• فارسی
  • English
Brand
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • المظهر
  • اللغة
    • فارسی
    • English
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
جميع الحقوق محفوظة، يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر.
volant media logo

تكنولوجيا "الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية".. هل تُحرر الإيرانيين من "السجن الرقمي"؟

مهدي صارمي فرأحمد أحمديان
مهدي صارمي فر,
أحمد أحمديان
27 يونيو 2026، 17:09 غرينتش+1

قد تتمكن تكنولوجيا "الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية" يومًا ما من مساعدة الإيرانيين في التغلب على جزء من الحجب والحصار الرقمي الذي يفرضه النظام. ومع ذلك، ورغم الآمال الواسعة المعقودة عليها، فإنها في الوضع الراهن لا تشكل حلاً عمليًا لمواجهة قطع الإنترنت في إيران.

لقد انقطع الوصول إلى الإنترنت في إيران لأشهر طويلة؛ بدأ ذلك أولاً خلال احتجاجات ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، ثم خلال الحرب الأخيرة في مارس (آذار) الماضي. وأخيرًا، وبعد 88 يومًا من الانقطاع الشامل، أُعيد تشغيله بشكل محدود.

وعلى الرغم من أن الاتصال الدولي أصبح ممكنًا للعديد من مستخدمي الإنترنت الثابت والمنزلي، فإن الشبكة لا تزال تواجه اضطرابات، وعدم استقرار، ورقابة واسعة النطاق. لقد مر أكثر من 100 يوم على بدء القطع الواسع للإنترنت، لكن مسار استعادة الوصول المحدود جاء انتقائيًا وتحت رقابة صارمة.

من الوصول المشروط القائم على التحقق من الهوية، ونقل الأعمال التجارية إلى المنصات المحلية، وإنشاء بطاقات اتصال (سيم كارت) أو إنترنت أبيض للوصول إلى الشبكة، وصولاً إلى آليات أخرى؛ يبدو أن النظام الإيراني يعتزم الحفاظ على هيكل الرقابة متعدد الطبقات والإشراف والتحكم في الاتصالات.

إن الشبكة الوطنية للمعلومات، والبوابات المركزية للاتصال بالإنترنت العالمي، والإعدادات المحكومة لشبكات الهاتف المحمول، وأنظمة التحقق من الهوية، وآليات تسجيل الأجهزة، كلها أدوات تتيح للنظام تقييد أو قطع الوصول العام إلى الإنترنت العالمي، في حين يحافظ على قنوات اتصال مستقرة لمجموعات مختارة.

ولهذا السبب، حظيت تكنولوجيا الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية (D2C) باهتمام متزايد من الإيرانيين. ويأمل الكثيرون أن يوفر إمكان الاتصال المباشر للهاتف المحمول بالقمر الصناعي- دون الحاجة إلى أطباق استقبال، أو أجهزة طرفية، أو مشغل محلي، أو بوابات خاضعة لسيطرة الحكومة- سبيلاً للتحرر مما يعتبرونه "السجن الرقمي" للنظام الإيراني.

وقد بلغت أهمية هذا الموضوع حدًا جعل وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) تجري محادثات مع شركة "إسبايس إكس" حول تفعيل خدمة الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية للمواطنين الإيرانيين. وذكرت وكالة "رويترز" للأنباء أن "إسبايس إكس" طلبت مبلغًا يصل إلى 500 مليون دولار لإطلاق هذه الخدمة، و100 مليون دولار شهريًا لتشغيلها.

ولكن السؤال الأساسي هو: هل يمكن للإصدارات الحالية من تكنولوجيا الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية أن تلبي مثل هذه التوقعات على مستوى مساحة إيران؟

الإجابة حاليًا هي "لا". فالأنظمة الحالية ذات قدرة استيعابية محدودة، وتعد ضحية سهلة للتشويش والتداخل في الموجات اللاسلكية، كما تنطوي على مخاطر للمواطنين الذين قد يتم كشف هوياتهم عبر نظام تسجيل الأجهزة وشبكة الهاتف المحمول في إيران.

ومع ذلك، تظل الأسئلة الجوهرية قائمة: هل يمكن للجيل الحالي من تكنولوجيا "دايركت تو سيل" (Direct-to-Cell) أن يلبي حقًا هذه التوقعات على نطاق واسع في إيران؟ وهل تظل هذه التكنولوجيا مجرد أداة اتصال محدودة وحالات طوارئ، أم يمكن أن تتحول إلى مخرج قابل للتوسع لملايين المستخدمين الإيرانيين؟ وإذا عملت الأجيال القادمة من هذه التكنولوجيا دون الاعتماد على أبراج التغطية والمشغلين المحليين، فهل سينهار الجدار الرقمي لإيران؟

التبعية لمشغلي الهاتف المحمول وسيناريو الشريحة الإلكترونية (eSIM) الخارجية

في خدمة "ستارلينك" التقليدية، يتصل القمر الصناعي بجهاز طرفي أرضي مخصص (وهو طبق التقاط إشارة الأقمار الصناعية، الذي يتعين على المستخدمين توفيره، وتركيبه، وصيانته، وإخفاؤه عن أعين السلطات)، ثم يتصل الهاتف المحمول بمودم "ستارلينك" عبر "الواي فاي".

أما تكنولوجيا "دايركت تو سيل"، فقائمة على فكرة مختلفة؛ حيث يلعب الهاتف المحمول نفسه دور المستقبل والمرسل للاتصال الفضائي. والإصدارات الحالية من هذه التكنولوجيا ليست في الغالب أنظمة إنترنت مستقلة عبر الأقمار الصناعية، بل هي مكملة لتغطية شبكة مشغلي الهواتف المحمولة في كل منطقة، وتحول القمر الصناعي عمليًا إلى برج اتصالات فضائي مهمته الأساسية توفير التغطية في المناطق التي تفتقر إلى الإرسال أو تعاني من تغطية ضعيفة.

إن استخدام ترددات مستقلة في النطاق (S-band) ونشر الأقمار الصناعية في مدار منخفض جدًا حول الأرض (VLEO)- أي أكثر قربًا من سطح الأرض- يعد من المسارات التي يمكن أن تجعل تكنولوجيا "دايركت تو سيل" أكثر عملية لحل مشكلة إيران.

وفي هذا السيناريو، يقوم المشغلون الشركاء لستارلينك مثل (T-Mobile) أو (Kyivstar) أو (One NZ) في نيوزيلندا، بإعلان إيران منطقة تفتقر إلى التغطية الأرضية ووضعها تحت تغطية خدماتهم. من الناحية السياسية والفنية، يعد هذا النموذج هو الأقرب لما يتوقعه الكثير من المواطنين الإيرانيين من هذه التكنولوجيا. وفي هذه الحالة، فإن الهاتف المحمول الذي يستخدم بطاقة اتصال تقليدية أو شريحة إلكترونية (eSIM) تابعة لأحد هؤلاء المشغلين، يمكنه الاتصال من داخل إيران بالأقمار الصناعية من الجيل الجديد لشركة "إسبايس إكس". وتشير التقارير إلى أن نحو 700 قمر صناعي من هذا النوع موجودة حاليًا في المدار.

ولكن تحقيق هذا السيناريو لا يعتمد فقط على إرادة أو قرار "إسبايس إكس"؛ بل يتطلب سلسلة من الاشتراطات تشمل الطيف الترددي، والتراخيص التنظيمية، والهواتف المتوافقة، والمودمات، والهوائيات، وقدرة إرسال الإشارات، والرقائق الإلكترونية التي تدعم نطاقات الأقمار الصناعية الجديدة. وتلعب شركات مثل "كوالكوم، وميدياتيك، وآبل، وسامسونغ، وغوغل" دورًا حاسمًا في هذا المسار؛ فإذا لم تكن المكونات الصلبة (الأجهزة) للهواتف المحمولة جاهزة، فلن تتحول حتى أكثر المجموعات الفضائية تقدمًا إلى اتصال عملي للمستخدمين داخل إيران.

وحتى في هذا السيناريو المتفائل، تظل هناك ثلاث عقبات رئيسية: السعة المحدودة، واحتمال تداخل الموجات اللاسلكية، وخطر تحديد هويات المستخدمين عبر نظام تسجيل الأجهزة ونظام "همتا".

محدودية السعة في المناطق المكتظة بالسكان

العقبة الجدية الأولى أمام توسيع تكنولوجيا "دايركت تو سيل" في إيران هي سعتها الاستيعابية. فهذه التكنولوجيا لم تُصمم لتكون بديلاً للإنترنت في المدن، بل تهدف إلى توفير حد أدنى من الاتصال في المناطق التي تفتقر إلى التغطية الأرضية أو تكون التغطية فيها ضعيفة.

لكن القضية في إيران لا تقتصر على اتصال بضعة مستخدمين على الطرق أو في المناطق الجبلية، بل تتعلق بقطع الاتصال في مدن قد يحتاج فيها مئات الآلاف من الأشخاص في الوقت نفسه إلى تطبيقات المراسلة، والمكالمات الصوتية والمرئية، والأخبار، والخرائط، والبريد الإلكتروني، والخدمات المالية، وإمكانية إرسال الصور ومقاطع الفيديو.

وفي بعض الاختبارات الأولية، كان عرض النطاق الترددي المسجل للاتصال الواحد نحو 14 ميغابت في الثانية. لكن هذا الرقم لا ينبغي مقارنته بسرعات الإنترنت في المدن؛ فعمليًا، يجب تقسيم هذا النطاق الترددي المحدود بين جميع المستخدمين المتواجدين في نطاق تغطية كل قمر صناعي.

ولفهم أبعاد المشكلة بشكل أفضل، في مدينة مثل طهران، إذا احتاج 1 في المائة فقط من السكان في نفس الوقت إلى اتصال بدائي للغاية بسرعة 1 ميغابت في الثانية، فإن السعة المطلوبة للشبكة ستكون حوالي 99 غيغابيت في الثانية. هذا الرقم، مقارنة بالسعة الحالية لكل شعاع نشط من تكنولوجيا "دايركت تو سيل" (والتي تتراوح بين 4 و17 ميغابت في الثانية)، وحتى مقارنة بالرؤية المتفائلة التي تتطلع لـ 150 ميغابت في الثانية في الأجيال القادمة، يظهر فجوة تتضاعف مئات المرات.

تداخل الموجات اللاسلكية الناجم عن الإشارات الأرضية

حتى لو تمكنت تكنولوجيا "دايركت تو سيل" من التغلب على مشاكل السعة والتبعية للمشغلين المحليين، فإنها ستظل تواجه عقبة تعود جذورها إلى فيزياء الموجات اللاسلكية. لإجراء الاتصال، يجب على الهاتف المحمول استقبال إشارة ضعيفة للغاية من قمر صناعي يتحرك على بعد مئات الكيلومترات فوق الأرض، في حين أنه يعمل في نفس الوقت في بيئة مليئة بأبراج الاتصالات، وأجهزة الإرسال الأرضية، والإشارات المحلية الأكثر قوة بكثير.

في مثل هذه الظروف، تحدد النسبة بين الإشارة المطلوبة وبين الضوضاء والتداخل البيئي ما إذا كان المستقبل قادرًا أساسًا على رصد إشارة القمر الصناعي أم لا. فبرج الاتصالات التابع لشركات مثل "همراه أول" أو "إيرانسل" والموجود بالقرب من المستخدم، قد يرسل إشارة أقوى بكثير من إشارة القمر الصناعي، لدرجة تجعل مستقبل الهاتف عاجزًا عمليًا عن رصد الإشارة الأضعف أو إقامة اتصال مستقر معها.

وفي هذا الوضع، لا تحتاج الحكومة لترصد القمر الصناعي واستهدافه؛ بل يكفيها استخدام الأبراج وأجهزة الإرسال والتحكم في طاقة شبكة الهاتف المحمول لجعل البيئة اللاسلكية المحيطة بالمستخدم غير مناسبة للاتصال الفضائي.

وبالنسبة لإيران، يمكن أن يكون هذا النوع من التشويش سريعًا، وموضعيًا، ومنخفض التكلفة. ومِن ثمّ حتى لو كان القمر الصناعي خارج نطاق وصول الحكومة، فإن هاتف المستخدم لا يزال على الأرض وفي بيئة يمكن التلاعب بها. قد تقلل الأجيال القادمة المزودة بطيف ترددي مخصص ومودمات وبروتوكولات أكثر تقدمًا ومقاومة جزءًا من هذه الحساسية، لكنها لن تقضي عليها تمامًا.

تسجيل الأجهزة وتحديد هويات المستخدمين

لكن السؤال الأمني الأكثر أهمية هو: إلى أي مدى يمكن تحديد هوية المستخدم داخل إيران عند استخدام تكنولوجيا "دايركت تو سيل"؟
في إيران، لا يعد الهاتف المحمول مجرد أداة اتصال؛ فبطاقة "السيم كارد"، وهوية المشترك، ومعرّف الجهاز، والهوية الحقيقية للمستخدم مرتبطة ببعضها البعض في عدة طبقات. يحتوي كل هاتف محمول على معرّف صلب فريد يُعرف بـ (IMEI)، والذي يمثل هوية الجهاز في شبكات الهاتف المحمول. ويمكن لنظام "همتا" ربط هذا المعرّف ببطاقة السيم كارت، وسجل التفعيل، والملكية، وفي كثير من الحالات، بالهوية الحقيقية للمستخدم.

وفي ظل هذه الظروف، فإن استخدام "سيم كارد" أو شريحة إلكترونية (eSIM) خارجية للاتصال الفضائي لا يعني بالضرورة بقاء المستخدم مجهول الهوية. فإذا حاول هاتف ذو معرّف (IMEI) معروف فجأة الاتصال عبر مسار فضائي غير مصرح به وبمعرّف مشغل خارجي، يمكن أن يتحول هذا السلوك إلى نمط غير عادي وقابل للرصد.

إن الجمع بين نظام تسجيل الأجهزة، وبيانات المشغلين، وقواعد بيانات "السيم كارد"، وأدوات المراقبة المحلية يمكن أن يحول هذا الاتصال إلى خطر أمني. وبناءً على ذلك، يكمن السؤال الرئيسي في كيفية استخدام هذه التكنولوجيا دون الكشف عن هوية المستخدم، وموقعه الجغرافي، ونمطه السلوكي.

فرصة استراتيجية وليست حلاً فوريًا

يجب التعامل مع تكنولوجيا "دايركت تو سيل" بجدية، ولكن لا ينبغي المبالغة في قدراتها. إن جاذبية هذه التكنولوجيا لإيران واضحة: إذا تمكن هاتف محمول عادي يومًا ما من الاتصال مباشرة بالقمر الصناعي دون الحاجة إلى طبق استقبال، أو جهاز طرفي منفصل، أو مشغل محلي، أو بوابات خاضعة لسيطرة النظام، فسيتم تحدي إحدى الركائز الأساسية لهيكل السيطرة على الإنترنت في إيران.

لكن ذلك اليوم لم يأتِ بعد. فالإصدارات الحالية التي يتم تطويرها مصممة في المقام الأول لتغطية المناطق التي تفتقر إلى الإرسال، وليس لاستبدال إنترنت المدن لعشرات الملايين من المستخدمين. إن السعة المحدودة، واحتمال تداخل الموجات، وخطر انكشاف وتحديد هويات المستخدمين يجعل هذه التكنولوجيا عاجزة في الوقت الحالي عن التحول إلى مسار عام وقابل للتوسع للالتفاف على قطع الإنترنت في إيران. وتكمن قيمتها الحالية أساسًا في دورها كأداة للطوارئ؛ أداة لإرسال الرسائل، أو مشاركة الموقع، أو إرسال التحذيرات، أو الحفاظ على اتصال قصير المدى في أوقات الأزمات.

وإذا تمكن الجيل القادم من الأقمار الصناعية من توفير سعة أكبر، وطيف ترددي مستقل، وهواتف متوافقة، وأمن للمستخدمين، وقواعد حماية عالمية في آن واحد، فقد يكون المستقبل مختلفًا. ولكن حتى ذلك الحين، فإن تكنولوجيا الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية تعد نافذة مهمة للمستقبل، أكثر من كونها حلاً لليوم للتحرر من السجن الرقمي في إيران.

الأكثر مشاهدة

نتنياهو: الاتفاق مع لبنان "ضربة كبيرة" لإيران
1

نتنياهو: الاتفاق مع لبنان "ضربة كبيرة" لإيران

2

عضو "الثورة الثقافية" بإيران: ترامب قتل مرشدنا وعلينا أيضًا "تصفيته"

3

قرع طبول الحرب من جديد.. إسرائيل تهدد بمهاجمة إيران و"خاتم الأنبياء المركزي" يتوعد بالرد

4

تنفيذًا للقوانين.. وزير الداخلية اللبناني: إزالة صور خامنئي من طريق مطار بيروت خلال يومين

5

وصفته بأنه "تدخلي واستفزازي"..إيران تهاجم البيان المشترك لأميركا ودول مجلس التعاون الخليجي

•
•
•

المقالات ذات الصلة

جرحى بمشرحة الموتى واختطاف جثامين.. الكشف عن أهوال بمستشفى غرضي في احتجاجات أصفهان بإيران

25 يونيو 2026، 15:24 غرينتش+1
•
فرنوش فرجي
 جرحى بمشرحة الموتى واختطاف جثامين.. الكشف عن أهوال بمستشفى غرضي في احتجاجات أصفهان بإيران
100%

استمرارًا لحملة "تقصي الحقائق" الرامية لكشف جرائم النظام الإيراني في الاحتجاجات الأخيرة، وبعد تلقيها قائمة بأسماء القتلى والجرحى بمستشفى "غرضي" بأصفهان خصصت "إيران إنترناشيونال" حملتها الجديدة لكشف الأحداث التي شهدها هذا المستشفى في الفترة من 8 إلى 10 يناير (كانون الثاني) الماضي.

وبناءً على المعلومات والوثائق، التي وصلت إلى "إيران إنترناشيونال"، فقد تحول مستشفى "غرضي" في أصفهان إلى أحد المراكز الرئيسية لنقل القتلى والجرحى خلال الفترة من 8 إلى 10 يناير الماضي.

ووفقًا للمعلومات الواردة، فقد تم حتى الآن توثيق هويات 24 شخصًا ممن لقوا حتفهم في مستشفى "غرضي".

وكانت "إيران إنترناشيونال" قد نشرت خلال الأشهر الماضية، في تقارير منفصلة، روايات حول مقتل أو وفاة كل من: إيرج كياني، ومحمدرضا صابري، وأحمدرضا محراب‌ بيك، ومهدي معصومي، ومونا حسيني، وذلك بعد نقلهم إلى مستشفى "غرضي" أو في سياق الأحداث المرتبطة بهذا المستشفى.

وقد وثقت تلك التقارير حالات إطلاق نار مباشر، وحرمان من العلاج، واختطاف الجثامين أو التأخر في تسليمها، فضلًا عن ممارسة ضغوط أمنية على العائلات، ومطالبتها بمبالغ مالية طائلة مقابل تسليم جثث ذويها.

ماذا حدث في مستشفى "غرضي"؟
أفاد شهود عيان وعائلات الضحايا بأن قوات الأمن فرضت سيطرتها الكاملة على المستشفى، وجرى نقل العديد من الجثامين إلى خارجه دون علم ذويهم، كما حُذفت البيانات المتعلقة بهم من نظام الاستقبال في المستشفى. وفي حالات متعددة، تم تسليم الجثامين إلى العائلات متأخرة مقابل مبالغ مالية طائلة.
وتشير الروايات إلى أنه في مساء يوم 9 يناير الماضي، نُقل أكثر من 100 جريح إلى مستشفى "غرضي".

وصرح مصدر من داخل المستشفى لـ "إيران إنترناشيونال" بأن أسماء عدد من الجرحى والقتلى التي سُجلت جرى حذفها من نظام المستشفى بعد فترة وجيزة، لكي لا يبقى لها أي أثر.

وبحسب تقرير صادر عن أحد أعضاء الكادر الطبي، فقد تم تحديد أو رصد 140 جثمانًا مرتبطًا بمستشفى "غرضي"، في حين تحدثت مصادر أخرى عن أعداد أعلى بكثير.

نقل الجرحى إلى "المشرحة"
تقدم الروايات الواردة من داخل مستشفى "غرضي" ومحيطه صورة صادمة عن الوضع داخل مشرحة هذا المستشفى. إذ ذكرت عدة مصادر طبية وشهود عيان أن مشرحة المستشفى امتلأت بالكامل في ليلتي 8 و9 يناير الماضي خلال فترة وجيزة، وتراكمت الجثامين فوق بعضها البعض.

كما تُظهر التقارير الواردة أن عددًا من الجرحى نُقلوا إلى مشرحة مستشفى "غرضي" برفقة جثامين القتلى.

وقال أحد أعضاء الكادر الطبي في مستشفى "غرضي" لـ "إيران إنترناشيونال" إنه انتبه لوجود شخص على قيد الحياة إثر سماعه صوت أنين ينبعث من بين أكياس الجثث التي نُقلت إلى المشرحة، إلا أن قوات الأمن تدخلت ومنعته من الاقتراب منه.

كما أفادت مصادر مختلفة بنقل جثامين من مستشفى "غرضي" إلى مشارح تقع خارج المستشفى.

ووفقًا للروايات، ومع امتلاء مشرحة المستشفى، نُقلت جثامين عدد من القتلى عبر سيارات مبردة، من بينها شاحنات تبريد تحمل شعار شركة "ميهن"، إلى برادات سوق الخضار والفواكه المركزي في أصفهان.

وقال شاهد عيان أيضًا إنه رأى شاحنات صغيرة "وانيت" كانت الدماء تسيل منها وهي تتجه نحو برادات سوق الخضار والفواكه.

وتشير المعلومات، التي وصلت لـ "إيران إنترناشيونال"، إلى أن جثامين بعض القتلى أُخفيت عن عائلاتهم لعدة أيام، ثم سُلّمت لاحقًا تحت وطأة الضغوط الأمنية ودفع مبالغ مالية طائلة.

وبحسب العائلات، فقد طُلبت مبالغ تتراوح بين 500 مليون إلى مليار تومان في بعض الحالات لتسليم الجثمان.

ويأتي هذا في حين كانت هيئة الطب الشرعي قد أعلنت في 12 يناير الماضي أن فحص المصابين وتسليم جثامين قتلى الاحتجاجات مجاني. ومع ذلك، نُشرت تقارير تفيد بطلب مبالغ طائلة من العائلات، بما في ذلك ما يُعرف باسم "ثمن الرصاصة".

قوات الأمن تختطف جثمان أحد المتظاهرين
كان فريد سيفي أحد المتظاهرين الذين نُقلت جثامينهم إلى مستشفى "غرضي".
ففي 8 يناير الماضي، استُهدف بإطلاق نار مباشر من قِبل قوات القمع.

وقال شهود عيان إن أحد عناصر الأمن أطلق النار على قلبه من فوق سطح أحد المباني. ونقلت العائلة فريد إلى مستشفى "غرضي" في أصفهان وهو لا يزال يتنفس، لكنه فارق الحياة داخل المستشفى، وقامت قوات الأمن باختطاف جثمانه لاحقًا.

ووفقًا لمصادر مقربة من العائلة، سُلّم جثمانه بعد عدة أيام عقب دفع مبلغ مالي طائل، ودُفن في 15 يناير وسط إجراءات أمنية مشددة في "حاجي مير شمس خورزوق".

وكان قد مضى على زواج فريد عام وثمانية أشهر فقط، وكانت زوجته حاملًا بثلاثة توائم وقت مقتله.

وتشير المعلومات الواردة من شوارع أصفهان أيضًا إلى أن مستشفى "غرضي" كان الوجهة للعديد من الجرحى الذين أُصيبوا جراء إطلاق النار المباشر من قِبل قوات الأمن.

وقال أحد شهود العيان على احتجاجات 9 يناير في شارع "خاقاني" بأصفهان، إن آلاف الأشخاص كانوا موج٥ في الشارع، وإن قوات الأمن هاجمت المتظاهرين من اتجاه تقاطع "حكيم نظامي" والشوارع المحيطة.

ووفقًا لهذا الشاهد، استخدمت القوات في البداية الغاز المسيل للدموع، والليزر، وإطلاق النار من مسافات بعيدة، ثم بدأت بإطلاق النار المباشر مع اقترابها من الحشود.

وروى الشاهد أنه بعد بدء إطلاق النار الكثيف، سقط عدة أشخاص على الأرض، واضطر الناس إلى الفرار عبر الأزقة.

وأضاف أن أحد المتظاهرين أُصيب بثلاث رصاصات بالقرب من "زقاق الأندلس"، وحاول الناس الاتصال بالطوارئ، لكن خطوط الرقم (115) كانت مشغولة، مضيفًا: "في النهاية، أوقف عدة أشخاص سيارة من طراز (برايد)، وطلبوا من السائق نقل جثمان ذلك المتظاهر إلى المستشفى".

رواية أحد الجرحى عن فتح ملف قضائي بحقه في مستشفى "غرضي"
في رواية أخرى، قال فتى يبلغ من العمر 18 عامًا ويُدعى "مهدی"، إنه استُهدف برصاص حي في 8 يناير الماضي بمدينة أصفهان من مسافة تقارب 10 أمتار، حيث أصابت الرصاصة المنطقة الواقعة فوق ركبته.

وأضاف أن الأهالي نقلوه في البداية إلى منزل قريب من موقع الاحتجاج، وقاموا بتضميد مكان الجرح للسيطرة على النزيف، متابعًا: "بعد ارتفاع عدد الجرحى وضيق المكان، كان يتم علاج عدد من المتظاهرين في مرائب السيارات (الجراجات) التابعة للمنازل".

وفي نهاية المطاف، اضطر هذا الفتى إلى مراجعة مستشفى "غرضي" بسبب شدة النزيف، وهناك تم فتح ملف قضائي بحقه. وأشار إلى أن عناصر الأمن داهموا منزله عدة مرات بعد مراجعته للمستشفى.

وتُظهر التقارير الواردة أن الخوف من الاعتقال، أو التعذيب، أو التصفية داخل المستشفيات دفع العديد من الجرحى إلى الامتناع عن مراجعة المراكز الطبية، أو مغادرتها فورًا بعد مراجعتها وتلقي الإسعافات الأولوية. وقد خضع بعضهم للعلاج داخل المنازل والمرائب بمساعدة الأهالي أو الكوادر الطبية.

وأدت هذه الممارسات إلى عدم تسجيل الأعداد الحقيقية للجرحى والضحايا في الأنظمة الرسمية على الإطلاق، أو حجبها من سجلات البيانات بعد قيدها أوليًا.

وتواصل حملة تقصي الحقائق التي أطلقتها "إيران إنترناشيونال" عملها بهدف توثيق، وفحص، والتحقق من روايات الشهود، والعائلات، والكوادر الطبية، والمصادر المحلية حول القمع الدموي لاحتجاجات شهري ديسمبر (كانون الأول) ويناير الماضيين.

ويُعد مستشفى "غرضي" في أصفهان من النقاط المحورية في هذه التحقيقات بناءً على الحجم الهائل للتقارير الواردة؛ وهو المكان الذي تشير المصادر إلى أن الجرحى فيه لم يُحرموا من حق العلاج فحسب، بل تحولت جثامين القتلى هناك أيضًا إلى أداة للتهديد، والابتزاز، والتستر، ومحو آثار الجريمة.

إيران بين "نجاح الصواريخ" و"فشل الثلاجة"

25 يونيو 2026، 15:21 غرينتش+1
•
رمضان الساعدي
إيران بين "نجاح الصواريخ"  و"فشل الثلاجة"
100%

في واحدة من أكثر المناظرات الإيرانية جرأة عقب المواجهات الأخيرة مع إسرائيل وأميركا، وجّه الناشط الإيراني، نويد كلهرودي، حديثه لأحد مؤيدي الرواية الرسمية عن الحرب قائلاً: "نفتح التلفزيون فنسمع عن الصواريخ التي أصابت أهدافها والانتصارات، ثم نفتح الثلاجة فلا نجد فيها ما يسد الجوع".

وذلك قبل أن يختم بجملة لخّصت المزاج العام المأزوم في الشارع الإيراني: "لقد هُزمنا في حرب الصواريخ والثلاجة".

قد تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى مجرد توصيف عابر لحالة اقتصادية صعبة، لكنها في الواقع تعكس معضلة أعمق تواجهها إيران منذ سنوات. فبينما تركز الدولة على إنجازاتها العسكرية وقدراتها الصاروخية، يواجه المواطن الإيراني أزمة معيشية متفاقمة تتجلى في التضخم المستمر، وتراجع قيمة العُملة الوطنية، وانخفاض القدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر.

وهذه الحقيقة كثيرًا ما تغيب عن بعض التحليلات، التي تتناول الشأن الإيراني من زاوية الصراع الإقليمي أو البرنامج النووي أو التوازنات العسكرية. فبالنسبة إلى قطاع واسع من الإيرانيين، لا تُقاس قوة الدولة بعدد الصواريخ التي تملكها، بقدر ما تُقاس بقدرتها على تأمين حياة كريمة لمواطنيها.

ولفهم جانب من هذه المعاناة، أتذكر حديثًا دار بيني وبين زميل صحافي سابق داخل إيران، بعد فترة من انقطاع خدمات الإنترنت. وعندما سألته عن أسباب الغضب الشعبي المتكرر، أجاب بجملة تختصر الكثير: "أصبحنا نقسّم الدجاجة الواحدة إلى أربع وجبات، رغم أن الأسرة تتكون من خمسة أفراد".

وقد يبدو هذا الوصف مبالغًا فيه للبعض، لكنه يعكس واقعًا يعيشه كثير من أبناء الطبقة الوسطى، التي كانت يومًا ما تمثل عماد الاستقرار الاجتماعي في البلاد. فهذه الطبقة تجد نفسها اليوم أمام تآكل مستمر في دخلها وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية، في ظل ارتفاع الأسعار بوتيرة تفوق بكثير زيادة الأجور.

ولا يقتصر الحديث عن الأزمة الاقتصادية على المواطنين الإيرانيين وحدهم. فقد أقرّ رئيس البلاد نفسه، مسعود بزشكيان، في رده على انتقادات من أوساط التيار المحافظ بشأن سياسات حكومته قبل يومين، بأن إيران تواجه معدلات تضخم مرتفعة منذ سنوات، وأن الأوضاع الاقتصادية تزداد صعوبة، محذرًا من اتساع دائرة اليأس بين الشباب وتراجع فرصهم في بناء مستقبل مستقر. كما أشار إلى الأعباء الاقتصادية، التي تفرضها الحروب والصراعات على الدولة والمجتمع.

ومن هنا يبرز السؤال، الذي يفرض نفسه بعد الحرب الأخيرة، ومع الحديث المتجدد عن إمكانات التفاوض والتفاهمات السياسية: ماذا بعد الاتفاق؟ وهل يكفي أي اتفاق جديد لتغيير الواقع الاقتصادي الذي يعيشه الإيرانيون؟

وعندما وُقع الاتفاق النووي عام 2015 بين طهران والقوى الدولية، سادت توقعات واسعة بأن يشكّل نقطة تحول في الاقتصاد الإيراني. فقد أُفرج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، وعادت طهران إلى أسواق النفط بدرجة أكبر، واستعادت بعض قنواتها التجارية والمالية مع العالم.

ولكن الآمال، التي عُلّقت على الاتفاق لم تتحقق بالقدر الذي توقعه كثير من الإيرانيين. فبعد سنوات من الانتظار، ظل المواطن العادي يواجه مشكلات التضخم والبطالة وتراجع مستوى المعيشة. ويرى كثير من الإيرانيين أن أسباب ذلك تعود إلى مزيج من العقوبات الخارجية من جهة، والفساد وسوء الإدارة والمحسوبيات من جهة أخرى، إضافة إلى الإنفاق المرتبط بالسياسات الإقليمية لإيران.

وفي هذا السياق اندلعت الاحتجاجات الواسعة، التي بدأت من مدينة "مشهد"، شمال شرق إيران، في نهاية عام 2017، على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة. ثم شهدت البلاد موجة أكبر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، بعد قرار رفع أسعار الوقود، قبل أن تدخل مرحلة جديدة من الاحتجاجات، عقب وفاة الشابة مهسا أميني، في سبتمبر (أيلول) 2022. كما شهدت إيران، في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، موجة جديدة من الاحتجاجات في عدد كبير من المدن، تزامنت مع التراجع الحاد في قيمة التومان (العُملة المحلية) وارتفاع سعر الدولار.

ورغم اختلاف الظروف والشعارات بين هذه المحطات، فإن القاسم المشترك بينها كان شعور شرائح واسعة من الإيرانيين بأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تتجه نحو مزيد من التدهور. كما برز خلال عدد من هذه الاحتجاجات شعار "لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران"، في تعبير عن رفض بعض المحتجين ما يعتبرونه أولوية للملفات الخارجية على حساب القضايا الداخلية.

وعلى الرغم من إصرار السلطات الإيرانية في مناسبات مختلفة على ربط الاحتجاجات بعوامل خارجية، فإن طبيعة المطالب التي رفعها المحتجون، والظروف التي سبقت اندلاع تلك الاحتجاجات، تشير إلى أن العامل الاقتصادي والمعيشي ظل المحرك الأبرز لغالبية موجات الغضب الشعبي خلال السنوات الأخيرة.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه النظام الإيراني اليوم لا يكمن في قدرته على تطوير الصواريخ أو إدارة المواجهات العسكرية، بل في قدرته على الإجابة عن سؤال المواطن البسيط: ماذا يوجد في الثلاجة؟

فقد أثبتت تجارب الأعوام الماضية أن الإيرانيين قد يتحملون العقوبات والضغوط الخارجية لفترات طويلة، لكنهم لا يتجاهلون تراجع مستوى معيشتهم، وتآكل قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية.

ولذلك فإن أي اتفاق مقبل، مهما كانت أهميته السياسية أو الاستراتيجية، لن يُقاس داخل إيران بعدد البنود الموقّعة أو حجم الأموال المُفرج عنها، بل بمدى انعكاسه على حياة الناس اليومية. فالإيراني الذي خرج إلى الشارع في 2017 و2019 و2022 و2026، لم يكن يبحث عن انتصار في نشرات الأخبار بقدر ما كان يبحث عن استقرار في حياته ومستقبل أفضل لأسرته.

وبين "نجاح الصواريخ وفشل الثلاجة"، تبدو معركة الاقتصاد والمعيشة هي الاختبار الحقيقي الذي سيحدد شكل العلاقة بين الدولة والشعب في إيران خلال السنوات المقبلة.

بعد مرور 110 أيام.. هل حقق ترامب أهدافه في الحرب ضد إيران؟

17 يونيو 2026، 14:49 غرينتش+1
بعد مرور 110 أيام.. هل حقق ترامب أهدافه في الحرب ضد إيران؟
100%

بعد فترة وجيزة من بدء الحملة العسكرية الأخيرة المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، حدد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مجموعة من الأهداف لهذه العملية؛ بدءًا من تدمير القدرات الصاروخية وصولاً إلى منع طهران نهائيًا من حيازة سلاح نووي.

وكتبت وكالة أنباء "رويترز"، يوم الأربعاء 17 يونيو (حزيران)، أنه بعد مرور نحو 110 أيام على انطلاق هذه الحملة، وفي وقت توصلت فيه طهران وواشنطن إلى تفاهم، يطرح السؤال نفسه: إلى أي مدى نجح ترامب في تحقيق أهدافه؟

القدرات الصاروخية ومجال الطائرات المسيّرة

قبل اندلاع الحرب، كانت إيران تمتلك أكبر ترسانة من الصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط. وتشير التقديرات إلى أن إيران كانت تمتلك ما بين 2500 و6000 صاروخ من طرازات مختلفة؛ وهي صواريخ قادرة على ضرب إسرائيل بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر. كما أن جزءًا من هذه الأسلحة مجهز برؤوس حربية عنقودية، مما يجعل اعتراضها ومواجهتها أكثر صعوبة.

علاوة على ذلك، تُعد إيران منتجًا رئيسيًا للطائرات المسيّرة بعيدة المدى، لا سيما المسيرة الانتحارية "شاهد"، والتي استخدمها الجيش الروسي أيضًا في حرب أوكرانيا إلى جانب استخدامها من قِبل القوات المسلحة الإيرانية.

وبعد نحو شهر من بدء الحرب الأخيرة، نقلت "رويترز" عن مصادر أميركية أن ثلث الترسانة الصاروخية الإيرانية قد دُمر، ومن المحتمل أن يكون ثلث آخر قد تضرر أو أُبيد أو دُفن تحت الأنقاض.

وفي 14 مايو (أيار)، أعلن قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، براد كوبر، في كلمة ألقاها أمام الكونغرس، أن قدرة إيران على إنتاج وتكديس الصواريخ والطائرات المسيرة بعيدة المدى قد تراجعت سنوات إلى الوراء. وأضاف أن الولايات المتحدة وحلفاءها اعترضوا أكثر من 1500 صاروخ و6000 طائرة مسيّرة خلال هذا الصراع.

وعلى الرغم من عدم وضوح حجم الصواريخ المتبقية لدى إيران، فإنها ما زالت تحتفظ بالقدرة على استهداف حلفاء أمريكا في المنطقة؛ إذ استهدفت عدة هجمات صاروخية الكويت والبحرين في 6 يونيو الجاري، وجرى إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل في اليوم التالي.

القدرات العسكرية التقليدية
أعلن الجيش الأميركي أن قدرات إيران العسكرية التقليدية في فرض نفوذها بالمنطقة أو تهديد العمليات الأمريكية قد أُضعفت.

وصرح قائد "سنتكوم" في الكونغرس بأن الجيش الأمريكي دمر 161 قطعة بحرية تابعة لسلاح البحرية الإيرانية، وعطّل 82 في المائة من أنظمة دفاعها الجوي. وأضاف أن القوات الجوية الإيرانية، التي كانت تنفذ ما يصل إلى 100 مهمة طيران يوميًا قبل الحرب، باتت الآن لا تنفذ أي مهمة تقريبًا.

ومع ذلك، تمكنت طهران خلال الحرب الأخيرة من إغلاق مضيق هرمز فعليًا وعرقلة مرور السفن التجارية التي تحمل نحو خمس النفط والغاز الطبيعي في العالم، وذلك باستخدام الزوارق السريعة، الألغام البحرية، الطائرات المسيرة، والزوارق الحاملة للصواريخ.

البرنامج النووي الإيراني

أكد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مرارًا أن أولويته القصوى هي منع طهران من الحصول على سلاح نووي. وذكرت "رويترز" أن الحملة العسكرية الأخيرة لم يكن لها تأثير كبير على القدرات النووية الإيرانية.

وأظهر تقييم لوكالات الاستخبارات الأميركية الشهر الماضي أن طهران تحتاج إلى أقل من عام لإنتاج سلاح نووي، وهي نفس المدة التي كانت مقدرة سابقًا في أعقاب الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية خلال "حرب الـ 12 يومًا".

وسيكون الملف النووي الإيراني أحد المحاور الرئيسية للمفاوضات بين طهران وواشنطن بعد توقيع مذكرة التفاهم. وقد شدد ترامب على ضرورة نقل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، لكن مصادر أشارت إلى أن المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، يعارض هذا الأمر.

الفصائل الموالية (الوكلاء)

أكد الرئيس الأميركي في بداية الحرب أنه لا ينبغي السماح لطهران بالاستمرار في تقديم الدعم المالي والتسليحي للفصائل الموالية لها في العراق، ولبنان، وقطاع غزة، واليمن؛ وهي القوات التي اعتمدت عليها إيران طوال العقود الماضية لتوسيع نفوذها الإقليمي والضغط على منافسيها.

وأشارت "رويترز" إلى أنه منذ بدء الحرب، لم تبدِ الحكومة الإيرانية أي رغبة في وقف دعمها لهذه الجماعات. ومع ذلك، تُظهر التقييمات العسكرية الأميركية والتقارير المستقلة أن شبكة وكلاء طهران أصبحت أقل فاعلية بكثير مقارنة بالماضي.

وكان مسار إضعاف الفصائل الموالية للنظام الإيراني في المنطقة قد بدأ حتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة؛ إذ قتلت إسرائيل بعد هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 العديد من القادة البارزين لحماس والآلاف من عناصر الحركة في قطاع غزة، كما قُتل عدد كبير من قادة حزب الله اللبناني على يد الجيش الإسرائيلي.

بالإضافة إلى ذلك، فقدت إيران أحد أهم طرق نقل الأسلحة والمعدات إلى حزب الله بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا عام 2024. كما أدت العقوبات والمشكلات الاقتصادية إلى تقليص قدرة طهران على تمويل هذه الفصائل.

ولم تؤدِ المجموعات المدعومة من طهران دورًا حاسمًا في الحرب الأخيرة؛ فحماس لم تشن هجومًا ضد إسرائيل من قطاع غزة، ولم يتسبب الحوثيون في اليمن في أي تعطيل كبير لمسارات الملاحة في البحر الأحمر.

ودخل حزب الله الحرب، في 2 مارس (آذار) الماضي، عبر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو إسرائيل. وردت إسرائيل بشن غارات جوية مكثفة وعملية برية ضد حزب الله، أسفرت حتى الآن عن مقتل نحو 3700 شخص ونزوح نحو 1.2 مليون شخص في لبنان، في حين قُتل 28 جنديًا و٤ مدنيين إسرائيليين في هذه المواجهات.

وكان قائد "سنتكوم" قد صرح سابقًا في "الكونغرس" بأن إيران لم تعد قادرة على إيصال الأسلحة المتقدمة إلى هذه المجموعات "بشكل موثوق"، دون تقديم تفاصيل إضافية حول حجم هذه القيود.

تغيير النظام في إيران

أشارت "رويترز" إلى أن ترامب كان قد شجّع المتظاهرين الإيرانيين قبل الحرب على إسقاط النظام، ووصف بعد الحرب مقتل المرشد علي خامنئي بأنه "الفرصة الأكبر" للشعب الإيراني لتولي زمام الحكم.

وأعلن الرئيس الأميركي، في 6 مارس الماضي، أن الحرب لن تنتهي إلا باستسلام إيران "دون أي قيد أو شرط" وتتولى قيادة جديدة و"مقبولة" السلطة في البلاد.

وعلى الرغم من أن الحرب لم تؤدِ إلى إسقاط النظام الإيراني، فإن ترامب صرح مرارًا بأنه حقق هدفه، لأن "المرشد السابق" لإيران استُبدل بابنه مجتبى خامنئي. وأعلن في 28 مارس الماضي أن "نظامًا أكثر عقلانية" قد تسلم السلطة في إيران.

ووفقًا لتقرير "رويترز"، فقد امتنع ترامب في الأسابيع الأخيرة عن تكرار دعواته لإسقاط النظام الإيراني.

من قتل القيادات إلى قصف المنشآت.. عام على "حرب الـ 12 يومًا" بين إسرائيل وأميركا وإيران

13 يونيو 2026، 14:20 غرينتش+1
•
نعيمة دوستدار
من قتل القيادات إلى قصف المنشآت.. عام على "حرب الـ 12 يومًا" بين إسرائيل وأميركا وإيران
100%

كانت "حرب الـ 12 يومًا" أكبر مواجهة مباشرة للولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران حتى ذلك الوقت. وهي حرب بدأت بهجوم إسرائيلي مفاجئ، وأدت إلى مقتل قادة عسكريين بارزين وخبراء نوويين في النظام الإيراني، وبلغت ذروتها بالتدخل الأميركي المباشر وقصف منشآت فوردو ونطنز وأصفهان النووية.

ولم تكن "حرب الـ 12 يومًا" مجرد صراع صاروخي؛ فخلال الأيام الاثني عشر التي بدأت في 13 يونيو (حزيران) 2025، استهدفت الهجمات كبار القادة العسكريين في إيران، وعددًا من أبرز المسؤولين النوويين، ومنشآت عسكرية ونووية حساسة، وقواعد صاروخية، ومباني حكومية، وحتى سجن "إيفين". وفي المقابل، شنت إيران أيضًا هجمات صاروخية واسعة النطاق ضد إسرائيل، واضعةً المدن الرئيسية تحت نيرانها.

من أين بدأت الحرب؟

تعود جذور الحرب إلى سنوات من التوتر بين إيران وإسرائيل، التي أعلنت مرارًا أنها لن تسمح لطهران بالوصول إلى عتبة القدرة على إنتاج أسلحة نووية. وفي المقابل، وصفت إيران برنامجها النووي بالسلمي، وتزامن ذلك مع استمرارها في تطوير برنامجها الصاروخي وشبكة حلفائها في المنطقة.

وتصاعدت التوترات في عامي 2024 و2025 بشكل غير مسبوق.
وجاءت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، واغتيال قادة ومسؤولين بالنظام الإيراني، والاشتباكات المرتبطة بحزب الله اللبناني، والحوثيين في اليمن، والمجموعات المتحالفة مع طهران في العراق وسوريا، لتخلق ظروفًا جعلت العديد من المحللين يرون أن وقوع حرب مباشرة أمر محتمل للغاية. وفي نهاية المطاف، وفجر يوم 13 يونيو 2025، بدأت إسرائيل عملية واسعة النطاق حملت اسم "الأسد الصاعد".

وشاركت أكثر من 200 مقاتلة إسرائيلية في موجات هجومية متعددة، استهدفت أهدافًا في طهران، وأصفهان، وكرج، وتبریز، وهمدان، وخرم آباد، وكرمانشاه، وبوشهر، ونقاط أخرى. لكن ما ميّز هذه العملية عن الهجمات السابقة كان تركيزها على التصفية المتزامنة لكبار القادة العسكريين والشخصيات الرئيسية في البرنامج النووي الإيراني.

وكانت إحدى أهم سمات الهجوم الإسرائيلي الأولي هي التركيز على تصفية كبار قادة القوات المسلحة في وقت واحد.

تصفية كبار القادة.. الضربة الكبرى للبنية العسكرية للنظام

حاولت إسرائيل في الساعات الأولى من الهجوم شلّ سلسلة القيادة العسكرية الإيرانية، وهي خطوة أدت إلى مقتل عدد من أرفع المسؤولين العسكريين في إيران.

وكان أبرز الشخصيات التي قُتلت في هذه الهجمات هو رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، محمد باقري، وهو المسؤول الذي كان يشغل أعلى منصب عسكري في إيران بعد المرشد الأعلى، وكان مسؤولاً عن التنسيق بين الجيش والحرس الثوري والمؤسسات العسكرية الأخرى.

كما قُتل القائد العام للحرس الثوري الإيراني، حسين سلامي، وهو شخصية رفيعة المستوى أخرى لقيت حتفها في اليوم الأول من "حرب الـ 12 يومًا". وكان سلامي يتولى قيادة الحرس الثوري منذ عام 2019، ويُعد في السنوات الأخيرة أحد أبرز وجوه السياسة الإقليمية والصاروخية الإيرانية.

وقُتل أيضًا في الهجمات الأولية قائد مقر "خاتم الأنبياء" المركزي؛ غلام علي رشيد، وهو المركز العملياتي الأهم لقيادة القوات المسلحة في وقت الحرب، والمسؤول عن تنسيق العمليات المشتركة بين الجيش والحرس الثوري.

ومن بين القادة القتلى الآخرين، يمكن الإشارة إلى قائد القوة الجو-فضائية التابعة للحرس الثوري، أمير علي حاجي زاده، والذي كان يُعرف طوال السنوات الماضية بأنه مهندس البرنامج الصاروخي الإيراني، حيث طُوِّرت معظم الصواريخ البالستية وبرامج الطائرات المسيّرة في إيران تحت إشرافه.

وإلى جانبه، قُتل قائد الدفاع الجوي في القوة الجو- فضائية للحرس الثوري، داود شيخيان، وكان مسؤولاً عن جزء من شبكة الدفاع الجوي المرتبطة بالمنشآت الاستراتيجية الإيرانية. كما لقي رئيس منظمة استخبارات الحرس الثوري، محمد كاظمي، ونائبه حسن محقق، حتفهما خلال الهجمات الإسرائيلية. وشكّل مقتل رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري ونائبه في آنٍ واحد إحدى كبرى الضربات الاستخباراتية، التي تلقتها إيران في العقود الأخيرة.

وفي الأيام التالية، قُتل عدد آخر من كبار قادة الحرس الثوري والجيش والقوات الصاروخية. وأفادت التقارير الرسمية الإيرانية ووسائل الإعلام الدولية بمقتل عشرات القادة الكبار في مستويات مختلفة. وبالنسبة للعديد من المراقبين، فإن التصفية المتزامنة لباقري، وسلامي، ورشيد، وحاجي زاده، اعتُبرت الضربة الكبرى لرأس هرم القيادة العسكرية للنظام منذ نهاية الحرب الإيرانية- العراقية.

استهداف مسؤولي البرنامج النووي الإيراني

بالتزامن مع استهداف القادة العسكريين، ضربت إسرائيل أيضًا الشبكة المرتبطة بالبرنامج النووي في إيران. وكان أبرز الوجوه التي قُتلت في هذه الهجمات الرئيس الأسبق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية فريدون عباسي، أحد الوجوه القديمة في البرنامج النووي، والذي كان قد نجا سابقًا من محاولة اغتيال عام 2010.

كما قُتل في "حرب الـ 12 يومًا" رئيس جامعة آزاد الإسلامية آنذاك، محمد مهدي طهرانجي، وكان له دور منذ سنوات في المشاريع العلمية المرتبطة بالبرنامج النووي. وضمت قائمة القتلى أيضًا عبد الحميد منوشهري، أحد الكوادر المعروفة في الهندسة النووية، والذي عمل لسنوات في مجال تكنولوجيا الوقود النووي والتخصيب.

وقُتل في الهجمات الإسرائيلية كذلك أحمد رضا ذو الفشاري، وهو من الكوادر الأخرى للبرنامج النووي، إلى جانب أمیر حسين فقهي الذي كان يشغل سابقًا منصب نائب منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، وكان مديرًا نشطًا في المشاريع النووية. كما قُتل الباحث في مجال التكنولوجيات النووية، أكبر مطلبي زاده.

وإلى جانب هؤلاء، نشرت مصادر مختلفة أسماء عدد آخر من المسؤولين المرتبطين بالبرنامج النووي؛ حيث أفادت بعض التقارير بأن عدد القتلى من الكوادر النووية بلغ 14 شخصًا، بينما رفعت تقارير أخرى العدد إلى نحو 20 شخصًا. ويرى خبراء أمنيون أن هدف إسرائيل لم يكن مجرد تدمير المباني وأجهزة الطرد المركزي، بل كان تدمير الشبكة البشرية للبرنامج النووي في إيران جزءًا من استراتيجيتها؛ ولهذا السبب، كانت عمليات تصفيتهم، إلى جانب الهجوم على مراكز التخصيب، إحدى الركائز الأساسية لعملية "الأسد الصاعد".

ما المؤسسات والمراكز التي تم استهدافها؟

على عكس العديد من الاشتباكات السابقة بين إيران وإسرائيل، والتي كانت تنتهي بهجمات محدودة أو عمليات سرية، هاجمت إسرائيل في "حرب الـ 12 يومًا" طيفًا واسعًا للغاية من الأهداف في جميع أنحاء إيران. ويمكن تصنيف هذه الأهداف إلى أربع فئات رئيسية: المنشآت النووية، البنى التحتية الصاروخية والعسكرية، مراكز القيادة والاستخبارات، وبعض الرموز والمؤسسات الحكومية.

وكانت أهم الأهداف الإسرائيلية والأميركية في المجال النووي هي منشآت التخصيب في نطنز وفوردو ومجمع أصفهان النووي. وتعرضت منشأة نطنز، التي تُعد قلب برنامج التخصيب، للهجمات منذ الساعات الأولى للحرب. وأظهرت صور الأقمار الصناعية المنشورة بعد الهجوم تعرض أجزاء من البنية التحتية لإمدادات الكهرباء، وأنظمة الدعم، والمباني فوق سطح الأرض لأضرار جسيمة.

كما تعرضت منشأة فوردو القريبة من "قم" للقصف مرارًا. وكانت هذه المنشأة، بسبب موقعها في عمق الجبل وتمتعها بطبقات حماية متعددة، واحدة من أصعب الأهداف للهجمات الجوية. هذا الأمر تحول لاحقًا إلى أحد أسباب التدخل الأميركي المباشر في الحرب؛ إذ إن القنابل الأميركية الخارقة للحصون والثقيلة للغاية هي الوحيدة التي كانت قادرة على إلحاق الضرر بالأجزاء العميقة من هذا المجمع. كما تعرض مجمع أصفهان النووي، الذي يلعب دورًا مهمًا في معالجة اليورانيوم وبعض مراحل دورة الوقود النووي، للقصف في عدة مناسبات. وعلاوة على ذلك، هُوجمت المراكز المرتبطة بإنتاج قطع غيار أجهزة الطرد المركزي وبعض البنى التحتية البحثية المرتبطة بالبرنامج النووي في نقاط مختلفة من البلاد.

ولم تقتصر الهجمات الإسرائيلية على البرنامج النووي فحسب، بل ركز جزء كبير من العمليات على تدمير القدرة الصاروخية الإيرانية؛ حيث استُهدفت قواعد الصواريخ التابعة للحرس الثوري في مختلف المحافظات، ومستودعات تخزين الصواريخ، ومراكز إنتاج قطع الغيار، ومنصات الإطلاق. ومن بين هذه الأهداف، حظي مجمعا "خجير" و"بارشین" في شرق طهران بأهمية خاصة، وهما مركزان صُنِّفا لسنوات في التقارير الدولية كأجزاء من البنية التحتية الصاروخية والعسكرية الإيرانية.

وكانت القوة الجو-فضائية للحرس الثوري، المسؤولة عن برنامج الصواريخ والمسيّرات، أحد الأهداف الرئيسية في الحرب؛ حيث تعرضت القواعد المرتبطة بالمسيرات ومراكز التحكم والقيادة ومستودعات الأسلحة التابعة لهذه القوة للهجمات في مختلف أنحاء البلاد. كما حاولت إسرائيل تعطيل شبكة الدفاع الجوي الإيرانية لتوفير حرية حركة أكبر لمقاتلاتها، ولهذا السبب استُهدفت أنظمة الرادار ومواقع الدفاع الجوي ومراكز قيادة الدفاع الجوي في عدة محافظات.

وفي طهران، استُهدف عدد من مراكز القيادة والاستخبارات، وتضررت مبانٍ مرتبطة بالحرس الثوري ومراكز استخباراتية وبعض الأجهزة الأمنية.

ومن أكثر الهجمات إثارة للجدل في حرب الـ 12 يومًا، كان الهجوم على مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون (صدا وسيما)؛ حيث أعلنت إسرائيل أن هذا المركز يشكل جزءًا من "آلة الدعاية" للنظام ويخدم العمليات الحربية. وأظهرت الصور المنتشرة من طهران تعرض أجزاء من "المبنى الزجاجي" لأضرار، وأثار هذا الهجوم نقاشات واسعة حول الحدود بين الأهداف العسكرية والمدنية في وقت الحرب.

كما أثار الهجوم على سجن "إيفين" ردود فعل واسعة؛ حيث يعد أهم سجن أمني للنظام الإيراني، واستُهدف في الأيام الأخيرة من الحرب. وقُتل في هذا الهجوم عدد من السجناء وموظفي السجن وقوات الأمن. وأعلنت إسرائيل أن بعض الهياكل الأمنية والاستخباراتية المرتبطة بالنظام الإيراني كانت تنشط في هذا المجمع، لكن منتقدي الهجوم اعتبروه واحدًا من أكثر إجراءات إسرائيل إثارة للجدل خلال الحرب.

وإلى جانب هذه الحالات، استُهدفت المطارات العسكرية، والقواعد الجوية للجيش والحرس الثوري، والمراكز اللوجستية، ومستودعات الوقود العسكري، ومراكز الاتصالات، والبنى التحتية المرتبطة بقيادة القوات المسلحة. وفي بعض المناطق، تضررت مبانٍ سكنية بسبب وقوعها بالقرب من أهداف عسكرية أو بسبب وجود قادة ومسؤولي البرنامج النووي فيها.

ولم تكن استراتيجية إسرائيل في "حرب الـ 12 يومًا" مقتصرة على إيقاف البرنامج النووي؛ بل أظهرت مجموعة الأهداف المختارة أن تل أبيب كانت تسعى لتوجيه ضربة متزامنة للأركان الأربعة الرئيسية لقوة انظام الإيراني: القيادة العسكرية، البرنامج النووي، القدرة الصاروخية، والهياكل الأمنية والاستخباراتية.

الرد الإيراني

بعد ساعات قليلة من بدء الهجمات الإسرائيلية، بدأت إيران عمليتها الانتقامية.
وخلال "حرب الـ 12 يومًا"، أُطلقت مئات الصواريخ البالستية وأكثر من ألف طائرة مسيّرة باتجاه إسرائيل، حيث اعترضت أنظمة الدفاع الإسرائيلية والأميركية والحلفاء الإقليميون الجزء الأكبر منها، لكن بعضها وصل إلى أهدافه.

وأصابت الصواريخ الإيرانية تل أبيب وحيفا وبئر السبع وعدة مدن أخرى، وتضررت بعض المناطق السكنية وبنى تحتية للطاقة ومراكز صناعية ومنشآت عسكرية. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها إسرائيل لهجمات صاروخية مكثفة ومستمرة لأيام متتالية من الأراضي الإيرانية.

التدخل الأميركي وقصف "فوردو"

سُجلت أهم نقطة تحول في الحرب في 22 يونيو 2025؛ فبينما لم تتمكن إسرائيل على مدار أكثر من أسبوع من إلحاق ضرر كامل بمنشأة فوردو الأرضية، قررت الولايات المتحدة التدخل مباشرة في الحرب. وفي عملية حملت اسم "مطرقة منتصف الليل" استخدمت القاذفات الشبحية الأميركية من طراز بي-2 (B-2) القنابل الخارقة للحصون من طراز جي بي يو-57 (GBU-57)، واستهدفت المراكز الثلاثة الرئيسية للبرنامج النووي في إيران، وهي: فوردو ونطنز وأصفهان.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية والتقييمات اللاحقة أن "فوردو ونطنز وأصفهان" تعرضت لأضرار فادحة، رغم بقاء الخلافات القائمة حول المدى الدقيق لدمار البنى التحتية النووية في إيران.

خسائر "حرب الـ 12 يومًا"

تختلف التقديرات حول أعداد الضحايا؛ فبناءً على الإحصاءات الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان والمصادر الرسمية، قُتل أكثر من ألف شخص في إيران، كان من بينهم عسكريون، ورجال أمن، ومسؤولون نوويون، ومدنيون. وفي إسرائيل، قُتل ما بين 28 إلى 32 شخصًا، ونُقل أكثر من 3238 شخصًا إلى المستشفيات. كما ألحقت الحرب أضرارًا واسعة النطاق بالبنى التحتية والمراكز الصناعية والمباني السكنية والمنشآت العسكرية لدى الطرفين.

كيف انتهت الحرب؟

بعد الهجوم الأميركي على المنشآت النووية في إيران، شنت طهران هجومًا صاروخيًا محدودًا على قاعدة "العديد" الأميركية في قطر. ولم يسفر هذا الهجوم عن خسائر بشرية، واعتبره الكثيرون محاولة للرد دون الذهاب نحو توسيع رقعة الحرب بشكل أكبر.

وفي نهاية المطاف، ونتيجة للوساطات الدبلوماسية والضغوط الدولية، أُعلن وقف إطلاق النار في الثالث من 24 يونيو 2025، وتوقفت أطراف الحرب عن هجماتها. وفي نهاية "حرب الـ 12 يومًا"، لم ينتهِ البرنامج النووي الإيراني بالكامل، ولم ينتهِ التهديد المتبادل بين الطرفين، لكن توازن القوى في المنطقة تغير.

ويرى العديد من المحللين أن "حرب الـ 12 يومًا" شكّلت نقطة الانطلاق لمرحلة جديدة من الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

البنادق في أيدي الصغار.. تربية "جيل جديد من القمع" باستغلال الأطفال في إيران

3 يونيو 2026، 18:54 غرينتش+1
•
محسن مهيمني
البنادق في أيدي الصغار.. تربية "جيل جديد من القمع" باستغلال الأطفال في إيران
100%

تشير الرسائل المرسلة من المواطنين في إيران لـ "إيران إنترناشيونال" إلى أن مسؤولي النظام مستمرون في سياسة تجنيد الأطفال لأغراض عسكرية وتسليحية، بما في ذلك إشراكهم في نقاط التفتيش. بالتزامن مع ذلك، بدأت المؤسسات العسكرية في استقطاب الأطفال والطلاب للالتحاق بـ "مدارس الشرطة".

الأزمة الاقتصادية وتركيز الحكومة على بناء القواعد

كتب أحد المواطنين من مدينة "فريدونكنار"، التابعة لمحافظة مازندران شمال إيران، في رسالته، مشيرًا إلى الأزمة الاقتصادية والمعيشية: "الركود والتضخم والفقر والبؤس يعصف بالبلاد، وهذا مؤشر على الانهيار الاقتصادي. لقد أنشأوا نقاط تفتيش يديرها أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و12 عامًا، ويجمعون الأشخاص حول ساحات المدينة عبر تقديم الطعام والمال كنوع من استعراض القوة".

وتسير هذه السياسة في وقت تشهد فيه المدارس أزمة تعليمية وحالة من عدم اليقين والضغط النفسي، بسبب غموض آلية وكيفية إجراء الامتحانات النهائية وكذلك امتحانات القبول الجامعي (الكونكور)، مما أثار احتجاجات في طهران ومدن أخرى.

وفي سياق متصل باستغلال الأطفال، كتب مواطن آخر من محافظة طهران: "جميع نقاط التفتيش داخل مدينة شهريار أصبحت تدار بواسطة أطفال دون سن 16 عامًا يحملون مصابيح يدوية في أيديهم، إنه أمر مضحك حقًا".

محطات التدريب العسكري في التجمعات

استخدم مسؤولو النظام الإيراني أيضًا الأطفال والطلاب في التجمعات الحكومية؛ حيث أُقيمت في هذه التجمعات محطات يتم فيها تسليم الأسلحة للأطفال لتدريبهم على كيفية استخدامها.

وفي هذا الصدد، كتب مواطن من طهران: "لقد وضعوا بضعة أطفال في نقاط التفتيش، ولا أحد يعلم ما الذي يبحثون عنه أساسًا. كما أنشأوا محطات لتوزيع الشاي بالمجان؛ يوزعون الشاي على شعب لا يجد الشاي في منزله. مؤيدوهم رخيصون إلى هذا الحد".

وقد رُويت هذه الممارسات في محافظات أخرى أيضًا؛ إذ كتب مواطن من محافظة هرمزغان: "نقطة التفتيش الواقعة عند مدخل مدينة بستك في هرمزغان تسلم الأسلحة للأطفال كل ليلة في تمام الساعة الواحدة فجرًا". كما نقل مواطن آخر من مدينة "كلاردشت" في محافظة مازندران شهادة حول تسليم الأسلحة للأطفال وتدريبهم على استخدامها هناك.

وتُعتبر هذه السياسة التي ينتهجها النظام الإيراني انتهاكًا للمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الطفل.

تاريخ طويل من استخدام الأطفال استقطابهم عبر الهياكل التعليمية

يمتد استخدام الأطفال لأهداف عسكرية وأمنية في إيران لعدة عقود؛ فخلال الحرب التي استمرت ثماني سنوات مع العراق، أُرسل آلاف المراهقين إلى الجبهات، وفقد بعضهم حياته في العمليات العسكرية.

وفي السنوات التي تلت الحرب، استمرت التدريبات العسكرية في المدارس تحت مسمى مادة "الاستعداد الدفاعي" ومن خلال أنشطة "تعبئة الطلاب" (الباسيج الطلابي).

وتعد منظومتا "تعبئة الطلاب" و"تعبئة الجامعيين" من بين المؤسسات التي عملت لسنوات على استقطاب القوات داخل المدارس والجامعات.

ومن منظور حقوق الإنسان، فإن ربط التعليم الرسمي بالأنشطة العسكرية والشبه عسكرية من شأنه أن يمهد الطريق لتطبيع العنف والنزعة العسكرية بين الأطفال والمراهقين.

وتلزم اتفاقية حقوق الطفل، التي انضمت إليها إيران، الدول بإبعاد الأطفال عن المشاركة في الأنشطة العسكرية والأمنية، وتوفير بيئة آمنة لنموهم وتعليمهم.

"عسكرة" الفضاء العام

خلال الأشهر الأخيرة، وإلى جانب نقاط التفتيش، نُشرت صور عديدة تظهر عرض الصواريخ، والمعدات العسكرية، والزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري، والأسلحة الخفيفة والثقيلة في الأماكن العامة، والمدارس، والتجمعات الحكومية، والبرامج الإعلامية للجمهورية الإسلامية.

ويصنف نشطاء حقوق الطفل هذه الإجراءات كجزء من عملية "عسكرة الفضاء العام" وتطبيع وجود السلاح في الحياة اليومية للأطفال.

التخطيط لقمع السنوات القادمة

يمكن أن يشير الاستخدام المتزايد للأطفال والمراهقين في الأنشطة الحكومية، ونقاط التفتيش، والبرامج العسكرية، إلى مساعي النظام الإيراني لإعادة إنتاج القوات الأيديولوجية وتربية جيل مستقبلي من العناصر الموالية والقمعية.