية للإنتربول، بناءً على طلب الأرجنتين، على إصدار نشرة حمراء بحق رضائي وخمسة مشتبه بهم آخرين. كما صادقت الجمعية العامة للإنتربول على القرار في العام نفسه.
وتقول السلطات الأرجنتينية إن رضائي حضر اجتماعًا اتُّخذ خلاله قرار تنفيذ الهجوم.
وينفي رضائي والنظام الإيراني مسؤولية طهران عن التفجير.
وأثارت رحلاته الخارجية هذه القضية مجددًا في بعض الأحيان. فعندما زار رضائي قطر عام 2022، طلبت الأرجنتين توقيفه، لكن الطلب لم يُنفذ.
احتجاز رهائن مقابل مليارات الدولارات
أثارت تصريحات رضائي العلنية في فترات مختلفة داخل إيران جدلًا واسعًا.
ففي عام 2015، قال إنه إذا هاجمت الولايات المتحدة إيران، فإن القوات الإيرانية يمكنها أسر ما لا يقل عن ألف أمبركي خلال الأسبوع الأول، والمطالبة بمليارات الدولارات مقابل الإفراج عن كل واحد منهم.
وبحسب اقتراح رضائي، كان من الممكن استخدام العائدات الناتجة عن هذه العملية لحل المشكلات الاقتصادية في إيران.
وقد أسهمت مثل هذه التصريحات، إلى جانب إخفاقاته الانتخابية وظهوره المتكرر على شاشات التلفزيون، في تشكيل صورة عامة أخرى لرضائي، تختلف كثيرًا عن صورة القائد الشاب خلال سنوات الحرب.
وأصبح رضائي بالنسبة إلى عدد من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي الناطقة بالفارسية شخصية ثابتة في النكات السياسية.
وبعد أن عيّنه مجتبى خامنئي مستشارًا عسكريًا في أعقاب الحرب الأخيرة، عادت هذه التفاعلات مجددًا.
وسخر المستخدمون من عودته إلى السلطة، وصولًا إلى طريقة وضع "إبزيم حزامه"؛ وهو "الإبزيم" الذي تحول هو الآخر منذ سنوات إلى مادة متكررة للسخرية على الإنترنت.
تعيين أعاد الانتقادات والسخرية
أثارت عودة رضائي إلى منصب رفيع في الهيكل الأمني للنظام الإيراني موجة من الانتقادات والسخرية على منصة "إكس".
وعاد المستخدمون الإيرانيون إلى التذكير بسجله خلال الحرب، وترشحه المتكرر للانتخابات الرئاسية، وتصريحاته المثيرة للجدل.
وكتب أحد المستخدمين: "هل سجل محسن رضائي العسكري، ولا سيما خلال الحرب مع العراق، قابل للدفاع عنه فعلًا؟ من أين يأتي هذا التوق الهائل إلى السلطة؟ من وصف هزيمة كربلاء 4 بأنها عملية خداع، أم من فكرة احتجاز رهائن لكسب المال؟"
وأشار مستخدم آخر إلى الخسائر البشرية في عملية "كربلاء 4"، وكتب: "هل تعلمون أن عددًا كبيرًا من الشبان الذين شاركوا في عملية كربلاء 4 لم يروا صباح اليوم التالي قط؟ نعم، خمنوا من كان القائد. صحيح، محسن رضائي".
وفسّر بعض المستخدمين تعيينه في إطار صراعات السلطة داخل النظام الإيراني.
وذهب أحدهم إلى أن الحرس الثوري اكتسب نفوذًا أكبر خلال الحرب، بينما تراجع نفوذ رجال الدين. ووصف هذا المستخدم رضائي، الذي ظل لسنوات بعيدًا عن القيادة العملياتية، بأنه أداة محتملة لاستعادة جزء من ذلك النفوذ.
كما ربطت بعض المنشورات التطورات الأخيرة بتقارير عن توتر بين رضائي ومسعود بزشكيان.
وتساءل أحد المستخدمين عما إذا كان تعيين رضائي يجعل التقارير السابقة عن احتمال استقالة الرئيس الإيراني أكثر مصداقية.
وكانت التكهنات بشأن وضع بزشكيان قد بدأت قبل تعيين رضائي.
وقد أعلن الأمين العام لحزب الله إيران، محمدباقر خرازي، في تصريحات انتشرت على نطاق واسع في شبكات التواصل الاجتماعي، عن تغيير أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، واعتبر ذلك جزءًا من محاولة لتقييد بزشكيان.
وبحسب خرازي، فإن بزشكيان قدم استقالته أو هدد بها 28 مرة، وإن مجتبى خامنئي حذره من أن استقالته المقبلة ستُقبل.
وكان الأمين العام لحزب الله الإيراني قد أعلن أن رضائي سيحل محل ذوالقدر.
وبعد تنحي ذوالقدر وتعيين رضائي، عادت هذه التنبؤات إلى الواجهة مجددًا.
ونفى بزشكيان ومكتب مجتبى خامنئي التقارير التي تحدثت عن تقديم رئيس الحكومة أو تهديده المتكرر بالاستقالة.
ناجٍ يعود إلى الواجهة
يأتي صعود رضائي مجددًا في ظروف مختلفة تمامًا عن المرحلة التي وصل فيها إلى السلطة للمرة الأولى.
فقد شهد المجلس الأعلى للأمن القومي، بعد مقتل علي لاريجاني في مارس (آذار) 2026 والفترة القصيرة التي قضاها ذوالقدر أمينًا للمجلس، تغييرات سريعة في قيادته.
ويتولى رضائي الآن قيادة المجلس في وقت تواجه فيه إيران تداعيات الحرب والمفاوضات المتعلقة بمضيق هرمز، وهو ملف اتخذ بشأنه موقفًا متشددًا.
وفي يوليو الماضي أعلن رضائي أن السيطرة على مضيق هرمز "أهم من عشرات القنابل النووية".
وقال مؤخرًا أيضًا إن إيران لن تسمح للسفن بالمرور عبر أي مسار آخر غير المسار الذي تحدده طهران.
ويعيد هذا التعيين مجددًا شخصية مألوفة إلى قلب النظام الذي ساهم هو نفسه في بنائه؛ قائد امتدت مسيرته من الإخفاقات العسكرية إلى الانتكاسات الانتخابية والاتهامات الدولية، مرورًا بعقود من التحولات السياسية، ليجلس اليوم مجددًا على أحد أهم مقاعد صنع القرار الأمني داخل النظام الإيراني.
AI-generated illustration depicting Mohammad-Bagher Kharrazi (foreground) and Iran's Supreme Leader Mojtaba Khamenei (background) against a map of Iran and Tehran's skyline.
نُشر مقطع فيديو مدته نحو خمس دقائق، الأربعاء 5 أغسطس (آب)، يظهر رجل الدِين، محمد باقر خرازي، المرتبط بمصاهرة مع عائلة خامنئي، والأمين العام لـ "حزب الله إيران"، وهو يلقي كلمة خلال تجمع ديني، طرح خلالها خطة تهدف إلى استبدال نظام "الجمهورية الإسلامية" بما سماه "الحكومة الإسلامية".
وقال خرازي إنهم شكّلوا "حكومة ظل"، قبل أن يطرح المرشح الرئاسي السابق، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام الحالي، سعيد جليلي، هذا المفهوم، مضيفًا: "قبل أن يقول السيد سعيد جليلي أصلاً إنه سيشكّل حكومة ظل، كنا قد شكّلناها بالفعل وما زلنا نمتلكها.. لدينا 60 مجلدًا كبيرًا تتضمن برامج تفصيلية تغطي أدق تفاصيل كل مؤسسة وجهاز".
وأضاف: "أعددنا برنامجًا لتطبيق نظام ولاية الفقيه، وحتى لكيفية تحويل الجمهورية الإسلامية إلى حكومة إسلامية. لدينا التنظيم ولدينا التخطيط. لكن بما أن هذا الانتقال لم يحدث، فإنهم ينتزعون الجمهورية الإسلامية منا".
وأكد أن الجمهورية الإسلامية "وصلت إلى مرحلة لم تعد تعمل بهذا الشكل إطلاقًا".
خطة للاستيلاء على السلطة
أوضح خرازي أن كل مؤيد يجب أن يستقطب 17 شخصًا، ثم يقوم كل واحد منهم باستقطاب 17 آخرين.
وقال: "إذا فعلنا ذلك، ونظمنا ما لا يقل عن 250 شخصًا في كل مدينة، فمع وجود ألف مدينة سنصل إلى 250 ألف شخص".
كما تعهد بتمويل أول تجمع من ميزانية حزب الله، ووعد بتنظيم حشد يضم 100 ألف شخص، وقال إن هذه الشبكة "ستحاصر جميع الوزارات".
وفي جزء آخر من حديثه، حدد عدد المنظمين في كل مدينة بـ 530 شخصًا، موضحًا أن هذا الرقم مستمد من حسابات "الأبجد" ويرتبط باسم فاطمة بنت النبي محمد.
ورغم التناقض بين الأرقام التي طرحها، وصف المرحلة الأخيرة من خطته بالقول: "بإعلان واحد، سيأتي الجميع إلى طهران، وبذلك الإعلان الواحد سينتهي كل شيء. يجب أن يعلم السيد خامنئي والحكومة أن هناك تنظيمًا يضم 250 ألف شخص جاهز للتحرك".
كما أكد لمستمعيه أن حكومة مسعود بزشكيان "لن تكمل ولايتها"، داعيًا إياهم إلى عدم الشك في ذلك.
وفي جانب آخر من كلمته، وصف خرازي علي رضا مرندي، رئيس الفريق الطبي للمرشد الراحل، علي خامنئي، بأنه "فاسد"، وقال إنه هو من اقترح مسعود بزشكيان على خامنئي، منتقدًا ذلك بألفاظ حادة.
إهانة "الجمهورية".. ورئيس يهاجم مؤسسة الرئاسة
استند خرازي في انتقاده لمبدأ "الجمهورية" في الجمهورية الإسلامية إلى سرد أسماء الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم.
وقال: "لماذا يجب أن يفوز السيد أكبر هاشمي في هذا البلد؟ ولماذا يجب أن يفوز السيد محمود أحمدي نجاد؟ ولماذا يجب أن يفوز السيد حسن روحاني؟ ولماذا يجب أن يفوز السيد مسعود بزشكيان؟".
وتُظهر هذه القائمة، التي تضم معظم رؤساء إيران خلال العقود الأربعة الماضية، أن المشكلة بالنسبة لخرازي ليست في الأشخاص، بل في منصب رئاسة الجمهورية نفسه.
وفي حديثه عن بزشكيان، لجأ خرازي إلى الإهانة المباشرة، واصفًا إياه بأنه "هذا المهرج" الذي "لا يفهم شيئًا".
كما هاجم علي رضا مرندي، الطبيب الخاص لعلي خامنئي، قائلاً:
"لعن الله مرندي الملعون، طبيب السيد علي خامنئي، الذي فرض بزشكيان على الشعب".
ولم يسلم مجلس صيانة الدستور من انتقاداته، إذ لعنه بسبب موافقته على أهلية مثل هؤلاء المرشحين، رغم أن المجلس نفسه كان قد رفض أهلية خرازي عندما ترشح للانتخابات الرئاسية عام 2013.
وأضاف أن القوى الموالية للنظام تحولت إلى مجرد من يحمل أعباء الآخرين، قائلاً: "قوات حزب الله في هذا البلد أصبحت حمّالة".
وتابع: "ما شأننا بأن نصبح حمّالين لمحمد باقر قاليباف الذي لا يفهم شيئًا من الدين الإسلامي؟".
خرازي: أفكار مجتبى خامنئي أكثر راديكالية من والده
لكن أبرز ما ورد في الفيديو كان حديث خرازي عن المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، الذي قال إنه يدعمه.
وأكد أنه تربطه بمجتبى خامنئي "صداقة تمتد لأربعين عامًا، وليست مجرد معرفة، مع لقاءات خاصة عديدة"، مضيفًا: "فكر مجتبى أكثر راديكالية بكثير من فكر والده".
كما روى ما وصفه بكواليس من داخل دائرة السلطة، مدعيًا أن مجتبى خامنئي أُبعد عن مكتب والده لمدة ثلاث سنوات على يد علي أصغر حجازي، نائب رئيس مكتب المرشد السابق، ووُضع تحت الإقامة في منزله، واقتصر دوره على نقل الرسائل الاستخباراتية، كما أُبعد عدد من المقربين منه.
وقال خرازي إنه وقف إلى جانب هذا التيار خلال تلك الفترة: "كانوا يريدون اقتلاع حزب الله من جذوره، وأنا لم أسمح بذلك".
ولا يمكن التحقق بشكل مستقل من صحة هذه الروايات، خصوصًا أنها تتعلق بمجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علنًا ولم يُسمع صوته منذ اختياره مرشدًا ثالثًا للنظام الإيراني في مارس (آذار) 2026.
كما تواجه تصريحات خرازي مشكلة إضافية تتعلق بمصداقيته، إذ كان مكتب المرشد قد وصف مؤخرًا تصريحًا سابقًا له بشأن مجتبى خامنئي بأنه غير صحيح وكاذب.
وكان خرازي قد زعم أن مجتبى خامنئي سيوافق على استقالة مسعود بزشكيان بعد محاولته تقديمها للمرة التاسعة والعشرين.
لكن مكتب المرشد حذر من أن نشر مثل هذه الادعاءات "يخدم أهداف الأعداء وخصوم الشعب الإيراني"، فيما نفى بزشكيان بنفسه صحة أنباء استقالته.
وردّ خرازي على هذا النفي ببيان قال فيه: "احترامًا للمرشد الراحل والمرشد الحالي، أقبل هذا النفي، لكنني آمل أن يبقى ساريًا بعد التطورات المهمة التي ستحدث قريبًا في تلك المكاتب".
وأضاف أن هذه التطورات ليست غامضة، مدعيًا أن المرشد الجديد يعتزم إقالة محمد باقر ذو القدر من منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وتعيين مستشاره العسكري، محسن رضائي، بدلاً منه.
وقال: "من المقرر استبدال السيد ذو القدر بالسيد محسن رضائي".
كما زعم أن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أُبلغ بأنه لا يحق له التدخل في المفاوضات.
وبذلك، فإن خرازي، الذي سبق أن وُبّخ بسبب حديثه باسم المرشد، عاد ليعلن ما قال إنها تعيينات وقرارات جديدة للمرشد.
العائلة والسجل السياسي
يحتل محمد باقر خرازي (65 عامًا)، بصفته رجل دِين، مكانة بارزة داخل الطبقة الحاكمة في النظام الإيراني. فوالده آية الله محسن خرازي، عضو في مجلس خبراء القيادة، وعمه كمال خرازي شغل لسنوات منصب وزير الخارجية ورئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، قبل أن يُقتل متأثرًا بجراح أصيب بها في الغارات الجوية الإسرائيلية الأخيرة. أما شقيقه صادق خرازي فهو دبلوماسي مخضرم، في حين أن شقيقته متزوجة من مسعود خامنئي، أحد أبناء المرشد الراحل، علي خامنئي.
وكانت "رويترز" قد أفادت بأن منصة تداول العملات المشفرة "نوبيتكس"، التي فرضت واشنطن عليها عقوبات بسبب اتهامها بمساعدة الحرس الثوري في الالتفاف على العقوبات، تعود ملكيتها إلى عائلة خرازي.
أما سجل خرازي السياسي فيحفل بتصريحات ووعود مثيرة للجدل. ففي حملته للانتخابات الرئاسية عام 2013، تعهد برفع العقوبات خلال أشهر، وإعادة "الأراضي المنفصلة عن إيران"، من طاجيكستان إلى أذربيجان، دون إراقة قطرة دم، ومضاعفة قيمة العملة الإيرانية ثلاث مرات.
كما وعد بخفض سعر الدولار، الذي كان قد تجاوز ثلاثة آلاف تومان آنذاك، إلى ألف تومان.
لكن مجلس صيانة الدستور رفض أهليته لخوض الانتخابات. وحتى قبل ذلك، أعلن مجلس تنسيق حزب الله في محافظة أذربيجان الشرقية براءته من جماعة خرازي، واتهمه باستغلال اسم الحزب واسم المرشد.
كما ذكّره المجلس آنذاك بأن أي تصريح يُنسب إلى المرشد ويقال إنه صدر في جلسة خاصة يجب اعتباره غير صحيح، تنفيذًا لتوجيه مباشر من المرشد نفسه.
وبعد 13 عامًا، كرر مكتب المرشد التذكير نفسه بحق خرازي، ولكن هذه المرة بشأن مجتبى خامنئي.
وفي مقاطع فيديو انتشرت هذا العام على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، دعا خرازي إلى أن تطور إيران قنبلة نووية وتفجرها في المحيط الأطلسي لإحداث موجة تسونامي تضرب السواحل الأميركية.
كما تحدث عن إشعال حرب عرقية داخل الولايات المتحدة.
ويُعد خرازي من تلامذة محمد تقي مصباح يزدي، الذي كان تياره الفكري يرى منذ سنوات أن الانتخابات في إيران مجرد مرحلة مؤقتة ينبغي تجاوزها. ومن هذا المنطلق، فإن الطرح الذي يقدمه خرازي ليس جديدًا، لكنه أصبح اليوم أبرز من يعبّر عنه علنًا.
ثلاث قراءات لفيديو خرازي
لا يكمن اللغز في ما قاله خرازي، بل في كيفية تمكنه من قول ذلك علنًا.
ففي نظام يسجن المخرجين والشعراء لأسباب أقل بكثير، خرج رجل مرتين خلال أسبوع ليتحدث باسم المرشد، ويهيّن رئيس الجمهورية أمام الكاميرات، ويعلن خطة لمحاصرة الوزارات، دون أن يتعرض لأي إجراء.
وفي المقابل، تُظهر استطلاعات رأي مسربة من داخل مؤسسات الدولة أن المجتمع الإيراني ابتعد بصورة واضحة عن حكم رجال الدين، وأن نحو 9 في المائة فقط يؤيدون استمرار الوضع القائم.
ورغم ذلك، تشير معطيات هذا الأسبوع إلى أن أعلى الأصوات تنظيمًا داخل السلطة تدفع باتجاه معاكس تمامًا.
ويطرح التقرير ثلاث قراءات لما يحدث:
* القراءة الأولى: أن مكتب المرشد سيضطر إلى اتخاذ إجراء يتجاوز إصدار بيانات النفي، وأن الفيديو الأخير لخرازي قد يكون آخر ظهور له.
* القراءة الثانية: وهي أكثر تشاؤمًا بالنسبة للنظام، وتفترض عدم وجود مرشد يتمتع بسلطة فعلية لوقفه، وأن هذا القريب بالمصاهرة للعائلة الحاكمة يملأ بنفسه فراغ السلطة.
* القراءة الثالثة: المتداولة في بعض التحليلات خارج إيران، وترى أن خرازي لا يتحدث نيابة عن القيادة الحالية، بل يعمل على بناء قاعدة نفوذ استعدادًا لليوم الذي يُطرح فيه مجددًا سؤال: من يجب أن يقود إيران؟
وفي جميع هذه التفسيرات، تبقى حقيقة واحدة ثابتة: بعد خمسة أشهر فقط من بدء عهد القيادة الجديدة، جاء أكثر مشروع علني تفصيلاً لإنهاء "الجمهورية الإسلامية" ليس من معارضي النظام، بل من داخل الدائرة العائلية المحيطة بالقيادة، عبر مشروع يدعو إلى إقامة "الحكومة الإسلامية".
حصلت "إيران إنترناشيونال" على معلومات خاصة بشأن تفاصيل اللقاء الذي جمع الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، مع المرشد مجتبى خامنئي.
وبحسب هذه المعلومات، التقى بزشكيان المرشد مجتبى خامنئي في المقعد الخلفي لسيارة وفي مكان غير معلوم. وكان بزشكيان قد قال، في منتصف مايو (أيار)، خلال اجتماع مع ممثلي النقابات، إنه عقد لقاءً استمر ساعتين ونصف الساعة مع مجتبى خامنئي، مضيفًا أن اللقاء جرى "في أجواء ودية".
إلا أن مصادر "إيران إنترناشيونال" أفادت بأن مكتب مجتبى خامنئي وافق على اللقاء بعد طلبات متكررة من بزشكيان وتهديده بالاستقالة، لكنه أُبلغ بأن الاجتماع، خلافًا للإجراءات المعتادة، لن يُعقد في المقر الدائم للمرشد.
ووفقًا للمصادر، نقل حراس أمنيون بزشكيان إلى مكان سري في موقع غير معروف داخل طهران، حيث التقى مجتبى خامنئي في المقعد الخلفي لسيارة تجارية ذات نوافذ داكنة.
وأضافت المصادر أن الحديث بينهما استمر بضع دقائق فقط، ثم طُلب من بزشكيان مغادرة المكان.
لم يُسمح له بالمصافحة ولم يرَ وجه خامنئي
وبحسب المصادر، لم يسمح حراس مجتبى خامنئي لبزشكيان بمصافحته، كما جرى اللقاء بطريقة لم يتمكن فيها الطرفان إلا من سماع صوت بعضهما البعض.
وقالت المصادر إن هذه المعاملة أثارت غضب بزشكيان، الذي اعتبرها مهينة.
وأضافت أن بعض العاملين في مكتب الرئاسة ذكروا أن بزشكيان، بعد عودته، تساءل عما إذا كان الشخص الذي قابله في المقعد الخلفي للسيارة هو المرشد الإيراني فعلًا، لأنه لم يسمع سوى صوته ولم يرَ وجهه.
ولم يتضح ما إذا كان هذا التساؤل نابعًا من غضبه، أم أنه كان يشك فعلًا في هوية الشخص الذي التقاه.
رفض طلب لقاء جديد
أفادت مصادر "إيران إنترناشيونال" بأن بزشكيان طلب مؤخرًا عقد لقاء آخر مع مجتبى خامنئي، هذه المرة في مقر إقامة المرشد، إلا أن الطلب رُفض حتى الآن.
ومنذ نحو خمسة أشهر، عندما اختار مجلس خبراء القيادة مجتبى خامنئي مرشدًا ثالثًا للنظام الإيراني لم يُنشر له أي تسجيل صوتي أو مرئي.
وكان موقع صحيفة "همشهري" قد نشر، الأحد 2 أغسطس (آب)، مقطع فيديو قصيرًا زعم فيه أن أجهزة الاستخبارات الأجنبية قادرة على تحديد مكان اختباء مجتبى خامنئي عبر تحليل طاقة الصوت، وترددات شبكة الكهرباء، والضوضاء الخلفية في أي تسجيل صوتي.
وأضاف الفيديو أن أجهزة الاستخبارات يمكنها أيضًا، من خلال تحليل رنين القناة الصوتية، استنتاج مدى إصابته أو مستوى توتره، وهو ما زاد من التكهنات بشأن حالته الصحية.
عراقجي: عدد قليل فقط التقوا مجتبى خامنئي
رغم أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قال قبل ثلاثة أسابيع إنه يعتقد بنسبة 90 في المائة أن مجتبى خامنئي قد قُتل، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أعلن مؤخرًا أنه لا يزال على قيد الحياة.
وقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، خلال مقابلة في 9 يوليو (تموز) الماضي، إنه لم يلتقِ مجتبى خامنئي خلال هذه الفترة، وإن عددًا قليلًا فقط من الأشخاص تمكنوا من لقائه.
وفي اليوم التالي، قال بزشكيان في خطاب إن عدد اللقاءات مع مجتبى خامنئي قد ازداد.
خرازي: إذا استقال بزشكيان مرة أخرى فستُقبل استقالته
في سياق متصل، قال محمد باقر خرازي، رئيس "حزب الله" الإيراني وشقيق زوجة مسعود خامنئي، أحد أبناء علي خامنئي، في مقطع فيديو نُشر يوم الاثنين 3 أغسطس، إن مجتبى خامنئي حذّر رسميًا وعلنًا من أنه إذا قدّم مسعود بزشكيان استقالته مرة أخرى، فسيوافق عليها.
كما كشف عن نية مجتبى خامنئي إجراء تغييرات في المجلس الأعلى للأمن القومي.
وأضاف خرازي أن بزشكيان قدّم استقالته أو هدد بالاستقالة 28 مرة، وقال: "كتب قائد الثورة (مجتبى خامنئي): إذا استقال بزشكيان مرة أخرى، فسوف نقبل استقالته. وقد أُعلن ذلك رسميًا، ولذلك تراجعوا وخففوا من مواقفهم، ولم يعودوا يهددون بالاستقالة".
وكان مصدر مطلع قد أبلغ "إيران إنترناشيونال" في 31 مايو (أيار) الماضي أن بزشكيان أرسل رسالة رسمية إلى مكتب مجتبى خامنئي يطلب فيها التنحي عن منصبه.
وفي جزء آخر من تصريحاته، قال خرازي إن مجتبى خامنئي يعتزم أيضًا إجراء تغييرات في فريق التفاوض الإيراني والمجلس الأعلى للأمن القومي، مضيفًا: "يريد قائد الثورة تغيير المجلس الأعلى للأمن القومي. سيتم نقل السيد ذوالقدر، وسيحل محسن رضائي مكانه. كما أُبلغ السيد عراقجي بأنه لا يحق له التدخل في المفاوضات إطلاقًا".
وختم خرازي بالقول: "لقد دخل الساحة بحزم. أنتم لا تعرفون الحاج آقا مجتبى. والده، القائد الشهيد، كان يجامل أحيانًا، أما هو فلا يعرف المجاملة إطلاقًا"، على حد تعبيره.
مرت 6 سنوات على اختفاء جمشيد شارمهد، المواطن الإيراني-الألماني والمقيم في الولايات المتحدة، أثناء رحلة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. وبعد أيام، أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية أنها اعتقلته في إطار "عملية معقدة" ونقلته إلى طهران.
ووصف أفراد عائلته ومحاموه ومنظمات حقوق الإنسان ما جرى بأنه اختطاف عابر للحدود وانتهاك صارخ للقانون الدولي.
وكان شارمهد، المتحدث باسم «جمعية المملكة الإيرانية»، قد اتهمته السلطات الإيرانية بالضلوع في تفجير حسينية سيد الشهداء بمدينة شيراز عام 2008، وهي تهمة نفى صحتها باستمرار هو وعائلته.
وخلال فترة احتجازه، بثت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية اعترافات متلفزة له، في وقت حذرت فيه منظمات حقوقية مرارًا من احتمال انتزاع تلك الاعترافات تحت الإكراه والتعذيب.
وأصبحت قضية شارمهد واحدة من أبرز الأمثلة على ما يصفه منتقدون بـ «القمع العابر للحدود» الذي يمارسه النظام الإيراني.
وطالبت حكومتا ألمانيا والولايات المتحدة مرارًا بالإفراج عنه، كما أدان البرلمان الأوروبي، في عدة قرارات، طريقة تعامل السلطات الإيرانية معه. إلا أن الجهود الدبلوماسية لم تنجح في منع صدور حكم الإعدام بحقه أو وفاته أثناء الاحتجاز.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أعلنت السلطات الإيرانية وفاة جمشيد شارمهد. وأثارت طريقة إعلان الخبر، والروايات المتضاربة بشأن سبب الوفاة، وعدم تمكين عائلته أو الجهات المستقلة من الوصول إلى تفاصيل القضية، تساؤلات جديدة حول ما تعرض له داخل السجن.
وتحمّل عائلة شارمهد ومحاموه النظام الإيراني مسؤولية وفاته، ولا يزالون يطالبون بإجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين.
ولم تعد قضية شارمهد تقتصر على مصير سجين واحد، بل تحولت إلى رمز لاستخدام النظام الإيراني عمليات عابرة للحدود لاختطاف معارضين في الخارج، وتوظيف الملفات الأمنية في علاقاته الدولية.
ويرى خبراء حقوق الإنسان أن هذه القضية، إلى جانب قضايا مماثلة، تُعد من أبرز نماذج «القمع العابر للحدود» الذي مارسته الجمهورية الإسلامية خلال السنوات الأخيرة.
وبالتزامن مع الذكرى السادسة لاختطاف جمشيد شارمهد، نشرت "إيران إنترناشيونال" الفيلم الوثائقي الاستقصائي «أنا بخير.. سأتصل بك!»، من إخراج أردوان روزبه. ويستند الوثائقي إلى وثائق وبيانات رقمية، ومقابلات مع أفراد عائلة شارمهد، ومحاميه، ومسؤولين دوليين، وشخصيات سياسية، لإعادة بناء مسار القضية منذ لحظة اختطافه في الإمارات وحتى وفاته أثناء احتجازه في إيران، كما يتناول الأسئلة التي لا تزال بلا إجابة في هذه القضية.
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، توجه رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إلى طهران للقاء كبار المسؤولين الإيرانيين، وذلك بعد أسبوع واحد فقط من اجتماعه بالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ما أثار تكهنات بشأن احتمال اضطلاع بغداد بدور الوساطة بين طهران وواشنطن.
واستقبل الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، رئيس الوزراء العراقي في طهران؛ حيث أكد الجانبان تعزيز العلاقات الاستراتيجية وفتح آفاق جديدة للتعاون بين البلدين، مع الدعوة إلى الإسراع في تنفيذ الاتفاقات الثنائية، معتبرين أن توسيع التعاون يسهم في دعم الاستقرار والأمن والازدهار في المنطقة.
وقبل مغادرته إلى طهران، أوضح الزيدي، في منشور على منصة "إكس"، أن زيارته تهدف إلى بحث التعاون الثنائي والتشاور حول القضايا الإقليمية والجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، مؤكدًا أن العلاقات بين العراق وإيران يجب أن تقوم على الحوار والتفاعل والاحترام المتبادل.
ووفقًا لمصادر مطلعة، تسعى بغداد إلى الاستفادة من علاقاتها المتوازنة مع كل من طهران وواشنطن لمحاولة لعب دور الوسيط.
ولكن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، استبعد هذا الاحتمال، قائلاً إن إيران "لا تحتاج إلى وسيط مع الولايات المتحدة، فهناك أطراف كافية لنقل الرسائل، والمشكلة تكمن في النهج الأميركي". وأضاف أن استمرار واشنطن في ما وصفه بـ "المطالب المفرطة" يجعل أي تحرك في هذا الاتجاه غير ممكن.
من واشنطن إلى طهران
كان الزيدي قد التقى ترامب في البيت الأبيض، يوم 14 يوليو (تموز) الجاري، في زيارة أثارت استياء المسؤولين الإيرانيين؛ بسبب تزامنها مع تصاعد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران.
وخلال مؤتمر صحافي مشترك، أعلن الزيدي أن القوات الأميركية ستنسحب من العراق بحلول 30 سبتمبر (أيلول) المقبل، مقابل توسيع حضور الشركات الأميركية في البلاد، مؤكدًا أن العلاقة المستقبلية بين بغداد وواشنطن ستقوم على الشراكة الاقتصادية لا التعاون العسكري.
كما شدد على أن السلاح يجب أن يكون فقط بيد الدولة، في إشارة إلى خطة حكومته لنزع سلاح الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، واصفًا ذلك بأنه "قرار نهائي وليس خيارًا".
ومن جهته، وصف ترامب الزيدي بأنه "بطل جديد ورائع"، وقال إن إيران "لن تكون بعد اليوم عبئًا ثقيلاً على العراق".
وفي 16 يوليو الجاري، نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أميركيين أن استقبال الزيدي في البيت الأبيض بعد أيام من دفن علي خامنئي يعكس رؤية واشنطن بأن بغداد تقترب أكثر من الولايات المتحدة، وتبتعد تدريجيًا عن طهران.
وفي المقابل، انتقد علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، الزيارة، واصفًا الزيدي بأنه "رئيس وزراء شاب قليل الخبرة"، معتبرًا أن توقيت الزيارة إلى واشنطن كان "مؤسفًا وغير مناسب" وأضر بـ "مكانة العراق".
هل تنجح العراق في الوساطة؟
نشرت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية "إرنا" تقريرًا بعنوان "زيارة طهران.. أول اختبار للسياسة الخارجية للزيدي"، أشارت فيه إلى الانتقادات التي واجهها رئيس الوزراء العراقي بعد لقائه ترامب، معتبرة أن بعض المنتقدين يخشون من ابتعاد العراق عن حلفائه التقليديين واتجاهه نحو تعاون أوثق مع الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي المقابل، قال المحلل العراقي، باقر حكيم، إن الروابط التاريخية والثقافية والدينية والاقتصادية العميقة بين العراق وإيران تجعل من الصعب أن تبتعد بغداد فجأة عن طهران.
وتتزايد التساؤلات الآن حول ما إذا كان الزيدي سيؤدي دورًا دبلوماسيًا بين إيران والولايات المتحدة، وما إذا كانت جهود بغداد قادرة على المساهمة في تهدئة الأزمة الإقليمية، خاصة في ظل تصاعد الهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز.
وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد حذر في منشور على منصة "تروث سوشال"، من أن أي هجوم إيراني على السفن في مضيق هرمز سيقابله تدمير جسر أو محطة كهرباء داخل إيران.
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن جنوب إيران يعني إضعاف قدرات طهران عسكريًا وتقليص أوراقها على طاولة أي مفاوضات محتملة. في المقابل، ترى طهران أن توسيع نطاق الحرب إلى المنطقة يمثل استراتيجية للبقاء.
ولا يمكن اعتبار الضربات الأميركية المتكررة على جنوب إيران مجرد امتداد لمواجهة عسكرية أو ردًا على الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية.
فطبيعة الأهداف التي جرى استهدافها، من القواعد البحرية ومستودعات الأسلحة إلى الجسور وطرق الإمداد، تشير إلى أن واشنطن تنفذ استراتيجية لا تقتصر على تدمير أهداف آنية، بل تهدف إلى رسم ملامح ساحة المعركة المستقبلية.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن الضربات الأخيرة استهدفت مراكز القيادة، ومستودعات الأسلحة تحت الأرض، والبنية التحتية اللوجستية، والقدرات البحرية الإيرانية.
كما كشفت "سنتكوم" عن نشر أكثر من 50 ألف جندي أميركي في الشرق الأوسط، وهو انتشار يعكس، أكثر من كونه استعدادًا لعملية برية وشيكة، رغبة واشنطن في الإبقاء على جميع الخيارات العسكرية مفتوحة خلال المراحل المقبلة من الحرب.
الهدف الأول: إنشاء منطقة عازلة في الجنوب
يتمثل الهدف الأول في تقليص قدرة إيران على تهديد السفن الحربية الأميركية في الخليج.
فاستهداف الرادارات، ومنظومات الصواريخ الساحلية، والمراكز البحرية، ومنشآت الدعم، يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف قدرة إيران على رصد واستهداف القطع البحرية الأميركية، ويمنح البحرية الأميركية حرية أكبر في التحرك داخل المياه الخليجية.
وفي هذا السيناريو، دون الحاجة إلى احتلال أراضٍ إيرانية، تتشكل عمليًا منطقة عازلة في جنوب البلاد، تبقى تحت السيادة الإيرانية، لكنها تصبح أقل قدرة على تهديد القوات الأميركية.
وذكرت صحيفة "الغارديان" أن هدف إدارة الرئيس دونالد ترامب لا يقتصر على الرد على الهجمات الإيرانية، بل يشمل أيضًا انتزاع ورقة مضيق هرمز من يد طهران قبل أي مفاوضات محتملة، بحيث تدخل إيران أي حوار وهي في موقع أضعف، دون القدرة على استخدام التهديد بإغلاق المضيق كورقة ضغط.
الهدف الثاني: استنزاف الشبكة اللوجستية في الجنوب
الهدف الثاني يتمثل في تقليص قدرة النظام الإيراني تدريجيًا على الحفاظ على سيطرته في جنوب البلاد.
فاستهداف الجسور والطرق وشبكات النقل لا يعني تدمير منشآت فقط، بل هو بمثابة "حرب استنزاف" تعرقل نقل القوات والمعدات والوقود والإمدادات من بقية أنحاء إيران إلى الجنوب، ما يقلل مع مرور الوقت من قدرة السلطات على الاستجابة السريعة.
وأشارت "واشنطن بوست" إلى أن الحفاظ على التفوق البحري الأميركي في المنطقة سيكون أكثر صعوبة دون إضعاف البنية التحتية الداعمة للقوات الإيرانية، معتبرة أن استهداف شبكات النقل جزء من استراتيجية طويلة الأمد لاستنزاف القدرات اللوجستية الإيرانية، وليس مجرد إجراء تكتيكي.
الهدف الثالث: الحفاظ على الخيارات المستقبلية
رغم الانتشار العسكري الأميركي الواسع، لا يعني ذلك أن واشنطن قررت شن عملية برية داخل إيران، إذ لا يزال معظم الخبراء العسكريين يرون هذا الخيار مكلفًا للغاية.
ولكن هذا الانتشار يمنح الولايات المتحدة مرونة أكبر في حال توسعت الحرب؛ إذ يرى عدد من المحللين أن السيطرة على بعض الجزر الإيرانية في الخليج أكثر واقعية من التوغل داخل الأراضي الإيرانية، ويمكن أن تشكل ضغطًا عسكريًا وسياسيًا إضافيًا على طهران.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الضربات الأخيرة باعتبارها محاولة لتغيير ميزان القوى تدريجيًا في جنوب إيران، عبر تجريد الجمهورية الإسلامية من أدوات قوتها، أكثر من السعي لاحتلال أراضٍ.
عقيدة النظام الإيراني
إذا كانت الولايات المتحدة تعمل على تشكيل ساحة المعركة المقبلة، فإن إيران تعتمد بدورها استراتيجية واضحة تقوم على رفع كلفة الحرب بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.
وأفادت "رويترز" بأن طهران تسعى من خلال توسيع الهجمات على دول المنطقة وتهديد منشآت الطاقة إلى زيادة كلفة استمرار الحرب على واشنطن وشركائها العرب.
وفي هذا السياق، يمكن أيضًا تفسير مقتل جنديين أميركيين في الأردن؛ إذ لا تهدف هذه العمليات إلى إلحاق خسائر عسكرية فقط، بل إلى خلق ضغوط سياسية على البيت الأبيض وحكومات المنطقة، بحيث يصبح استمرار الحرب أكثر كلفة من العودة إلى المفاوضات.
وترى "أسوشيتد برس" أن الطرفين تجاوزا بالفعل كثيرًا من الخطوط الحمراء؛ فالولايات المتحدة وسّعت هجماتها لتشمل البنية التحتية اللوجستية، بينما نقلت إيران ساحة المواجهة من داخل إيران إلى مختلف أنحاء المنطقة.
لماذا لا يزال ترامب يتحدث عن اتفاق؟
رغم استمرار العمليات العسكرية، لا يزال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يتحدث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران.
وقد نشر مؤخرًا نتائج استطلاع رأي أظهرت أن أكثر من 60 في المائة من الأميركيين يؤيدون التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.
كما أفاد مركز بيو للأبحاث بأن غالبية الأميركيين لا تؤيد توسيع الحرب أو استمرارها.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الهدف الأميركي، في المرحلة الحالية على الأقل، ليس بالضرورة تغيير النظام، بل ممارسة ضغوط عسكرية متزايدة تدفع إيران إلى أي مفاوضات مستقبلية وهي تمتلك أوراقًا أقل بكثير.
حرب من أجل البقاء
في المقابل، لا تنظر إيران إلى هذه الحرب باعتبارها مجرد مواجهة خارجية، بل كجزء من استراتيجية الحفاظ على بقائها.
فالسلطات تدرك أن المجتمع في زمن الحرب ينشغل بالأمن والمعيشة والبقاء، ما يقلل احتمالات اندلاع احتجاجات واسعة ضد النظام.
وقد أظهرت التجارب السابقة أن تصاعد الأزمات الاقتصادية والمعيشية كان غالبًا ما يترافق مع ارتفاع خطر الاحتجاجات الشعبية، لكن في أجواء الحرب يستطيع النظام إرجاع جزء كبير من هذه الضغوط إلى ظروف الصراع، مع تشديد القبضة الأمنية.
وفي هذا الإطار، تمثل أزمة الطاقة أهم ورقة ضغط متبقية لدى طهران.
وتعتقد القيادة الإيرانية أنه إذا فقدت ورقة تهديد صادرات النفط وأمن الطاقة ومضيق هرمز، فإن الضغوط الخارجية والاحتجاجات الداخلية قد تتلاقى في وقت واحد ضد النظام.
ولهذا، لا تقتصر استراتيجية النظام الإيراني على الدفاع عن الحدود، بل تشمل أيضًا الدفاع عن بقائه السياسي.
فاستهداف منشآت الطاقة، وتهديد الملاحة البحرية، وتوسيع نطاق الحرب إلى دول المنطقة، كلها محاولات لكسب الوقت، على أمل التوصل إلى اتفاق أو منع تزامن الضغوط الخارجية مع الاحتجاجات الداخلية.
وفي المقابل، تقوم الاستراتيجية الأميركية على استنزاف أدوات القوة الإيرانية تدريجيًا، من تقليص القدرات البحرية واللوجستية، إلى الحد من أوراق الطاقة ومضيق هرمز.
ومن هذا المنظور، لم تعد المنافسة تدور حول جغرافيا الحرب فحسب، بل حول الزمن والبقاء؛ إذ تسعى واشنطن إلى تقليص قدرة النظام الإيراني على ممارسة نفوذه، بينما تحاول طهران، عبر توسيع أزمة الطاقة ونقل كلفة الحرب إلى الآخرين، منع تلاقي الضغوط الخارجية مع السخط الداخلي.
وربما لهذا السبب، تبدو هذه الحرب، أكثر من كونها معركة على الأرض، صراعًا على الوقت والبقاء.