ومن بين الركام الهائل للإحصاءات الصادرة في هذه الأسابيع، نادرًا ما يعكس رقمٌ وضعَ الصناعة الإيرانية بعد الحرب بهذا الوضوح.
إن مؤشر مديري المشتريات، الذي تنشره غرفة إيران تحت اسم "شامخ"، هو النسخة الإيرانية للمؤشر المعروف عالميًا بـ (PMI). حيث يُسأل مديرو الشركات شهريًا عن تقييمهم لأوضاعهم مقارنة بالشهر السابق من حيث: الإنتاج، والطلبيات الجديدة، والمبيعات، والتوظيف، ومخزون المستودعات. وتحوَّل الإجابات إلى مؤشر يتراوح بين الصفر والمئة، حيث يمثل الرقم 50 الحد الفاصل لسلامة القطاع؛ فما فوق الخمسين يعكس رواجًا، وما دونها يشير إلى انكماش.
وتتابع البنوك المركزية والمستثمرون حول العالم هذا المؤشر بجدية تفوق الكثير من الإحصاءات الرسمية؛ لكونه يستشرف الأحداث مبكرًا، ويكشف الركود قبل أشهر من ظهوره في بيانات النمو الاقتصادي الرسمية. كما تمتاز هذه الأداة بأن سلة التضخم وطريقة الحساب قد تخضع للتلاعب، لكن دفاتر الطلبيات في المصانع لا ترتفع ولا تنخفض وفقًا لرغبة صانع القرار السياسي.
وبحسب تقرير مركز بحوث غرفة إيران، فقد هبط مؤشر "شامخ" لقطاع الصناعة خلال الفترة المذكورة- بالتزامن مع الهجوم العسكري على إيران- إلى 26.2؛ وهو القاع التاريخي لهذا المؤشر طوال سنوات تطبيقه الثماني، وهي فترة تشمل أيضًا سنوات جائحة كورونا.
واللافت في الأمر أن التقرير المستقل لتنلك الفترة لم يُنشر أبدًا، وظل هذا الرقم مخفيًا إلى أن ظهر لاحقًا وبصمت في الرسم البياني لتقرير شهر أبريل (نيسان) الماضي، الذي استقر مؤشر الصناعة فيه عند 37.4، بينما سجل مؤشر "شامخ" لإجمالي الاقتصاد 38.5؛ وهي الأرقام الأدنى طوال فترة تنفيذ هذا الاستطلاع باستثناء الشهر السابق عليه. وبذلك، يظل قطاع الصناعة الإيراني قابعًا تحت خط الـ 50 لخمسة أشهر متتالية.
ويتضح عمق هذه الأرقام عند مقارنتها بالمتغيرات العالمية؛ ففي أبريل 2020- ذروة الإغلاقات الناجمة عن جائحة كورونا- سُجلت مستويات قياسية سالبة في العديد من الدول؛ حيث هبط مؤشر الولايات المتحدة آنذاك إلى 41.5، وإسبانيا إلى 30.8، وبريطانيا إلى 32.6 (وهو الرقم الأسوأ لها منذ نحو ثلاثة عقود). كما سجلت الهند 27.4 بالتزامن مع الحجر الصحي الشامل لمليار و400 مليون نسمة، وهو القاع التاريخي للمؤشر هناك.
وقد تراجع قطاع الصناعة الإيراني، خلال فترة جائحة "كورونا"، إلى مستويات أدنى من كل هذه الأرقام العالمية، ولكن مع فارق جوهري: وهو أن تلك الدول أوقفت اقتصاداتها عمدًا ومؤقتًا لإنقاذ أرواح مواطنيها، وعادت جميعها بعد أشهر قليلة إلى ما فوق خط الـ 50. أما في إيران، فإن الصناعة تبدو لاهثة الأنفاس تحت وطأة الحرب، والعقوبات، والحصار.
تفكيك بنية الانهيار: المخازن فارغة والتسريح يتزايد
تكتمل الصورة عند تفكيك أجزاء تقرير شهر أبريل الماضي؛ فمن بين 11 مؤشرًا فرعيًا، تقبع 10 مؤشرات تحت خط الـ 50. إذ سجل حجم الإنتاج 38.6، وهو من أقل الأرقام خلال السنوات الثماني الماضية. كما يظهر مقياس "الطلبيات الجديدة" بتسجيله 37.4 أن الطلب قد جفّ تمامًا في السوقين المحلية والتصديرية على حد سواء.
واستقرت "سرعة تسليم الطلبيات" عند حدود 39.6، وعزا التقرير ذلك إلى عدة أسباب أبرزها: انقطاع الإنترنت، والاضطراب في التبادلات المالية، والقيود المفروضة على الواردات. ويعكس مؤشر "مخزون المواد الخام" البالغ 32.6 حالة من تفريغ المستودعات، ويحذر تقرير الغرفة من أنه في حال استمرار هذا الوضع، فإن مخاطر التوقف الكامل أو الجزئي لخطوط الإنتاج ستتصاعد في الأشهر المقبلة.
ويشير مقياس "الصادرات" البالغ 39.8 إلى إغلاق أحد أهم قنوات السيولة النقدية للشركات. أما السطر الأكثر مرارة في الجدول، فهو مؤشر "التوظيف" الذي سجل 36.8، ليعكس حقيقة أن تعديل وتسريح العمالة بعد الحرب لم يتوقف، بل آخذ في التعمق والاتساع.
ومع ذلك، يوجد استثناء وحيد في هذا الجدول؛ ففي الركام الذي يدور كله في محيط الـ 30 والـ 40، يقف رقم واحد شامخًا فوق مستوى 77: وهو "سعر شراء المواد الخام"، مما يعكس بيئة تضخمية حادة. فالمنشأة الصناعية التي تنتج أقل وتبيع أقل، باتت تدفع مبالغ أكبر شهرًا تلو الآخر مقابل كل ما تشتريه.
ولإثبات حالة "الركود التضخمي" عادةً ما يتطلب الأمر دمج إحصاءين من مؤسستين مختلفتين؛ لكن هنا، يجلس طرفا المعادلة معًا في صفحة واحدة من تقرير واحد. وسيشق هذا الضغط الناجم عن التكلفة طريقه حتمًا إلى أسعار المستهلكين، ومن هنا تحديدًا بدأت ملامح التضخم الشهري الذي قارب 9 في المائة، خلال الفترة من 12 أبريل إلى 21 مايو (أيار) الماضيين.
وهبطت "مبيعات المنتجات" بتسجيلها التراجع السادس على التوالي لتصل إلى 41.3، بعد أن كانت 19.1 خلال الشهر السابق. وتعكس "توقعات الإنتاج للشهر المقبل" البالغة 32.2 (وهي من أدنى المستويات التاريخية للمؤشر) نظرة مديري الشركات القاتمة والمتشائمة بشأن الآفاق المستقبلية.
الحلقة المفرغة واستهداف قاطرة الاقتصاد
إن ما يحول هذا التقرير من مجرد صورة سيئة إلى توقعات أكثر سوءًا هو تركيبة الصناعات؛ ففي السنوات الماضية، كان متوسط مؤشر "شامخ" للصناعة يعتمد بشكل أساسي على مجموعتين صامدتين: الفولاذ والبتروكيماويات، وهما الرافدان الرئيسيان للعملة الصعبة في البلاد واللذان كانا يقفان عادةً فوق خط الـ 50.
وبشهادة تقرير الغرفة، فإن هاتين المجموعتين تحديدًا قد استُهدفتا مباشرة خلال الحرب الأخيرة، ولم تعودا قادرتين على رفع المتوسط العام. ويخلق هذا الوضع حلقة مفرغة: حيث تقل صادرات الفولاذ والبتروكيماويات، وتتدفق عملة صعبة أقل إلى البلاد، فتصبح المواد الخام المستوردة أغلى ثمنًا وأكثر ندرة، لينخفض الإنتاج تلو الآخر.
ويجب وضع هذه الحلقة جنبًا إلى جنب مع مؤشر "مخزون المواد الخام" البالغ 32.6 الذي ينذر بتوقف خطوط الإنتاج في الأشهر المقبلة، وبالتوازي مع الحصار البحري المستمر الذي يُقدر أنه يكبّد الاقتصاد الإيراني خسائر يومية تبلغ نحو 430 مليون دولار. ومن خلال ربط هذه العوامل معًا، يمكن التنبؤ بأن مؤشر "شامخ" يسير نحو تسجيل أرقام قياسية أكثر هبوطًا في الأشهر القادمة.