واليوم، يتراوح سعر الدولار في السوق الحرة حول 190 ألف تومان، بينما تحاول السلطات الإيرانية الدفاع عن حاجز 200 ألف تومان، في وقت يستعد فيه المواطنون، المثقلون بتجارب سابقة مريرة، لاحتمال انهيار هذا الحاجز. والسؤال لم يعد: هل سيُكسر هذا المستوى؟ بل: متى سيحدث ذلك؟
التضخم يرسم مسار الدولار
إن احتساب القيمة الحقيقية للدولار في الاقتصاد الإيراني يعتمد على إضافة معدل التضخم السنوي إلى سعر الدولار في العام السابق.
وتشير أحدث بيانات مركز الإحصاء الإيراني إلى أن التضخم السنوي حتى الشهر الماضي بلغ 88.6 في المائة. وكان الدولار في الفترة نفسها من العام الماضي يُتداول عند نحو 93 ألف تومان. وبإضافة التضخم يصبح السعر النظري نحو 175 ألف تومان، بينما بلغ السعر الفعلي في السوق آنذاك نحو 180 ألف تومان، ما يعني أن السوق كان يتحرك تقريبًا وفق المسار الذي فرضه التضخم.
إن هذا النموذج أثبت دقته حتى في فترات التقلبات الحادة. فعندما هبط الدولار مؤقتًا إلى 153 ألف تومان بعد إعلان وقف إطلاق النار والتفاهمات السياسية، توقع البعض استمرار الانخفاض، لكن حسابات التضخم كانت تشير إلى أن السعر الحقيقي لن ينخفض عن 175 ألف تومان، وهو ما حدث بالفعل.
190 ألف تومان.. ليس فقاعة
ومع إضافة شهر آخر من التضخم، من المتوقع أن تتراوح القيمة الحقيقية للدولار بين 187 و191 ألف تومان، وهو ما يتوافق تقريبًا مع تداولاته الحالية بين 188 و195 ألف تومان.
ويخلص إلى أن مضاعفة سعر الدولار خلال عام واحد لا يمكن تفسيرها بالمضاربة أو الذعر أو الحملات الإعلامية، بل تعكس ببساطة تضاعف الأسعار في الاقتصاد، مؤكدًا أن الدولار لا يتحرك بمعزل عن التضخم، وأن سعره الحالي لا يتضمن فقاعة سعرية.
تقديرات متحفظة
إن هذه التقديرات تبقى متحفظة لسببين:
* أنها تأخذ التضخم وحده في الحسبان، دون احتساب آثار الحرب، وتعطل الصادرات، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وارتفاع مخاطر الاستثمار.
* أن معدل التضخم الرسمي أقل من التضخم الذي يشعر به المواطنون في حياتهم اليومية، ما يعني أن القيمة الفعلية للدولار قد تكون تجاوزت بالفعل 200 ألف تومان.
وبحسب هذا التقدير، فإن 190 ألف تومان يمثل الحد الأدنى للقيمة الحقيقية للدولار، وليس سقفًا لسعره.
آخر خطوط الدفاع
إن تجاوز الدولار مستوى 200 ألف تومان سيؤدي إلى رفع توقعات الأسعار في مختلف القطاعات، وسيجعل العودة إلى ما دون هذا المستوى أكثر صعوبة وكلفة، لذلك أصبح الدفاع عن هذا الرقم أولوية سياسية واقتصادية للبنك المركزي.
ويرى أن البنك المركزي، عندما يعجز عن وقف صعود الدولار، يحاول فقط تأخير تجاوز الحواجز النفسية، كما فعل سابقًا عند مستوى 100 ألف تومان، لكن تلك المعركة كانت مدعومة بعائدات نفطية أكبر، بينما تجري المواجهة الحالية في ظل الحرب، وتراجع الصادرات النفطية، والحصار البحري.
ثلاثة سيناريوهات
السيناريو الأول.. استمرار الوضع الحالي
إذا استمر التضخم الشهري بين 7 و8 في المائة، فمن المتوقع أن يتجاوز الدولار 200 ألف تومان خلال شهر أغسطس (آب) المقبل.
وإذا استمر التضخم عند:
* 7 في المائة شهريًا، فقد يصل الدولار إلى 300 ألف تومان بحلول الشتاء.
* 6 في المائة شهريًا، فقد يبلغ هذا المستوى مع حلول عيد النوروز.
* 5 في المائة شهريًا، فقد يصل إليه في ربيع 2027.
السيناريو الثاني.. اتساع الحرب
إن اتساع نطاق الحرب سيهدد جنوب إيران، الذي تمر عبره نحو 90 في المائة من تجارة البلاد الخارجية، بما يشمل الموانئ ومنشآت النفط والغاز.
ويشير إلى تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التي تفيد بأن توقف صادرات النفط وانهيار طرق التجارة قد يؤديان إلى:
* انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 10 في المائة.
* انضمام 4 ملايين شخص إضافيين إلى دائرة الفقر.
وفي هذا السيناريو، قد يصل الدولار إلى 250 ألف تومان بحلول مطلع شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، مع احتمال تجميد الأسعار مؤقتًا إذا توقفت الأسواق عن العمل، قبل أن تقفز بقوة عند إعادة فتحها.
كما أن الدمار الواسع قد يدفع الاقتصاد الإيراني إلى حافة "التضخم المفرط".
السيناريو الثالث.. وقف الحرب والعودة إلى المفاوضات
حتى إذا توقفت الحرب واستؤنفت المفاوضات، يتوقع الكاتب استمرار حالة عدم اليقين، مشيرًا إلى أن التجربة السابقة أظهرت أن رفع العقوبات على الورق لا يعني تدفق الأموال أو انتعاش الاقتصاد.
وفي هذه الحالة سيستمر:
* ضعف الاستثمار.
* تباطؤ الإنتاج.
* العجز في الموازنة.
* طباعة النقود.
ما يعني أن صعود الدولار سيتأخر لفترة قصيرة فقط قبل أن يستأنف ارتفاعه.
الدفاع عن رقم ثابت في مواجهة خط متحرك
إن تذبذب السعر خلال الأيام الأخيرة بين 188 و195 ألف تومان؛ وهو تذبذب يعود جزء منه إلى تلاشٍ واعد وواعٍ من صانع القرار لجعل المدخرات الصغيرة للمواطنين غير آمنة ولجني الأرباح من تقلبات السوق.
ولكن التدخل لا يغير خط القيمة؛ بل يؤخر السوق عنها مؤقتًا فقط، بينما يتقدم الخط- مع القليل من التأخير- متزامنًا مع التضخم. إن الدفاع عن رقم ثابت في مواجهة خط متحرك هو مجرد شراء للوقت، وفي كل مرة تتأخر فيها هذه القفزة، تكون القفزة التالية أكبر.
ويأتي هذا الدفاع هذه المرة في ظروف يتم فيها سحب كل دولار مجهد من بقايا الاحتياطيات التي سنحتاج إليها غدًا لاستيراد الأدوية والسلع الأساسية.
وبناءً على ذلك، إذا استمر هذا التآكل الحالي، فإن دولار الـ 200 ألف تومان سيتحقق في بداية شهر أغسطس المقبل. وإذا اتسعت رقعة الحرب، فإن التوقف الكامل للاقتصاد سيؤخر تجاوز هذا حد، وقد يظل الدولار تحت الـ 200 ألف تومان حتى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، بل وحتى أكتوبر (تشرين الأول)، لكنه سيعاود الارتفاع بشكل انفجاري بمجرد إعادة الفتح.
وفي حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، فإن هذا الجدول الزمني لن يتزحزح إلا بضعة أسابيع فقط. إن الساتر الذي قاوم لمدة 15 عاماً في الماضي، صمد هذه المرة لمدة 15 شهراً فقط، وفي حال استمرار الاتجاه الحالي، فإن الساتر التالي سيسقط في نصف هذه المدة. والخاسر الأكبر في كل المسارات الثلاثة هو من يحتفظ بمدخراته بالتومان الإيراني.