وذكرت "رويترز" أن هذه الصواريخ تشمل بشكل رئيسي منظومة الصواريخ التكتيكية للجيش الأميركي "أتاكمز"، والصاروخ الهجومي الدقيق "بي آر إس إم". وقال مصدران إن الولايات المتحدة استهلكت "تقريبًا كامل" مخزونها من هذين النوعين من الصواريخ، وهي معلومات لم يُكشف عنها سابقًا.
وأضافت الوكالة أن هذه الذخائر بعيدة المدى، التي تتجاوز تكلفة الصاروخ الواحد منها مليون دولار، تُعد من أهم أسلحة الترسانة الأميركية؛ إذ تتيح تنفيذ ضربات دقيقة من مسافات آمنة. وقد لعبت صواريخ "أتاكمز" التي زوّدت بها واشنطن أوكرانيا دورًا محوريًا في الحرب، إذ مكّنت القوات الأوكرانية من استهداف مواقع داخل الأراضي الروسية. أما "بي آر إس إم" فهو الجيل الأحدث والأكثر تطورًا، ومن المقرر أن يحل تدريجيًا محل صواريخ "أتاكمز" ذات المدى الأقصر.
ويعني الانخفاض الحاد في مخزون هذه الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى أنه إذا قرر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، استئناف حملة عسكرية واسعة ضد إيران، فقد يضطر إلى الاعتماد بصورة أكبر على عمليات القصف بواسطة الطائرات المأهولة، وهو خيار ينطوي على مخاطر أكبر على القوات الأميركية.
ترامب ينفي وجود نقص في الذخائر
رفض ترامب التقارير التي تحدثت عن نقص الذخائر الأميركية، وواصل توجيه تهديداته لإيران.
وامتنعت المصادر عن الكشف عن العدد الدقيق المتبقي من صواريخ "أتاكمز" و"بي آر إس إم".
وكان ترامب قد بدأ الحرب ضد إيران، بالتنسيق مع إسرائيل، في 28 فبراير (شباط) 2026، متوقعًا أن تكون قصيرة الأمد، إلا أن استمرارها لعدة أشهر دفع ثلاثة مصادر مطلعة إلى التحذير من أن استنزاف المخزون الصاروخي قد يحد من قدرة الولايات المتحدة على ردع خصومها مثل روسيا والصين.
وقال مصدر رابع لرويترز إن القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" استهلكت تقريبًا جميع الصواريخ البرية التي كانت بحوزتها قبل اندلاع الحرب، لكنها تمكنت من تعويض جزء من النقص عبر نقل ذخائر من مخزونات عسكرية موجودة في مناطق أخرى من العالم.
وتحدثت جميع المصادر إلى "رويترز"، شريطة عدم الكشف عن هويتها بسبب حساسية الموضوع.
رد البيت الأبيض
وفي رده على استفسار "رويترز" بشأن وضع المخزون الصاروخي، نشر البيت الأبيض بيانًا لترامب جاء فيه: "تمتلك الولايات المتحدة ذخائر أكثر بكثير من أي دولة أخرى، وأكثر بكثير مما نحتاج إليه".
وأضاف ترامب: "شركاتنا الدفاعية تنتج الذخائر الآن بوتيرة غير مسبوقة، كما توسع مصانعها ومنشآتها بأسرع معدل شهدناه على الإطلاق".
ويرى محللون أن إنتاج بعض أنواع الذخائر، مثل قذائف المدفعية وعدد من الصواريخ، بلغ مستويات قياسية، لكنهم يحذرون من أن هذه الوتيرة قد لا تكون كافية لتلبية احتياجات حرب طويلة الأمد.
ولم ترد شركة "لوكهيد مارتن"، المصنعة لصواريخ "أتاكمز" و"بي آر إس إم" ومنظومة "ثاد" للدفاع الصاروخي على الارتفاعات العالية، على أسئلة "رويترز" بشأن تصريحات ترامب أو حجم المخزونات.
كما امتنعت شركة "ريثيون"، المصنعة لصواريخ "توماهوك" وصواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومة "باتريوت"، عن التعليق.
وقال المتحدث الكبير باسم "البنتاغون"، شون بارنيل، لـ "رويترز": "الجيش الأميركي هو أقوى قوة عسكرية في العالم، ويمتلك كل ما يحتاج إليه لتنفيذ المهام في الزمان والمكان اللذين يحددهما الرئيس. وقد نفذنا عمليات ناجحة في عدة قيادات قتالية، مع ضمان استمرار امتلاك الجيش لترسانة عميقة تكفل حماية الشعب الأميركي ومصالحه".
قلق داخل الإدارة الأميركية
بحسب مصادر "رويترز"، جرى خلال الأسبوع الماضي تداول بيانات حول انخفاض مخزونات الصواريخ بين كبار مسؤولي الإدارة الأميركية، وبرزت هذه القضية في نقاشات حادة بشأن مواصلة الهجمات على إيران، تمحورت حول المدة التي تستطيع فيها الولايات المتحدة الاستمرار في العمليات العسكرية دون استنزاف خطير لمخزونها.
وقال أحد المصادر إن انخفاض مخزون صواريخ "أتاكمز" و"بي آر إس إم" يعود إلى قرار إدارة ترامب تجنب الخيارات الأكثر خطورة، مثل استخدام الطائرات المأهولة لقصف أهداف داخل إيران.
ويؤكد خبراء عسكريون أن هذه الصواريخ، التي تسمح بضرب أهداف بعيدة دون تعريض الطيارين للخطر، ستكون ذات أهمية كبيرة في أي مواجهة محتملة مع دولة تمتلك دفاعات جوية قوية مثل الصين.
كما أشار تقرير صادر في مارس (آذار) عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "سي إس آي إس" (CSIS) إلى أن هذه الصواريخ استُخدمت في ضرب أهداف داخل إيران.
وأضاف التقرير أن مخزون صواريخ "بي آر إس إم" كان محدودًا منذ البداية لأنها منظومة حديثة نسبيًا، لكن الجيش الأميركي تعاقد على إنتاج كميات كبيرة منها ابتداءً من عام 2027. كما أعلن الجيش أن صواريخ "أتاكمز" ستخرج تدريجيًا من الخدمة ليحل محلها "بي آر إس إم".
تحذيرات بشأن تراجع مخزون الدفاعات الجوية
قال مصدران مطلعان إن القادة العسكريين حذروا ترامب مرارًا خلال الأسابيع الأخيرة من الانخفاض الحاد في مخزون الأسلحة الدفاعية، وعلى رأسها صواريخ الاعتراض التابعة لمنظومة "باتريوت" المستخدمة للتصدي للصواريخ الباليستية.
وأفادت عدة وسائل إعلام الأسبوع الماضي بأن ترامب أحجم جزئيًا عن تنفيذ هجوم واسع جديد على إيران بسبب هذه التحذيرات.
لكن مسؤولًا أميركيًا رفض هذه الرواية، مؤكدًا أن السبب الرئيسي لتراجع ترامب كان الضغوط التي مارستها الدول الخليجية.
انخفاض مخزون أنظمة الدفاع الصاروخي
قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "سي إس آي إس" الأسبوع الماضي أن نحو 65 في المائة من صواريخ اعتراض "باتريوت" استُهلكت بين مارس ويوليو (تموز) الماضيين، بينما انخفض مخزون صواريخ منظومة "ثاد" بنسبة لا تقل عن 38 في المائة مقارنة ببداية الحرب.
وتُعد منظومتا "باتريوت" و"ثاد" من أهم أنظمة الدفاع الصاروخي الأميركية، والمسؤولتين عن رصد واعتراض الصواريخ القادمة.
ورغم أن "رويترز" لم تتمكن من الاطلاع مباشرة على البيانات الداخلية، فإن مصدرين أكدا أن هذه التقديرات تتوافق مع معلومات الحكومة الأميركية.
وأضاف أحد المصادر أن الولايات المتحدة استهلكت منذ بداية الحرب ما يقل قليلًا عن نصف المخزون العالمي من صواريخ "توماهوك" المجنحة.
ولم تتمكن "رويترز" من التحقق من هذه المعلومة بشكل مستقل.
ويُعد صاروخ "توماهوك"، الذي يُطلق من المدمرات والطرادات والغواصات التابعة للبحرية الأميركية، منذ سنوات السلاح الرئيسي للبحرية الأميركية لتنفيذ ضربات ضد أهداف شديدة التحصين دون تعريض حياة الطيارين للخطر.
وفي هذا السياق، توصلت شركة "ريثيون" مؤخرًا إلى اتفاق أولي متعدد السنوات مع وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لزيادة إنتاج صواريخ "توماهوك" وغيرها من الذخائر، في إطار جهود واشنطن لإعادة بناء مخزونها العسكري.