ولم تكن "حرب الـ 12 يومًا" مجرد صراع صاروخي؛ فخلال الأيام الاثني عشر التي بدأت في 13 يونيو (حزيران) 2025، استهدفت الهجمات كبار القادة العسكريين في إيران، وعددًا من أبرز المسؤولين النوويين، ومنشآت عسكرية ونووية حساسة، وقواعد صاروخية، ومباني حكومية، وحتى سجن "إيفين". وفي المقابل، شنت إيران أيضًا هجمات صاروخية واسعة النطاق ضد إسرائيل، واضعةً المدن الرئيسية تحت نيرانها.
من أين بدأت الحرب؟
تعود جذور الحرب إلى سنوات من التوتر بين إيران وإسرائيل، التي أعلنت مرارًا أنها لن تسمح لطهران بالوصول إلى عتبة القدرة على إنتاج أسلحة نووية. وفي المقابل، وصفت إيران برنامجها النووي بالسلمي، وتزامن ذلك مع استمرارها في تطوير برنامجها الصاروخي وشبكة حلفائها في المنطقة.
وتصاعدت التوترات في عامي 2024 و2025 بشكل غير مسبوق.
وجاءت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، واغتيال قادة ومسؤولين بالنظام الإيراني، والاشتباكات المرتبطة بحزب الله اللبناني، والحوثيين في اليمن، والمجموعات المتحالفة مع طهران في العراق وسوريا، لتخلق ظروفًا جعلت العديد من المحللين يرون أن وقوع حرب مباشرة أمر محتمل للغاية. وفي نهاية المطاف، وفجر يوم 13 يونيو 2025، بدأت إسرائيل عملية واسعة النطاق حملت اسم "الأسد الصاعد".
وشاركت أكثر من 200 مقاتلة إسرائيلية في موجات هجومية متعددة، استهدفت أهدافًا في طهران، وأصفهان، وكرج، وتبریز، وهمدان، وخرم آباد، وكرمانشاه، وبوشهر، ونقاط أخرى. لكن ما ميّز هذه العملية عن الهجمات السابقة كان تركيزها على التصفية المتزامنة لكبار القادة العسكريين والشخصيات الرئيسية في البرنامج النووي الإيراني.
وكانت إحدى أهم سمات الهجوم الإسرائيلي الأولي هي التركيز على تصفية كبار قادة القوات المسلحة في وقت واحد.
تصفية كبار القادة.. الضربة الكبرى للبنية العسكرية للنظام
حاولت إسرائيل في الساعات الأولى من الهجوم شلّ سلسلة القيادة العسكرية الإيرانية، وهي خطوة أدت إلى مقتل عدد من أرفع المسؤولين العسكريين في إيران.
وكان أبرز الشخصيات التي قُتلت في هذه الهجمات هو رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، محمد باقري، وهو المسؤول الذي كان يشغل أعلى منصب عسكري في إيران بعد المرشد الأعلى، وكان مسؤولاً عن التنسيق بين الجيش والحرس الثوري والمؤسسات العسكرية الأخرى.
كما قُتل القائد العام للحرس الثوري الإيراني، حسين سلامي، وهو شخصية رفيعة المستوى أخرى لقيت حتفها في اليوم الأول من "حرب الـ 12 يومًا". وكان سلامي يتولى قيادة الحرس الثوري منذ عام 2019، ويُعد في السنوات الأخيرة أحد أبرز وجوه السياسة الإقليمية والصاروخية الإيرانية.
وقُتل أيضًا في الهجمات الأولية قائد مقر "خاتم الأنبياء" المركزي؛ غلام علي رشيد، وهو المركز العملياتي الأهم لقيادة القوات المسلحة في وقت الحرب، والمسؤول عن تنسيق العمليات المشتركة بين الجيش والحرس الثوري.
ومن بين القادة القتلى الآخرين، يمكن الإشارة إلى قائد القوة الجو-فضائية التابعة للحرس الثوري، أمير علي حاجي زاده، والذي كان يُعرف طوال السنوات الماضية بأنه مهندس البرنامج الصاروخي الإيراني، حيث طُوِّرت معظم الصواريخ البالستية وبرامج الطائرات المسيّرة في إيران تحت إشرافه.
وإلى جانبه، قُتل قائد الدفاع الجوي في القوة الجو- فضائية للحرس الثوري، داود شيخيان، وكان مسؤولاً عن جزء من شبكة الدفاع الجوي المرتبطة بالمنشآت الاستراتيجية الإيرانية. كما لقي رئيس منظمة استخبارات الحرس الثوري، محمد كاظمي، ونائبه حسن محقق، حتفهما خلال الهجمات الإسرائيلية. وشكّل مقتل رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري ونائبه في آنٍ واحد إحدى كبرى الضربات الاستخباراتية، التي تلقتها إيران في العقود الأخيرة.
وفي الأيام التالية، قُتل عدد آخر من كبار قادة الحرس الثوري والجيش والقوات الصاروخية. وأفادت التقارير الرسمية الإيرانية ووسائل الإعلام الدولية بمقتل عشرات القادة الكبار في مستويات مختلفة. وبالنسبة للعديد من المراقبين، فإن التصفية المتزامنة لباقري، وسلامي، ورشيد، وحاجي زاده، اعتُبرت الضربة الكبرى لرأس هرم القيادة العسكرية للنظام منذ نهاية الحرب الإيرانية- العراقية.
استهداف مسؤولي البرنامج النووي الإيراني
بالتزامن مع استهداف القادة العسكريين، ضربت إسرائيل أيضًا الشبكة المرتبطة بالبرنامج النووي في إيران. وكان أبرز الوجوه التي قُتلت في هذه الهجمات الرئيس الأسبق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية فريدون عباسي، أحد الوجوه القديمة في البرنامج النووي، والذي كان قد نجا سابقًا من محاولة اغتيال عام 2010.
كما قُتل في "حرب الـ 12 يومًا" رئيس جامعة آزاد الإسلامية آنذاك، محمد مهدي طهرانجي، وكان له دور منذ سنوات في المشاريع العلمية المرتبطة بالبرنامج النووي. وضمت قائمة القتلى أيضًا عبد الحميد منوشهري، أحد الكوادر المعروفة في الهندسة النووية، والذي عمل لسنوات في مجال تكنولوجيا الوقود النووي والتخصيب.
وقُتل في الهجمات الإسرائيلية كذلك أحمد رضا ذو الفشاري، وهو من الكوادر الأخرى للبرنامج النووي، إلى جانب أمیر حسين فقهي الذي كان يشغل سابقًا منصب نائب منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، وكان مديرًا نشطًا في المشاريع النووية. كما قُتل الباحث في مجال التكنولوجيات النووية، أكبر مطلبي زاده.
وإلى جانب هؤلاء، نشرت مصادر مختلفة أسماء عدد آخر من المسؤولين المرتبطين بالبرنامج النووي؛ حيث أفادت بعض التقارير بأن عدد القتلى من الكوادر النووية بلغ 14 شخصًا، بينما رفعت تقارير أخرى العدد إلى نحو 20 شخصًا. ويرى خبراء أمنيون أن هدف إسرائيل لم يكن مجرد تدمير المباني وأجهزة الطرد المركزي، بل كان تدمير الشبكة البشرية للبرنامج النووي في إيران جزءًا من استراتيجيتها؛ ولهذا السبب، كانت عمليات تصفيتهم، إلى جانب الهجوم على مراكز التخصيب، إحدى الركائز الأساسية لعملية "الأسد الصاعد".
ما المؤسسات والمراكز التي تم استهدافها؟
على عكس العديد من الاشتباكات السابقة بين إيران وإسرائيل، والتي كانت تنتهي بهجمات محدودة أو عمليات سرية، هاجمت إسرائيل في "حرب الـ 12 يومًا" طيفًا واسعًا للغاية من الأهداف في جميع أنحاء إيران. ويمكن تصنيف هذه الأهداف إلى أربع فئات رئيسية: المنشآت النووية، البنى التحتية الصاروخية والعسكرية، مراكز القيادة والاستخبارات، وبعض الرموز والمؤسسات الحكومية.
وكانت أهم الأهداف الإسرائيلية والأميركية في المجال النووي هي منشآت التخصيب في نطنز وفوردو ومجمع أصفهان النووي. وتعرضت منشأة نطنز، التي تُعد قلب برنامج التخصيب، للهجمات منذ الساعات الأولى للحرب. وأظهرت صور الأقمار الصناعية المنشورة بعد الهجوم تعرض أجزاء من البنية التحتية لإمدادات الكهرباء، وأنظمة الدعم، والمباني فوق سطح الأرض لأضرار جسيمة.
كما تعرضت منشأة فوردو القريبة من "قم" للقصف مرارًا. وكانت هذه المنشأة، بسبب موقعها في عمق الجبل وتمتعها بطبقات حماية متعددة، واحدة من أصعب الأهداف للهجمات الجوية. هذا الأمر تحول لاحقًا إلى أحد أسباب التدخل الأميركي المباشر في الحرب؛ إذ إن القنابل الأميركية الخارقة للحصون والثقيلة للغاية هي الوحيدة التي كانت قادرة على إلحاق الضرر بالأجزاء العميقة من هذا المجمع. كما تعرض مجمع أصفهان النووي، الذي يلعب دورًا مهمًا في معالجة اليورانيوم وبعض مراحل دورة الوقود النووي، للقصف في عدة مناسبات. وعلاوة على ذلك، هُوجمت المراكز المرتبطة بإنتاج قطع غيار أجهزة الطرد المركزي وبعض البنى التحتية البحثية المرتبطة بالبرنامج النووي في نقاط مختلفة من البلاد.
ولم تقتصر الهجمات الإسرائيلية على البرنامج النووي فحسب، بل ركز جزء كبير من العمليات على تدمير القدرة الصاروخية الإيرانية؛ حيث استُهدفت قواعد الصواريخ التابعة للحرس الثوري في مختلف المحافظات، ومستودعات تخزين الصواريخ، ومراكز إنتاج قطع الغيار، ومنصات الإطلاق. ومن بين هذه الأهداف، حظي مجمعا "خجير" و"بارشین" في شرق طهران بأهمية خاصة، وهما مركزان صُنِّفا لسنوات في التقارير الدولية كأجزاء من البنية التحتية الصاروخية والعسكرية الإيرانية.
وكانت القوة الجو-فضائية للحرس الثوري، المسؤولة عن برنامج الصواريخ والمسيّرات، أحد الأهداف الرئيسية في الحرب؛ حيث تعرضت القواعد المرتبطة بالمسيرات ومراكز التحكم والقيادة ومستودعات الأسلحة التابعة لهذه القوة للهجمات في مختلف أنحاء البلاد. كما حاولت إسرائيل تعطيل شبكة الدفاع الجوي الإيرانية لتوفير حرية حركة أكبر لمقاتلاتها، ولهذا السبب استُهدفت أنظمة الرادار ومواقع الدفاع الجوي ومراكز قيادة الدفاع الجوي في عدة محافظات.
وفي طهران، استُهدف عدد من مراكز القيادة والاستخبارات، وتضررت مبانٍ مرتبطة بالحرس الثوري ومراكز استخباراتية وبعض الأجهزة الأمنية.
ومن أكثر الهجمات إثارة للجدل في حرب الـ 12 يومًا، كان الهجوم على مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون (صدا وسيما)؛ حيث أعلنت إسرائيل أن هذا المركز يشكل جزءًا من "آلة الدعاية" للنظام ويخدم العمليات الحربية. وأظهرت الصور المنتشرة من طهران تعرض أجزاء من "المبنى الزجاجي" لأضرار، وأثار هذا الهجوم نقاشات واسعة حول الحدود بين الأهداف العسكرية والمدنية في وقت الحرب.
كما أثار الهجوم على سجن "إيفين" ردود فعل واسعة؛ حيث يعد أهم سجن أمني للنظام الإيراني، واستُهدف في الأيام الأخيرة من الحرب. وقُتل في هذا الهجوم عدد من السجناء وموظفي السجن وقوات الأمن. وأعلنت إسرائيل أن بعض الهياكل الأمنية والاستخباراتية المرتبطة بالنظام الإيراني كانت تنشط في هذا المجمع، لكن منتقدي الهجوم اعتبروه واحدًا من أكثر إجراءات إسرائيل إثارة للجدل خلال الحرب.
وإلى جانب هذه الحالات، استُهدفت المطارات العسكرية، والقواعد الجوية للجيش والحرس الثوري، والمراكز اللوجستية، ومستودعات الوقود العسكري، ومراكز الاتصالات، والبنى التحتية المرتبطة بقيادة القوات المسلحة. وفي بعض المناطق، تضررت مبانٍ سكنية بسبب وقوعها بالقرب من أهداف عسكرية أو بسبب وجود قادة ومسؤولي البرنامج النووي فيها.
ولم تكن استراتيجية إسرائيل في "حرب الـ 12 يومًا" مقتصرة على إيقاف البرنامج النووي؛ بل أظهرت مجموعة الأهداف المختارة أن تل أبيب كانت تسعى لتوجيه ضربة متزامنة للأركان الأربعة الرئيسية لقوة انظام الإيراني: القيادة العسكرية، البرنامج النووي، القدرة الصاروخية، والهياكل الأمنية والاستخباراتية.
الرد الإيراني
بعد ساعات قليلة من بدء الهجمات الإسرائيلية، بدأت إيران عمليتها الانتقامية.
وخلال "حرب الـ 12 يومًا"، أُطلقت مئات الصواريخ البالستية وأكثر من ألف طائرة مسيّرة باتجاه إسرائيل، حيث اعترضت أنظمة الدفاع الإسرائيلية والأميركية والحلفاء الإقليميون الجزء الأكبر منها، لكن بعضها وصل إلى أهدافه.
وأصابت الصواريخ الإيرانية تل أبيب وحيفا وبئر السبع وعدة مدن أخرى، وتضررت بعض المناطق السكنية وبنى تحتية للطاقة ومراكز صناعية ومنشآت عسكرية. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها إسرائيل لهجمات صاروخية مكثفة ومستمرة لأيام متتالية من الأراضي الإيرانية.
التدخل الأميركي وقصف "فوردو"
سُجلت أهم نقطة تحول في الحرب في 22 يونيو 2025؛ فبينما لم تتمكن إسرائيل على مدار أكثر من أسبوع من إلحاق ضرر كامل بمنشأة فوردو الأرضية، قررت الولايات المتحدة التدخل مباشرة في الحرب. وفي عملية حملت اسم "مطرقة منتصف الليل" استخدمت القاذفات الشبحية الأميركية من طراز بي-2 (B-2) القنابل الخارقة للحصون من طراز جي بي يو-57 (GBU-57)، واستهدفت المراكز الثلاثة الرئيسية للبرنامج النووي في إيران، وهي: فوردو ونطنز وأصفهان.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية والتقييمات اللاحقة أن "فوردو ونطنز وأصفهان" تعرضت لأضرار فادحة، رغم بقاء الخلافات القائمة حول المدى الدقيق لدمار البنى التحتية النووية في إيران.
خسائر "حرب الـ 12 يومًا"
تختلف التقديرات حول أعداد الضحايا؛ فبناءً على الإحصاءات الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان والمصادر الرسمية، قُتل أكثر من ألف شخص في إيران، كان من بينهم عسكريون، ورجال أمن، ومسؤولون نوويون، ومدنيون. وفي إسرائيل، قُتل ما بين 28 إلى 32 شخصًا، ونُقل أكثر من 3238 شخصًا إلى المستشفيات. كما ألحقت الحرب أضرارًا واسعة النطاق بالبنى التحتية والمراكز الصناعية والمباني السكنية والمنشآت العسكرية لدى الطرفين.
كيف انتهت الحرب؟
بعد الهجوم الأميركي على المنشآت النووية في إيران، شنت طهران هجومًا صاروخيًا محدودًا على قاعدة "العديد" الأميركية في قطر. ولم يسفر هذا الهجوم عن خسائر بشرية، واعتبره الكثيرون محاولة للرد دون الذهاب نحو توسيع رقعة الحرب بشكل أكبر.
وفي نهاية المطاف، ونتيجة للوساطات الدبلوماسية والضغوط الدولية، أُعلن وقف إطلاق النار في الثالث من 24 يونيو 2025، وتوقفت أطراف الحرب عن هجماتها. وفي نهاية "حرب الـ 12 يومًا"، لم ينتهِ البرنامج النووي الإيراني بالكامل، ولم ينتهِ التهديد المتبادل بين الطرفين، لكن توازن القوى في المنطقة تغير.
ويرى العديد من المحللين أن "حرب الـ 12 يومًا" شكّلت نقطة الانطلاق لمرحلة جديدة من الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.