• فارسی
  • English
Brand
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • المظهر
  • اللغة
    • فارسی
    • English
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
جميع الحقوق محفوظة، يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر.
volant media logo

بين حريق السوق ورصاص الأمن.."إيران إنترناشيونال" تكشف أسرار مجازر "رشت" في احتجاجات إيران

فرنوش فرجي
فرنوش فرجي

إيران إنترناشيونال

28 مايو 2026، 12:28 غرينتش+1آخر تحديث: 14:05 غرينتش+1

بناءً على معلومات وروايات شهود عيان، أودت قوات الأمن بحياة مئات الأشخاص لقمع الاحتجاجات الأخيرة في مدينة "رشت"، شمال إيران، وذلك عبر إطلاق النار المباشر على المواطنين، ومحاصرتهم داخل سوق المدينة (البازار) أثناء اندلاع حريق فيه، ومنع وصول طواقم الإغاثة والإنقاذ إليهم.

وتسعى "إيران إنترناشيونال"، من خلال حملة شعبية إلى تسجيل وتوثيق الحقيقة بشأن مجازر شهر يناير (كانون الثاني) الماضي في مدينة رشت. إذا كنتم شهود عيان على أحداث تلك الليالي، أو من عائلات وأقارب الضحايا الذين سقطوا في هذه المدينة، نرجو منكم مشاركة رواياتكم ومعلوماتكم معنا عبر روبوت الدردشة الخاص بـ "إنتل ميديا"، والمساهمة في الكشف عن أبعاد هذه المجزرة.

وخلال الاحتجاجات، اندلعت النيران في أجزاء من سوق رشت القديم، بما في ذلك سوق بائعي الكتب، وسوق "طاقي"، وسوق النحاسين (مسكران). وقال أحد شهود العيان لـ "إيران إنترناشيونال" إن قوات القمع الأمني اقتادت المتظاهرين إلى مناطق ذات مداخل ومخارج محدودة ومعلومة، وبعد محاصرتهم، اندلعت الحرائق في تلك النطاقات المحددة ذاتها.

حصار وسط النيران

وبحسب هذا الشاهد، كانت رائحة الحريق والدخان والرماد شديدة لدرجة أن سماء رشت ظلت مغطاة بسحب من الدخان حتى ساعات الصباح الأولى، وكانت رائحة الاحتراق تفوح بقوة في أجزاء واسعة من المدينة.

وتشير الروايات إلى أن الاحتجاجات في رشت بدأت يوم الأربعاء، 7 يناير الماضي، بتجمع المواطنين في السوق؛ حيث تجمع المتظاهرون أولاً في السوق وطلبوا من أصحاب المحال التجارية إغلاق محالهم، ثم تحركت الحشود نحو ميدان البلدية (شهرداري). وبعد دخول قوات التعبئة (الباسيج)، تفرقت الحشود لفترة وجيزة، لكن التجمعات عاودت التشكل منذ مساء ذلك اليوم في ساحة "سبزه ميدان" ومحيط شارع "بيستون".

وذكر شاهد عيان أن عدد المتظاهرين في "سبزه ميدان" كان يتراوح في البداية بين ألف وألفي شخص، لكنه تزايد تدريجيًا. وأضاف أن قوات "الباسيج" كانت مرتبكة في البداية، لأن المتظاهرين كانوا يرددون الشعارات بشكل متفرق في نقاط مختلفة، وحينما كانت القوات تتحرك نحو نقطة معينة، كان تجمع آخر يتشكل في مكان آخر.

حشود تتدفق من كل حدب وصوب

اندلعت الاحتجاجات، يوم الخميس 8 يناير الماضي، بشكل متزامن في نقاط مختلفة من مدينة "رشت"، والتحمت معًا في الشوارع المركزية.

وقال شاهد عيان لـ "إيران إنترناشيونال" إن حشودًا غفيرة كانت موجودة في الشوارع الممتدة من تقاطع "توتونكاران" حتى ميدان البلدية. ووصف الشاهد حجم الحشود في شارع "إمام" ومحيط ميدان البلدية بعشرات الآلاف، مشيرًا إلى أن الاحتجاجات لم تقتصر على الشوارع الرئيسية، بل امتدت لتشمل الأحياء والأزقة الفرعية.

ووفقًا له، عندما تزايدت الأعداد وأصبحت للمتظاهرين الغلبة في بعض أجزاء المدينة، تدخلت قوات القمع بإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي. وأفاد شهود بأن قوات القمع أغلقت طرق تراجع الحشود من عدة جهات، واقتحمت الأزقة المحيطة وبدأت بإطلاق النار على المتظاهرين.

وطبقًا للمعلومات الواردة، جرى إطلاق نار مكثف على المتظاهرين في ميدان "غاز"، وشارع "معلم"، وميدان البلدية، و"سبزه ميدان"، وشارع "شريعتي"، والطرق المحيطة بالسوق. وتُظهر الروايات أنه بعد الساعة 10.30 مساءً (بالتوقيت المحلي)، ومع دخول قوات الحرس الثوري، تصاعدت حدة القمع وبدأ إطلاق النار المباشر بالأسلحة الحربية.

كأنهم جاؤوا للصيد

وصف أحد المشاركين في تجمع 8 يناير الماضي بمدينة رشت الوضع قائلاً: "في الساعات الأولى، كان القمع بيد قوات الباسيج غالبًا؛ ولكن في حدود الساعة 10.30 ليلاً دخل الحرس الثوري مدججًا ببنادق الكلاشينكوف. كان العنصر الأول يقود الدراجة النارية بينما يقوم العنصر الجالس في الخلف بالتصويب والإطلاق.. كأنهم جاؤوا للصيد. معظم القتلى في رشت سقطوا بدءًا من تلك الساعة".

وبحسب قوله، كانت القوات تستهدف على وجه الخصوص الفتيان والشبان، وفي بعض الحالات، كانوا يطلقون النار على زجاج السيارات لإجبار السائقين على اختراق الحواجز بالشوارع لفتح الطريق أمام قوات القمع.

عندما وصلت النيران إلى السوق

بدأ الحريق في منطقة سوق رشت في الوقت الذي كانت فيه القوات الأمنية في مختلف نقاط المدينة لقمع المواطنين.

ووفقًا للروايات الواردة، فقد بدأ الحريق من محيط شارع "شريعتي" وبالقرب من مسجد "الحاج مجتهد"، وبسبب الكثافة العالية للمحلات في السوق، انتشرت النيران بسرعة إلى الأجزاء الأخرى. وقال شهود إنه خلال عمليات القمع، دُفعت مجموعة من الناس الذين كانوا يحاولون الفرار من إطلاق النار وهجوم القوات نحو سوق رشت؛ وهو سوق يتميز بأزقته الضيقة ومخارجه المحدودة.

وذكر هؤلاء الشهود أن عناصر الأمن أغلقوا مخارج السوق من الجهتين، وبعد ذلك التهمت النيران أجزاءً منه. وبحسب الروايات التي وصلت إلى "إيران إنترناشيونال"، وجد المتظاهرون والمواطنون المحاصرون في السوق أنفسهم أمام خيارين كليهما مر: إما البقاء وسط الدخان والنيران، أو محاولة الخروج من السوق والتعرض لإطلاق النار من قِبل القوات الأمنية.

وقال شهود إن عددًا ممن لقوا حتفهم في محيط السوق استُهدفوا بالرصاص أثناء محاولتهم الفرار، بينما حوصر آخرون وسط الدخان والنيران. وكان جزء من القتلى في منطقة السوق من أصحاب المحلات الذين دخلوا لإخلاء بضائعهم وإنقاذ ممتلكاتهم، لكنهم حوصروا جراء النيران وإغلاق الطرق.

وقال شاهد عيان في رشت لـ "إيران إنترناشيونال" إنه في حدود الساعة 2.30 فجرًا (بالتوقيت المحلي) وبعد عودة خطوط الهاتف للعمل، وردت أنباء تفيد بأن سوق رشت يحترق: "توجهت برفقة عدة أشخاص نحو السوق ورأينا العديد من الخانات (القفار) القديمة تحترق. كان الناس يحاولون سحب البضائع من المحلات التي اقتربت منها النيران".

وتابع واصفًا الوضع: "الجميع كان إما مشغولاً بالمساعدة أو يجهش بالبكاء. أحد الكسبة الذين احترق محله بكل ما فيه من بضائع كان يصرخ: "شقا عمري ضاع". وفي المكان ذاته، بدأ عدة أشخاص الهتاف ضد خامنئي".

أوامر لرجال الإطفاء بعدم إخماد النيران

بناءً على المعلومات الواردة، لم تتمكن سيارات الإطفاء في الساعات الأولى من الحريق من دخول منطقة السوق بشكل كامل، ووصلت أولى السيارات بتأخر دام عدة ساعات.

وقال أحد الشهود إن المواطنين كانوا يضربون بقبضاتهم على هيكل إحدى سيارات الإطفاء ويطالبون السائق بالدخول السريع إلى السوق والسيطرة على الحريق، لكن سائق سيارة الإطفاء الذي توقف بالقرب من المحلات قال: "لديّ أوامر بالوقوف هنا فقط. لا يسمحون لي بالمرور أكثر من ذلك.. مهمتي تنتهي هنا".

كما وصلت روايات إلى "إيران إنترناشيونال" تفيد بأن الأجهزة الأمنية، بما في ذلك دائرة الاستخبارات واستخبارات الحرس الثوري، أمرت رجال الإطفاء بعدم التدخل لإخماد الحريق في الوقت الحالي.

وقال شهود إن بعض المتظاهرين استُهدفوا بالرصاص أثناء فرارهم من منطقة السوق، بينما حوصر آخرون وسط الدخان والنيران. وفي فجر الجمعة، أغلقت القوات جزءًا من ميدان البلدية عند بداية شارع "سعدي". وحسب الروايات، جُمعت جثامين عدد من المتظاهرين في ذلك الموقع ثم نُقلت بواسطة سيارات بيك-أب من طراز "نيسان".

إطلاق نار عشوائي على المتظاهرين

في مساء يوم الجمعة 9 يناير الماضي اتخذ عنف قوات القمع أبعادًا أوسع؛ حيث كانت الحشود في الشوارع أقل عددًا، وكانت القوات تطلق النار دون إنذار مسبق على أي تجمع يضم بضعة أشخاص.

وكان شارع "مطهري"، وشارع "معلم"، والأزقة المحيطة من بين المناطق التي أفاد شهود بوجود آثار دماء على طرقها وتعرضها لإطلاق نار مباشر. وقال أحد الشهود: "لم يعد هناك إنذار، ولا غاز مسيل للدموع، ولا هراوات. فقط إطلاق نار مباشر بالأسلحة الحربية، حتى داخل الأزقة كان الإسفلت مخضبًا بالدماء".

وبعد هذا القمع، سادت المدينة حالة من الصدمة وتناقل الأنباء عن مقتل وإصابة المتظاهرين. وفي الأيام التالية، كان المواطنون يتبادلون أخبار الضحايا في المتاجر والشوارع.

ووفقًا لأحد الشهود، شهد يوم الأحد 11 يناير الماضي حشودًا غفيرة في محيط مقبرة "باغ رضوان" في رشت، وامتدت طوابير السيارات في الطرق المحيطة لعدة كيلومترات. وأضاف أن أحد معارفه، الذي ذهب إلى المقبرة لحضور مراسم دفن أحد أقاربه، قال إنه جرى نقل مئات الجثامين إلى هناك في ذلك اليوم للتعرف على هوياتهم.

ضغوط مضاعفة من السلطة على العائلات المفجوعة

بحسب تصريحات الأهالي، لم تُسلَّم جثامين بعض القتلى إلا بعد أخذ تعهدات وتوقيعات؛ وهي تعهدات جرى الضغط على العائلات بموجبها للقبول بأن ذويهم قُتلوا على يد "عملاء لإسرائيل وأميركا".

وتُظهر الروايات الواردة من رشت أن ما حدث خلال الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في هذه المدينة لم يكن مجرد قمع شوارع عادي، بل كان مزيجًا من إطلاق النار المباشر، وحصار المتظاهرين، وحريق هائل في السوق، وتأخير متعمد في عمليات الإنقاذ، ونقل سري للجثامين، وضغوط أمنية مكثفة على عائلات الضحايا.

وتدعو "إيران إنترناشيونال"، استمرارًا لحملتها الشعبية لتوثيق الحقيقة بشأن مجازر "رشت"، في شهر يناير الماضي، شهود العيان والعائلات وأقارب الضحايا لإرسال رواياتهم، وصورهم، ومقاطع الفيديو والمعلومات التي بحوزتهم، لكي لا تُدفن أسماء وقصص ضحايا رشت في غيابات الصمت والنسيان.

الأكثر مشاهدة

الحرس الثوري الإيراني يستهدف قاعدة جوية أميركية..والكويت تعلن اعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة
1

الحرس الثوري الإيراني يستهدف قاعدة جوية أميركية..والكويت تعلن اعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة

2

إعلام إسرائيلي: مساعي مسقط وطهران للسيطرة على مضيق هرمز تثير غضب أميركا ودول المنطقة

3

منظمة حقوقية: مقتل شقيقين شاركا في الاحتجاجات الأخيرة برصاص الحرس الثوري الإيراني

4

مقتل قائد بالحرس الثوري في مدينة عربية بإيران كان له دور في أحداث سوريا

5

أميركا تفرض عقوبات على هيئة استحدثتها إيران مؤخرًا للسيطرة على مضيق هرمز

•
•
•

المقالات ذات الصلة

انعدام الأمن الاقتصادي والتآكل الأسري.. الحياة في إيران بـ "وضع الطوارئ"

15 مايو 2026، 21:03 غرينتش+1
•
صبا آلاله
انعدام الأمن الاقتصادي والتآكل الأسري.. الحياة في إيران بـ "وضع الطوارئ"
100%

ربما خلال السنوات الأخيرة لاحظتم تدريجيًا تغييرات في أسلوب حياتكم أو حياة من حولكم؛ تغيّرات بدت في البداية صغيرة وغير مهمة، لكنها تحولت مع الوقت إلى جزء ثابت من الحياة اليومية في إيران.

لقد واجهنا لسنوات ارتفاعًا مستمرًا في الأسعار في معظم جوانب الحياة، ارتفاعًا لا يظهر بشكل مؤقت بل يوميًا وأسبوعيًا وأحيانًا لحظيًا. وفي هذا السياق، لم يتغير فقط مستوى الأسعار، بل تغيرت أيضًا طبيعة وجودة الحياة نفسها.

تقلصت موائد كثير من الأسر تدريجيًا، وفي كل مرة يتم حذف أو تقليل بعض المشتريات أو الاحتياجات الأساسية؛ من إلغاء اللحوم وبعض المواد الغذائية الرئيسية إلى تأجيل العلاج، والتخلي عن الضروريات، وحتى إلغاء الرحلات العائلية التي كانت تُعد جزءًا طبيعيًا من الحياة.

قبل سنوات قليلة، لم يكن أحد يتصور أن تصل تكاليف الحياة اليومية والمواد الغذائية الأساسية إلى هذا الحد من التغير؛ من الخبز والبيض إلى الحليب والجبن وسائر الاحتياجات اليومية. لكن هذه التغيرات لم تحدث فجأة، بل بشكل تدريجي ومتراكم، عبر حذف صغير لكنه مستمر أعاد تشكيل أسلوب الحياة.

كما تراجعت الرحلات، وتقلصت أشكال الترفيه، وانخفضت اللقاءات العائلية والاجتماعية، وتغيرت طبيعة العلاقات الاجتماعية نفسها. وفي كثير من الحالات، اضطر الأفراد للعمل في أكثر من وظيفة لتعويض الضغوط الاقتصادية، ما أثر على الراحة النفسية وجودة العلاقات والصحة العقلية.

ومع الوقت، أصبحت حتى الخيارات اليومية البسيطة خاضعة للضغوط الاقتصادية، من نوع الطعام والترفيه إلى أسلوب العمل ونمط الحياة.

وفي مثل هذه الظروف، لا يتعلق التغيير بالتكاليف فقط، بل بحدود الحياة نفسها؛ إذ يبدو أن مساحة الحياة اليومية أصبحت أصغر، وأن الكثير من التجارب الاجتماعية والعاطفية بدأت تختفي تدريجيًا.

وبالتوازي مع ذلك، خلقت حالة انعدام الأمن الاقتصادي ضغطًا مستمرًا ومتآكلًا تسلل ببطء إلى بنية الحياة اليومية. ويمكن القول إن كثيرين يعيشون اليوم تجربة لا تأتي على شكل أزمات مفاجئة، بل على شكل تآكل تدريجي وتغيرات مستمرة تعيد تعريف الحياة نفسها.

إعادة إنتاج انعدام الأمن واضطراب البنية النفسية الجماعية

خلال العقود الأخيرة، واجه المجتمع تضخمًا مزمنًا وعدم استقرار اقتصادي مستمر. وتشير البيانات الرسمية إلى أن معدل التضخم في العقد الأخير تراوح بين 30 و50 في المائة، ما أدى إلى انخفاض حاد في القوة الشرائية للأسر.

وفي الوقت نفسه، تتراوح نسبة البطالة الرسمية بين 7 و10 في المائة، لكن انتشار الفقر وظهور فقراء جدد يشير إلى أن الطبقة المتوسطة نفسها أصبحت أكثر تعرضًا لانعدام الأمن المعيشي.

ورغم القيود على الوصول إلى البيانات الدقيقة في الأشهر الأخيرة بسبب الظروف السياسية والحربية، فإن الشواهد الميدانية تؤكد أن الضغوط الاقتصادية لم تنخفض، بل ازدادت بشكل ملحوظ، مع ارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة ونقص الأدوية والخدمات الصحية.

وفي هذه الظروف، تتحول الأزمة الاقتصادية إلى تجربة دائمة من القلق والإرهاق وانعدام الأمان، تؤثر على الحياة الفردية والبنية الاجتماعية وقدرة المجتمع على التخطيط للمستقبل.

وهذا الوضع لا يؤدي فقط إلى انخفاض الدخل، بل يخلق ضغطًا نفسيًا بنيويًا. وتُظهر الدراسات العلمية أن القلق الناتج عن عدم الاستقرار يرتبط مباشرة بزيادة اضطرابات القلق والاكتئاب والإجهاد النفسي الجماعي.

وتؤثر هذه الضغوط على الجهاز العصبي بشكل مستمر، مما يقلل القدرة على التفكير المعقد ويحوّل التركيز إلى احتياجات البقاء قصيرة المدى، ومِن ثمّ تضعف قدرات الإبداع والتعاطف والتخطيط للمستقبل والمشاركة الاجتماعية.

وتشير البيانات إلى أن الضغط الاقتصادي المزمن يؤدي إلى تراجع الثقة بالمؤسسات وتفكك رأس المال الاجتماعي، مما يضعف قدرة المجتمع على حل مشكلاته الجماعية.

كما تظهر زيادة في السلوكيات العدوانية والعنف الأسري والمشاجرات والسرقات، إضافة إلى انتشار الإدمان والطلاق.

الفقر كأزمة هوية ونفس

الفقر ليس مجرد نقص مادي، بل تجربة نفسية عميقة ومستمرة.

الشخص الذي ينشغل بتأمين احتياجاته الأساسية، مثل السكن والغذاء والعلاج يستهلك كل طاقته النفسية في إدارة القلق اليومي، دون مساحة للتخطيط أو الإبداع أو التطور الشخصي.

كما يؤدي الضغط الاقتصادي إلى تراجع الوظائف الإدراكية مثل التركيز والذاكرة واتخاذ القرار، ما ينعكس على الصحة النفسية للمجتمع ككل.

وتشير الدراسات إلى أن انخفاض الوضع الاقتصادي والاجتماعي يرتبط بزيادة القلق والاكتئاب، وأن الفقر المزمن يؤدي إلى ضعف الأداء الذهني، وأن سوء التغذية يرتبط باضطرابات المزاج.

كما يؤدي فقدان الأمان الوظيفي إلى أزمة هوية؛ حيث يفقد الفرد إحساسه بالمكانة والدور الاجتماعي، مما يضعف بنيته النفسية.

ومن آثار ذلك أيضًا ما يُسمى «تحويل الغضب»؛ حيث لا يستطيع الفرد توجيه غضبه نحو مصدره الحقيقي فينقله إلى الأقربين، ما يحوّل الأسرة إلى بيئة توتر بدلاً من كونها ملاذًا نفسيًا.

كما أن نقص الأدوية، خصوصًا الأدوية النفسية، يزيد من هشاشة الفئات الضعيفة ويضاعف الشعور بالعجز.

تآكل الأسرة وانسداد المستقبل

أدى استمرار الأزمة الاقتصادية والاضطرابات المعيشية، في سياق الأزمات المتراكمة، إلى تفاقم الضغوط النفسية.

وأصبح الخوف من المستقبل والقلق من تكرار الأزمات جزءًا من الحياة اليومية، مما يضع الأسرة نفسها في حالة توتر بدلاً من أن تكون مصدر أمان.

والأطفال أيضًا يتأثرون بهذه البيئة غير المستقرة، مما ينعكس على نموهم النفسي والعاطفي على المدى الطويل.

وفي النهاية، ما يواجهه المجتمع اليوم في إيران ليس مجرد أزمة معيشية، بل عملية تآكل للسلامة النفسية الجماعية، وقدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه ومعناه.

إن استمرار هذا الوضع يضع المجتمع بين ضغط اقتصادي مستمر ومحاولة الحفاظ على الهوية الفردية والإنسانية، وهو وضع يتطلب معالجة عاجلة لبناء الصحة النفسية الجماعية وحماية الأسس النفسية للمجتمع.

نشر صور علي خامنئي وتعهّد خطي وتقديم كفيل.. شروط الأمن لاستعادة الإنترنت في إيران

12 مايو 2026، 15:36 غرينتش+1
•
سابا حيدر خاني
نشر صور علي خامنئي وتعهّد خطي وتقديم كفيل.. شروط الأمن لاستعادة الإنترنت في إيران
100%

أظهرت رسائل، وصلت إلى "إيران إنترناشيونال"، أن الأجهزة الأمنية في إيران قامت بحجب الإنترنت وشرائح الاتصال الخاصة ببعض المواطنين بسبب "أنشطة معادية ومغرضة ضد النظام"، وطالبتهم بالمشاركة في تجمعات حكومية، وتقديم تعهّدات خطية، وإحضار كفيل من أجل رفع القيود.

وبحسب هذه المعلومات، أرسلت جهات أمنية رسائل "دون ترويسة رسمية" إلى مواطنين، طلبت فيها إرسال بياناتهم الشخصية الكاملة، وعناوين السكن والعمل، وأرقام الحسابات البنكية، وصور البطاقات المصرفية، إضافة إلى عناوين ومعلومات جميع حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي جزء آخر من الرسائل، طُلب من المواطنين توقيع تعهّد بخط اليد يتعهدون فيه بعدم نشر "أنشطة مغرضة" أو محتوى من شأنه، بحسب الرسائل، "الإخلال بالأمن النفسي أو الاجتماعي أو السياسي للبلاد".

وأكدت الرسائل أن نشاط المستخدمين يخضع لـ "مراقبة ذكية وأنظمة اصطناعية"، وأن تكرار هذه الأنشطة قد يؤدي إلى "ملاحقات قضائية" و"عقوبات أشد".

كما طُلب من بعض الأشخاص نشر ما لا يقل عن 20 منشورًا داعمًا للنظام الإيراني على مواقع التواصل الاجتماعي، وإرسال صور تثبت ذلك، كشرط لرفع القيود.

إجبار على المشاركة في تجمعات ليلية مؤيدة للنظام

وخلال العام الماضي، ظهرت تقارير عن ضغوط وعمليات ترهيب بهدف السيطرة على نشاط المستخدمين في الفضاء الإلكتروني. إلا أن المستخدمين طُلب منهم هذه المرة "عدم نشر جميع المنشورات في يوم واحد" حتى يبدو الأمر طبيعيًا.

كما طُلب من هؤلاء المواطنين المشاركة في التجمعات الليلية المؤيدة للنظام التي بدأت عقب الهجمات الأميركية والإسرائيلية، واستمرت رغم وقف إطلاق النار، والتقاط صور لهم إلى جانب أعلام إيران أو صور علي خامنئي.

وفي بعض الرسائل، طُلب تقديم وثائق هوية لكفيل، مع إلزامه بتحمل مسؤولية "العواقب الناجمة عن أي نشاط إجرامي متكرر من الشخص".

وفي أغسطس (آب) 2025، كتب عدد كبير من المواطنين على وسائل التواصل الاجتماعي أن شرائح الاتصال الخاصة بهم قُطعت بشكل مفاجئ، ودون إنذار مسبق أو أمر قضائي، بسبب نشرهم محتوى انتقاديًا، خصوصًا بعد "حرب الـ 12 يومًا".

وكانت الأجهزة الأمنية تتواصل مع المواطنين عبر تطبيق "إيتا" الداخلي، مطالبةً إياهم بتنفيذ إجراءات محددة ومراجعة جهات تحمل أسماء مثل "كرداب" أو "مكتب الفضاء الإلكتروني التابع للادعاء العام" لرفع الحظر.

وفي كثير من هذه المراجعات، طُلب من المواطنين تقديم صورة من بطاقات هويتهم الشخصية وتوقيع تعهّد خطي بالامتناع عن أي نشاط انتقادي على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقبل ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أُجبر عدد من الصحافيين والنشطاء السياسيين، بعد قطع شرائح الاتصال الخاصة بهم، على حذف منشوراتهم ونشر محتوى يتعارض مع قناعاتهم الشخصية على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بأوامر من الأجهزة الأمنية.

انقطاع الإنترنت يدفع الإيرانيين نحو تطبيقات محلية لا يثقون بها

8 مايو 2026، 14:58 غرينتش+1
•
سابا حيدر خاني
انقطاع الإنترنت يدفع الإيرانيين نحو تطبيقات محلية لا يثقون بها
100%

أُجبر كثير من الإيرانيين على استخدام تطبيقات محلية يفتقرون للثقة بها، بعد أن قطعت السلطات الوصول إلى الإنترنت العالمي، ما تسبب في اضطراب التعليم والأعمال التجارية، وعرّض المستخدمين لبطء الاتصال والرقابة ومخاوف المراقبة.

وكانت الشركات التي تعتمد على "إنستغرام" وخدمات عالمية أخرى الأكثر تضررًا، لكن حتى المستخدمين الذين اضطروا لاستخدام المنصات المحلية تحدثوا عن انقطاعات متكررة، وضعف الأداء، والرقابة المشددة على تطبيقات مثل "روبیکا"، و"بله"، و"شاد".

وقال أحد المواطنين إن تطبيق "روبیکا" يفشل غالبًا في إرسال الصور ومقاطع الفيديو خلال معظم ساعات اليوم، مدعيًا أن المنصة تفحص معرض الصور في هواتف المستخدمين. وأضاف آخر أن تحميل صورة واحدة على "روبیکا" قد يستغرق ساعة كاملة.

كما أثار مواطنون مخاوف من أن التطبيقات المحلية قد تتيح للسلطات الوصول إلى بياناتهم وأجهزتهم ومراقبتها.

وقالت منظمة "نت بلوكس" لمراقبة الإنترنت، يوم الجمعة 8 مايو (أيار)، إن 70 يومًا من الاضطراب الواسع في الإنترنت الدولي داخل إيران أدى إلى زيادة البطالة بين العمال، وإعادة توزيع الثروة لصالح مجموعات مرتبطة بالحكومة.

اضطراب العملية التعليمية

قال عشرات الطلاب وأولياء الأمور وعدد من المعلمين إن منصة "شاد"، التابعة للدولة والمخصصة للتعليم الإلكتروني، لا تتيح للمستخدمين تنزيل الصور ومقاطع الفيديو بشكل مناسب، كما أنها لا توفر بيئة ملائمة للتدريس.

وقالت والدة أحد الطلاب: "دروس الأطفال تُعقد عبر الإنترنت، لكن التطبيق مصمم بحيث لا يستطيع الكلام إلا المعلم".

وأضافت: "إذا كان لدى الطالب سؤال أو لم يفهم شيئًا، فعليه الانتظار حتى الخامسة مساءً حين يُعاد فتح وصول الطلاب. عمليًا، الطلاب موجودون في الصف الافتراضي، لكن حتى لو غابوا لا يلاحظ المعلم ذلك. العملية التعليمية بأكملها تعتمد فقط على متابعة الأهل".

وقال مستخدمون إن بعض المعلمين ما زالوا يطلبون من الطلاب تسجيل مقاطع فيديو ورفعها رغم بطء الإنترنت.

كما أثرت مشكلة الوصول إلى المعلومات عبر الشبكات المحلية على طلاب الجامعات أيضًا.

وقال طالب "حاسب آلي" في طهران: "لا جودة في الدروس الإلكترونية، ولا يمكنك العثور على أي شيء يستحق التعلم داخل (شبكة المعلومات الديكتاتورية)".

وأضاف الطلاب أن التعلم عبر الإنترنت والوصول إلى المواد التعليمية الخاصة بالأساتذة قد توقف فعليًا.

عوائق مكلفة

بعد حجب "إنستغرام" من قِبل السلطات، فقد كثير من الإيرانيين قناة مجانية لتسويق السلع والخدمات، في حين تفرض التطبيقات المحلية، مثل "روبیکا" و"بله"، رسومًا إعلانية مرتفعة وإجراءات موافقة طويلة تخضع للرقابة، بحسب مواطنين.

وقال عدد من المواطنين إن "روبیکا" يطلب من أصحاب الأعمال نحو 63 مليون تومان، أي ما يعادل تقريبًا 359 دولارًا وفق سعر الصرف في السوق الحرة، مقابل 15 دقيقة من الإعلان.

وأشارت إحدى السيدات إلى ما وصفته بالتعامل المتناقض للنظام الإيراني مع المقربين وغير المقربين منه، خلال الأشهر الأخيرة، موضحة أن النظام استخدم نساءً بلا "حجاب إجباري" أو بملابس أكثر تحررًا للترويج لتجمعات ليلية مؤيدة للنظام أثناء الحرب وبعدها، لكنه رفض إعلانًا قصيرًا لأن "مرفق اليد كان ظاهرًا لبضع ثوانٍ".

وقالت صاحبة مشروع تجاري إنها اضطرت للإعلان على تطبيق محلي بعد شهرين من توقف العمل حتى تتمكن من بيع البضائع المتراكمة لديها.

وأضافت: "قبل الموافقة على قناتي أخذوا المال، ثم رفضوا الإعلان بحجة أن نشاطي على التطبيق ضعيف وأن مرفقي كان ظاهرًا في الفيديو".

وأشارت إلى أنها عندما طالبت باستعادة رسوم الإعلان، أُبلغت بأن الأموال ستبقى في محفظتها حتى "تُصلح الفيديو والقناة".

وقالت: "هل عليّ أن أعمل عدة أشهر على قناة فارغة، وأشتري بضائع وأستثمر فقط حتى ربما يوافقوا على الإعلان؟".

وأضافت: "قضيت ثماني سنوات على إنستغرام وبنيت صفحتي بجهد كبير، لكن مع قطع الإنترنت توقفت فعليًا. كيف يمكنني أن أبدأ من جديد؟".

وأشار مستخدم آخر إلى "آلاف القواعد والشروط التي فرضتها التطبيقات المحلية للإعلانات"، موضحًا أن المنصة أخذت "مبلغًا ضخمًا" ثم رفضت الترويج لـ "قناة ملابس داخلية".

وقال: "ماذا أفعل بكل هذه البضائع؟ هل أحرق نفسي أم أحرق البضاعة؟ عملي كان قائمًا على إنستغرام. أعيدوا الإنترنت حتى أعود إلى العمل".

وكان أحد مستخدمي منصة "إكس" قد كتب سابقًا أن البحث عن "الملابس الداخلية النسائية" في محرك البحث "زاربين"، الذي يُروَّج له باعتباره النسخة الإيرانية من "غوغل"، يؤدي إلى صفحة "لا توجد نتائج"، بينما يعطي البحث عن "الملابس الداخلية الرجالية" نتائج فعلية.

وكتب المستخدم: "مع الإنترنت الوطني، لا يمكنك حتى شراء ملابس داخلية نسائية. الأمر مضحك ومأساوي في الوقت نفسه".

وقال مستخدمون آخرون إن الناس لجأوا "اضطرارًا" وبعد شهرين من انقطاع الإنترنت إلى شبكات النظام الإيراني "الزائفة" مثل "بله" و"روبيكا"، لكن لا يزال من غير الواضح حجم الوصول الذي قد تحصل عليه النظام إلى هواتف المواطنين عبر هذه المنصات وما إذا كانت تستطيع مراقبتهم.

محاولات تجاوز الرقابة

رغم القيود المفروضة، قال المستخدمون إنهم ما زالوا يجدون طرقًا لتجاوز الرقابة على المحتوى.

وذكر عدد من المواطنين أنه بعد حجب "تلغرام" ظهرت قنوات عدة على تطبيقات محلية مثل "سروش بلس" و"روبيكا" و"بله" تقدم إعدادات مجانية أو منخفضة التكلفة لتجاوز الحجب.

وقال أحد المستخدمين: "لقد أمموا الإنترنت لجمع مؤيدين للنظام، لكن الذي يحدث هو العكس تمامًا".

وأضاف المستخدمون أن ذلك يتناقض مع المحتوى، الذي تنشره شخصيات وقنوات مرتبطة بالنظام، والذي وصفوه بأنه يتضمن مزاعم كاذبة حول انتصار طهران في الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتقارير غير صحيحة عن مقتل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وروايات مضللة عن المفاوضات.

وقال أحد المستخدمين إن المحتوى الحكومي على "روبیکا" يصور النظام الإيراني باعتباره رمزًا لـ "السلام والصداقة وحقوق الإنسان".

ورغم جهود النظام لإبقاء المنصات تحت السيطرة، ظهرت حسابات تستخدم شعار الأسد والشمس كصورة شخصية، وهو الرمز الوطني التاريخي لإيران المرتبط لدى كثيرين بالنظام الملكي قبل عام 1979.

كما استخدمت حسابات أخرى صور محمد رضا بهلوي، آخر شاه لإيران الذي أطيح به خلال الثورة الإيرانية عام 1979، كصور شخصية.

وقال مواطنون إن هذه الحسابات، إضافة إلى القنوات التي تعيد نشر أخبار العالم الخارجي، يتم حجبها وإغلاقها بعد فترة.

ومع ذلك، أكدوا أن المقاومة اليومية مستمرة، إذ تظهر قنوات جديدة وأكبر حجمًا لتحل محل تلك التي يتم إغلاقها.

بعد خروج الانقسام إلى العلن.. مَنْ صاحب القرار في إيران؟

2 مايو 2026، 17:53 غرينتش+1
•
آرش سهرابي
بعد خروج الانقسام إلى العلن.. مَنْ صاحب القرار في إيران؟
100%

يبدو السؤال الأهم وقد يكون أيضًا الأكثر صعوبة في الإجابة: مَنْ الذي يتخذ القرارات في إيران؟

وقبل أشهر من مقتل علي خامنئي، حذّر الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، من الخطر الذي سيحدث إذا أصاب المرشد أي شيء. وقال: "حينها سنتقاتل فيما بيننا.. ولن تحتاج إسرائيل حتى إلى التدخل". يبدو هذا التحذير اليوم أقل كتحذير عابر وأكثر كخريطة للأزمة التي تواجه طهران.

ومنذ مقتل علي خامنئي وصعود نجله مجتبى خلال فترة الحرب، لم يسقط النظام الإيراني، كما أنه لم يصبح أكثر شفافية. ما يبدو أنه ظهر هو نظام أقل مركزية وأكثر عسكرية وأكثر غموضًا: اختفى الحكم القديم، والزعيم الجديد غير ظاهر، والكتل المتنافسة تختبر مدى قدرتها على التحرك دون كسر النظام الذي يسعى الجميع للحفاظ عليه.

ولا أحد خارج الدائرة الضيقة داخل إيران يمكنه أن يعرف بدقة من يتخذ القرار. لكن المؤشرات الظاهرة تشير إلى نظام منقسم أكثر حول التكتيكات منه حول البقاء. الانقسام المعروف بين "المتشددين" و"المعتدلين" قد يعكس بعض التوترات الحقيقية، لكنه قد يشكّل أيضًا ثنائية مضللة مفيدة: طهران، وللحكومات الأجنبية، والأخطر من ذلك ضد الشعب الإيراني.

وبالنسبة للإيرانيين العاديين، المسألة ليست أي فصيل يتحدث بلطف أكثر من الآخر. النقطة الأعمق هي أن النظام نفسه ما زال يسيطر على الحرب والقمع والحياة العامة وحدود الخيارات السياسية. الأسماء قد تتغير، لكن الأسلوب يبقى.

الجنرالات والدوائر والقائد غير المرئي

على الورق، مجتبى خامنئي هو المرشد الأعلى لإيران. لكن عمليًا، لم يقم بالدور الذي لعبه والده لعقود: الظهور علنًا، التحدث مباشرة، إنهاء الخلافات الفصائلية، وتحديد الخط النهائي للدولة.

وهذا الغياب مهم، لكن لا ينبغي المبالغة فيه. قد يتم استشارته أو طلب موافقته الرسمية على بعض القرارات. والأهم هو أن السلطة يبدو أنها انتقلت إلى بنية أكثر صعوبة في الرؤية: نظام تقوده الأجهزة الأمنية، يتشكل من دوائر متداخلة تتنافس وتتعاون وتشك في بعضها البعض.

وقالت مصادر لـ "إيران إنترناشيونال"، في أوائل أبريل (نيسان) الماضي، إن التوتر بين الرئيس مسعود بزشكيان والقيادة العسكرية دفع الحكومة إلى "جمود سياسي كامل"، حيث تولى الحرس الثوري فعليًا السيطرة على مفاصل الدولة الرئيسية.

وقام الحرس الثوري بمنع تعيينات رئاسية، بما في ذلك محاولة بزشكيان تعيين وزير جديد للاستخبارات، بينما أصر قائد الحرس الثوري، أحمد وحيدي، وهو أحد الشخصيات المركزية في النظام الأمني الحالي، على أن المناصب الحساسة يجب أن تُختار وتُدار مباشرة من قِبل الحرس في ظروف الحرب.

كما قالت المصادر إن بزشكيان طلب مرارًا عقد اجتماع عاجل مع مجتبى خامنئي، لكنه لم يتلقَ أي رد، بينما فرض "مجلس عسكري" من كبار ضباط الحرس طوقًا أمنيًا حول المرشد الجديد ومنع وصول تقارير الحكومة إليه.

ولكن لا ينبغي النظر إلى الحرس الثوري كفصيل واحد بسيط. فمعظم الفاعلين الرئيسيين في الأزمة الحالية لديهم صلة بالحرس أو بجيل الحرب أو بالأجهزة الأمنية أو بمكتب المرشد الإيراني. والتقسيم المفيد ليس بين "الحرس الثوري والمدنيين"، بل بين الدوائر المختلفة التي تتنافس الآن حول كيفية بقاء النظام.

الدائرة الأولى: شبكة الاستخبارات المحيطة بمجتبى

تضم شخصيات مثل الرئيس السابق لمنظمة استخبارات الحرس الثوري، حسين طائب، والقائد الأسبق للحرس الثوري، محمد علي جعفري. وتعود أهمية علاقات مجتبى القديمة بكتيبة "حبيب" خلال الحرب الإيرانية- العراقية إلى أنها خلقت روابط شخصية مع رجال صعدوا لاحقًا داخل أجهزة الاستخبارات والأمن والقمع. وهذه ليست فصيلًا رسميًا بقدر ما هي شبكة ثقة بُنيت عبر عقود.

الدائرة الثانية: مسار التفاوض

تشمل الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية، عباس عراقجي، والمفاوض النووي السابق، علي باقري كني.

وانفتاحهم النسبي على التفاوض قد يجعلهم أكثر مرونة تكتيكيًا، لكنهم ليسوا "معتدلين" بمعنى ديمقراطي. فهم يعملون داخل منطق الأمن الخاص بالنظام الإيراني، لكنهم مرتبطون بشكل أوضح بمحاولة إبقاء قناة دبلوماسية مع واشنطن مفتوحة وتحويل الضغط إلى نوع من الاتفاق.

الدائرة الثالثة: القرار العسكري والأمني المباشر

يُعد القائد الحالي للحرس الثوري، أحمد وحيدي، الشخصية الأهم هنا، يليه رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي حاليًا، محمد باقر ذو القدر، وهو أيضًا قائد سابق في الحرس الثوري.

كما يُنظر إلى شخصيات أخرى مثل قائد الجيش أمير حاتمي، والقائد العام لقوات الشرطة أحمد رضا رادان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، على أنها أقرب إلى هذا النظام القمعي منها إلى المسار التفاوضي.


الدائرة الرابعة: معسكر الضغط الأيديولوجي

يتمحور حول سعيد جليلي، المفاوض النووي السابق والشخصية الأمنية المتشددة للغاية؛ وحميد رسائي، وأمير حسين صابتي، ومحمد نبويان من النواب المتشددين؛ إضافة إلى صادق محصولي، أحد الداعمين البارزين لتيار "بايداري".

هذا المعسكر يعادي بشدة أي تفاوض مع واشنطن، ويهاجم المفاوضين، ويدّعي الدفاع عن "الخطوط الحمراء" للمرشد الإيراني.

وهذه ليست فصائل واضحة ومنفصلة. أعضاؤها يتداخلون، ومواقفهم قابلة للتغير. جميعهم يبدو أنهم ملتزمون ببقاء النظام الإيراني، لكن ما يختلف هو الأسلوب: تفاوض تكتيكي، تصعيد قسري، انضباط أيديولوجي، أو مزيج من ذلك.

وأفضل طريقة لقراءة المشهد ليست عبر الأسماء، بل عبر خريطة العلاقات.

الانقسام يخرج إلى العلن

جعل الخلاف حول المحادثات مع الولايات المتحدة هذه الشبكات داخل السلطة أكثر وضوحًا.

وقد أفادت "إيران إنترناشيونال" في 10 أبريل (نيسان) الماضي بأن كبار المسؤولين كانوا منقسمين بشأن صلاحيات الوفد المكلّف بالتفاوض مع واشنطن في إسلام آباد.

وقالت مصادر إن أحمد وحيدي أراد تقليص صلاحيات رئيس البرلمان والقائد السابق في الحرس الثوري، محمد باقر قاليباف، الذي كان يقود فريق التفاوض، وكذلك وزير الخارجية، عباس عراقجي. كما أراد وحيدي إدخال "ذو القدر" ضمن الفريق، وسعى إلى منع أي نقاش حول برنامج إيران الصاروخي.

واتسع الخلاف مع تعثر المحادثات. وقالت مصادر لـ "إيران إنترناشيونال" في 23 أبريل إن وفدًا كان مستعدًا للتوجه لجولة جديدة من المحادثات عندما وصلت رسالة من الدائرة المقربة من مجتبى خامنئي تقضي باستبعاد مناقشة الملف النووي، وتوبيخ فريق وزارة الخارجية بسبب المفاوضات السابقة. وحذّر عراقجي من أن المشاركة تحت هذه القيود لن تكون ذات جدوى.

وفي اليوم التالي، قالت مصادر إن قاليباف استقال من رئاسة فريق التفاوض بعد توبيخه لمحاولته إدخال الملف النووي في المحادثات. ثم سافر عراقجي إلى إسلام آباد منفردًا لتسليم مقترح طهران، والذي رُفض لاحقًا من قِبل ترامب وفقًا لتقارير إعلامية.

وتشير التطورات الأخيرة إلى صورة أكثر فوضوية. فقد قال مصدران مطلعان لـ"إيران إنترناشيونال" إن بزشكيان وقاليباف يسعيان الآن لإقالة عراقجي، متهمين إياه بالتصرف ليس كوزير في الحكومة، بل كمساعد لوحيدي. وأضافت المصادر أن عراقجي نسّق مع قائد الحرس خلال الأسبوعين الماضيين دون إبلاغ الرئيس بشكل مناسب.

ويمثل ذلك تحولًا مهمًا، إذ يشير إلى أن الانقسام لم يعد فقط بين "مفاوضين" و"متشددين"، بل إن شخصيات محسوبة على المسار الدبلوماسي تتهم بعضها البعض أيضًا بالعمل لصالح القيادة الأمنية.

كما كانت المؤشرات العلنية لافتة أيضًا. فقد دافع قاليباف عن المفاوضات غير المباشرة بعد أن اتهمه منتقدون متشددون بالخيانة، بل وألمحوا إلى احتمال انقلاب. وقدم الدبلوماسية لا كتنازل، بل كجبهة أخرى من جبهات الصراع، وسيلة لتحويل المكاسب العسكرية إلى نتائج سياسية.

لاحقًا، علمت "إيران إنترناشيونال" أن قاليباف ذهب أبعد من ذلك في اجتماع خاص، حيث وصف شخصيات مثل جليلي وثابتي بأنهم عناصر متطرفة شبيهة بالميليشيات يمكن أن تدمر إيران. واتهمهم باستخدام التلفزيون الرسمي وتعبئة مؤيديهم المتشددين لتصعيد المعارضة ضد المفاوضات.

ثم جاءت معركة "ساق الفاصولياء السحرية"، وهي حرب إعلامية غير مألوفة كشفت كثيرًا من الخلافات داخل المعسكر المتشدد.

وقامت وكالة "تسنيم"، التابعة للحرس الثوري، بإعادة نشر افتتاحية تسخر من المطالب القصوى لأي اتفاق، بما في ذلك رفع كامل للعقوبات ووقف شامل لإطلاق النار مع حلفاء إيران الإقليميين، ووصفتها بأنها حلم شبيه بانتظار "ساق الفاصولياء السحرية".

ورد موقع "رجا نيوز" المقرب من تيار جليلي باتهام "تسنيم" بإضعاف الخطوط الحمراء للمرشد الأعلى، وبتكرار المسار الذي أدى إلى الاتفاق النووي الذي تصفه بأنه "ضرر خالص".

وقامت "تسنيم" لاحقًا بحذف المقال، لكنها ردّت بشدة متهمة "رجا نيوز" بإثارة الانقسام والمساعدة في استكمال مشروع ترامب داخل إيران. كما أشارت إلى اعتقالات مرتبطة بـ "تحركات مشبوهة تهدف إلى تقويض الوحدة المقدسة".

إن هذه اللغة ليست مجرد نقد فصائلي عادي، بل تكشف عن صراع داخل المعسكر الثوري حول من يحق له تعريف الولاء، ومن يمكنه التحدث باسم المرشد، ومن سيُحمّل مسؤولية الفشل إذا تعثرت المحادثات أو أصبحت التنازلات أمرًا لا مفر منه.

ما الذي ليس عليه هذا الانقسام؟

الانقسام حقيقي، لكنه لا ينبغي أن يُفهم على أنه انفتاح.

وهو ليس صراعًا بين ديمقراطيين واستبداديين. وليس دليلًا على وجود تيار ليبرالي داخل إيران ينتظر التمكين. كما أنه ليس ببساطة انقسامًا بين الحرس الثوري والدولة المدنية، لأن ما يُسمى بالشخصيات المدنية تعمل داخل نظام تشكّله قوات الحرس ومكتب المرشد والأجهزة الأمنية.

الانقسام هو بين فصائل داخل النظام الإيراني تختلف حول أفضل طريقة للحفاظ على النظام نفسه.

ومن واشنطن، قدّم وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، نقطة مشابهة؛ حيث قال في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز": "كلهم متشددون في إيران". لكنه فرّق بين متشددين يدركون أنهم ما زالوا مضطرين لإدارة دولة واقتصاد، وآخرين "مدفوعين بالكامل بأيديولوجيا دينية".

ووصف روبيو الرئيس ووزير الخارجية ورئيس البرلمان ومسؤولين سياسيين آخرين بأنهم متشددون أيضًا، لكنه قال إنهم يدركون أن "الناس يجب أن تأكل" وأن على الحكومة دفع الرواتب. أما "التيار الأكثر تشددًا"، بحسب قوله، فيشمل الحرس الثوري والمرشد الأعلى والدائرة المحيطة به. وأضاف: "للأسف، المتشددون الذين لديهم رؤية مروعة للمستقبل هم من يملكون السلطة النهائية في ذلك البلد".

وأما ترامب فقد استخدم لغة أكثر حدة، قائلًا إن النظام الإيراني "منقسمة بشدة" وأن قادتها يواجهون صعوبة في تحديد من يحكم فعليًا. ويجب قراءة هذه التصريحات كجزء من تقييم واشنطن وكذلك من ضمن حملة الضغط.

وردت طهران بشعار وحدة عكس نفس الفكرة دون قصد: "لا يوجد متشددون أو معتدلون في إيران؛ نحن جميعًا (إيرانيون) و(ثوريون)"، كما كتب بزشكيان على منصة "إكس". وأضاف أنه مع "الطاعة الكاملة للمرشد الأعلى"، ستجعل إيران "المعتدي المجرم" يندم على أفعاله.

ونشر الخط نفسه لاحقًا قاليباف وعراقجي ومحسني إيجئي ومسؤولون كبار آخرون. كان الهدف إنكار الانقسام، لكن بالنسبة لكثير من الإيرانيين، عبارة "إيراني وثوري" تعني شيئًا آخر أيضًا: داخل النظام الإيراني، تنتهي الاختلافات السياسية عند حدود الولاء للثورة.

والقراءة الأدق هي أن النظام الإيراني منقسم حول التكتيك، لا حول البقاء؛ وأنه أصبحت أكثر عسكريًا، لا أكثر اعتدالًا. وهنا يبدأ الفخ: فحتى الانقسام الحقيقي يمكن أن يخدم خيارًا زائفًا.

الاختيار الزائف: السيئ والأسوأ وسياسة النفوذ

إطار "المتشدد مقابل المعتدل" خدم دائمًا أكثر من طرف.
وبالنسبة للدبلوماسيين الأجانب، يمنح هذا الإطار إغراءً مألوفًا: التوصل إلى اتفاق مع الطرف الأقل سوءًا قبل أن يتولى الطرف الأسوأ السلطة. وبالنسبة للنظام الإيراني، فهو بمثابة تحذير: قدّموا لنا تنازلات، لأن البديل هو الفوضى أو التصعيد. أما بالنسبة للإيرانيين، فهو يختزل السياسة إلى خيار خانق: قبول هذه الفئة أو مواجهة تلك.

وقد تكون الانقسامات الداخلية في إيران حقيقية، لكن النظام استفاد طويلًا تقديم السياسة كخيار بين السيئ والأسوأ، وهو خيار يضيّق أفق التفكير لدى المجتمع الإيراني ولدى الدبلوماسيين الأجانب.

وهذا هو التناقض الزائف في قلب الأزمة الحالية.

الانقسام حقيقي

هناك خلافات حول المفاوضات، والخطوط الحمراء النووية، وفريق التفاوض، وحجم التنازلات. لكنه أيضًا مشوّه: فبزشكيان وعراقجي وقاليباف قد يكونون أقرب إلى مسار التفاوض من جليلي أو نبويان، لكنهم ليسوا خارج النظام.

كما أن الانقسام يمكن أن يكون أداة. يمكن للمفاوض أن يشير إلى المتشددين لطلب تنازلات، ويمكن للمتشدد أن يتهم المفاوض بالخيانة لرفع كلفة التسوية. ويمكن للدولة أن تنكر الانقسام علنًا، مع ترك ما يكفي من الغموض ليجعل الدول الأجنبية تتساءل من يملك قرار التوقيع على أي اتفاق.

عندما لا يكون واضحًا من يملك القرار، لا يكون واضحًا من يتحمل النتائج. يمكن تفويض المفاوضات أو رفضها أو استئنافها أو إلغاؤها. ويمكن إرسال وفد ثم تقييده ثم توبيخه ثم استبداله. ثم يُقال للناس ألا يسألوا من المسؤول، لأن البلاد في حالة حرب والوحدة مقدسة.

سواء كان ذلك عفويًا أو مُدارًا أو كليهما، فقد حوّل الظاك الإيراني مرارًا الانقسام الداخلي إلى أداة سياسية. يُطلب من الجمهور الاختيار بين السيئ والأسوأ، ويُطلب من الحكومات الأجنبية التفاوض مع السيئ لتجنب الأسوأ.

ما الذي يغيّره هذا الانقسام وما الذي لا يغيّره؟

الأثر المباشر مزدوج: دبلوماسي وداخلي. تصبح المفاوضات أصعب في التنظيم، وأصعب في الفهم، وأصعب في الثقة، بينما يبقى الإيرانيون تحت تأثير قرارات يصعب محاسبة أصحابها.

وهذا لا يعني أن إيران لا تستطيع التفاوض، بل يعني أن أي اتفاق يجب أن يمر عبر اختبارات داخلية متعددة: حسابات الجهاز الأمني، أو موافقة مجتبى خامنئي أو صمته، أو رد الفعل الأيديولوجي، أو روايات الإعلام الرسمي، أو خوف النظام من الظهور بمظهر الضعف أمام قاعدته.

وقد لا تكون المشكلة أن طهران غير قادرة على إرسال مفاوض، بل أن أي مبعوث لا يستطيع بسهولة إلزام النظام بأكمله خلفه.

ولكن بالنسبة للإيرانيين، فإن النقاش حول من يحكم طهران ليس لغزًا نظريًا. بل يُعاش يوميًا عبر قرارات تُتخذ خلف الجدران: الحرب، الضغوط الاقتصادية، القمع، تهديدات قمع أي احتجاجات جديدة، وتقلص مساحة الحياة العامة.

وقد تختلف الدوائر المتنافسة في طهران حول التكتيك، لكنها تعمل داخل نظام صُمم ليحافظ على نفسه قبل أن يجيب على المجتمع.

وقد يكون النظام الإيراني أقل مركزية من السابق، لكن ذلك لا يجعله أكثر خضوعًا للمساءلة. وقد يكون أكثر انقسامًا علنًا، لكن ذلك لا يجعله أكثر انفتاحًا. وقد يحتاج إلى الدبلوماسية، لكن ذلك لا يجعل مفاوضيه ممثلين للشعب.

والخريطة الداخلية تغيرت. المرشد الأعلى القديم غاب. والجديد غير مرئي. والشبكات الأمنية تبدو أقوى. والمعسكر الأيديولوجي أكثر صخبًا. والمفاوضون أكثر تعرضًا للضغط. والدوائر المتنافسة أكثر استعدادًا لإيذاء بعضها علنًا.

ولكن بالنسبة للشعب الإيراني، الحقيقة الأساسية لم تتغير بما يكفي: ما زالوا مطالبين بتحمل نتائج قرارات لا يرونها، يتخذها رجال يتنافسون على السلطة بينما يتفقون على بقاء نظام لا يمنح الجمهور أي سلطة حقيقية.

من الاتفاق إلى الحرب.. 3 سيناريوهات أمام سوق العقارات في إيران

29 أبريل 2026، 21:03 غرينتش+1
•
محمد ماشين‌ جيان
من الاتفاق إلى الحرب.. 3 سيناريوهات أمام سوق العقارات في إيران
100%

تشهد سوق العقارات في إيران حركة بين ثلاثة سيناريوهات: سلام مستدام، لا حرب ولا سلم، وعودة الصراع. ويمكن لكل مسار أن يغيّر اتجاه الأسعار الاسمية، والقيمة الحقيقية للأصول، وضغط الإيجارات على الأسر بشكل مختلف، ما يجعل اتخاذ القرار أكثر صعوبة على المالكين والمستثمرين والمستأجرين.

وتقع سوق العقارات الإيرانية في ظروف تتسم في الوقت نفسه بارتفاع التضخم، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، ونقص في البناء، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف النظام الائتماني، وعدم اليقين السياسي. في مثل هذا السياق، لا يواجه المشترون والمستثمرون وحدهم هذه الأسئلة، بل أيضًا المستأجرون الذين يزداد قلقهم بشأن المستقبل. ودراسة السيناريوهات الثلاثة المحتملة يمكن أن تقدم صورة أوضح لمسار السوق.

وعند تحليل هذه السوق، يجب التمييز بين "السعر الاسمي" و"السعر الحقيقي". السعر الاسمي هو رقم العقار بالعملة المحلية، بينما السعر الحقيقي يعكس علاقته بالتضخم ودخل الأسر وقدرتها الشرائية.

وفي الاقتصاد الإيراني، قد يرتفع السعر الاسمي من 6 إلى 8 مليارات تومان، لكن بسبب التضخم المرتفع قد تكون القوة الشرائية لهذا المبلغ أقل من السابق. في هذه الحالة، يكون المالك متأخرًا عن التضخم من حيث القيمة الحقيقية. وفي المقابل، بالنسبة للأسرة التي لا يرتفع دخلها بنفس وتيرة التضخم، فإن هذا الارتفاع الاسمي يجعل شراء السكن أصعب أو مستحيلاً.

إضافة إلى ذلك، وبسبب المخاطر السياسية والتوترات الإقليمية، يتعامل المطورون بحذر أكبر عند إطلاق المشاريع الجديدة. كما أن ارتفاع سعر الصرف، وندرة أو غلاء بعض مواد البناء، وقيود الطاقة مثل نقص الكهرباء والغاز، واضطرابات سلاسل التوريد، كلها عوامل ترفع التكلفة النهائية للبناء. والنتيجة سوق ترتفع فيه الأسعار، لكن جميع الأطراف تقريبًا تتضرر بدرجات متفاوتة.

السيناريو الأول: اتفاق اقتصادي شامل وتخفيف العقوبات

إن أول أثر للتوصل إلى اتفاق يؤدي إلى سلام مستدام ورفع العقوبات وجذب الاستثمارات الأجنبية هو انخفاض التوقعات التضخمية. في هذا المناخ، تتراجع الدوافع لشراء العقارات بشكل اندفاعي بهدف حماية قيمة المال، كما يمكن لسعر الصرف أن يشهد استقرارًا أكبر. كذلك تنخفض تكلفة استيراد الآلات وبعض مواد البناء.

تأثير هذا السيناريو يكون على مرحلتين:

في المدى القصير، يخرج السوق من حالة الجمود. يخرج كل من البائع والمشتري من وضع الانتظار، وتزداد حجم المعاملات. وقد تنخفض الأسعار الاسمية للعقارات فور الإعلان عن الاتفاق، لأن الطلب المضاربي يتراجع ويفقد السكن دوره كملاذ آمن لحفظ القيمة.

في المدى المتوسط، إذا تعزز النمو الاقتصادي وارتفع دخل الأسر وتحسنت القدرة الائتمانية، فإن قطاع البناء قد ينتعش. تُستكمل المشاريع غير المكتملة ويدخل عرض جديد إلى السوق. زيادة العرض يمكن أن تخفف الضغط طويل الأمد على الأسعار والإيجارات، لكن تحقق ذلك يعتمد على مجموعة من الافتراضات.

وبالنسبة للمالك، لا يعني هذا السيناريو بالضرورة انخفاض قيمة العقار، لكنه قد يحقق عوائد أقل مقارنة بالقطاعات الإنتاجية الأخرى. أما المستثمر، فإن الربح لن يأتي من التملك السلبي للعقارات، بل من البناء، والتجديد، والتأجير المهني، والمناطق ذات الطلب الحقيقي.

وأما المستأجرون، فرغم أن الأثر الفوري محدود، إلا أنه في حال السيطرة على التضخم وزيادة العرض، يمكن أن يقل ضغط تجديد العقود، وتتحسن نسبة الإيجار إلى الدخل تدريجيًا.

السيناريو الثاني: لا حرب ولا سلم

في هذا الوضع، لا يحدث تصعيد عسكري واسع، لكن العقوبات والضغط الاقتصادي يستمران. يقل خطر الحرب، لكن المحرك الأساسي لأزمة السكن لا يتوقف. يظل التضخم، وضعف النظام المصرفي، وقيود الاستثمار الأجنبي، وارتفاع تكاليف البناء قائمًا.

وفي هذه الظروف، قد ترتفع الأسعار الاسمية للعقارات، لكن على المدى المتوسط يكون نموها قريبًا من التضخم أو أقل منه. وتبقى السوق في حالة ركود، لأن المالكين يتمسكون بأسعارهم توقعًا لمزيد من التضخم، بينما تضعف القدرة الشرائية للأسر. والنتيجة سوق بصفقات محدودة وسيولة منخفضة.

وبالنسبة للمالك، ترتفع قيمة الأصل بالعملة المحلية، لكن عند الحاجة إلى البيع السريع قد يضطر لتقديم خصومات. أما المستثمر، فيرى أن الحفاظ على قيمة المال هو الدافع الأساسي، لكن الضرائب، وتكاليف الصيانة، ومخاطر الإيجار، واحتمال التخلف عن التضخم تجعل العائد غير مضمون. وبالنسبة للمستأجرين، يعني هذا السيناريو استمرار الضغط المزمن، حيث يذهب جزء أكبر من الدخل إلى الإيجار، ويتبقى أقل لبقية نفقات الحياة.

السيناريو الثالث: عودة الحرب

في حال تصاعد الصراع، تدخل سوق العقارات مرحلة دفاعية. لا يدخل المشترون إلا عند الضرورة، بينما يحتفظ البائعون بالعقارات ما لم تكن لديهم حاجة ملحة. كما يوقف المطورون المشاريع الجديدة أو يبطئونها بسبب الغموض حول التكلفة وأمن الاستثمار.

في هذا السيناريو، لا تكون حركة الأسعار موحدة. قد ترتفع الأسعار الاسمية في العديد من المناطق بسبب ارتفاع سعر الصرف والتضخم، لكن مع تراجع حاد في المعاملات، قد تنخفض الأسعار الحقيقية في أجزاء من السوق. تبقى الأسعار المعروضة مرتفعة، لكن الصفقات تتم بخصومات.

كما يصبح البعد الجغرافي مهمًا: المناطق عالية الخطورة تشهد انخفاضًا في الطلب، بينما قد ترتفع الأسعار والطلب في المناطق الأكثر أمانًا أو بعض المدن الصغيرة.

أما المستأجرون فهم الأكثر تضررًا، لأن انتقال العائلات إلى مناطق أكثر أمانًا يضغط على سوق الإيجار، بينما يؤدي توقف البناء إلى تقليص العرض المستقبلي. والنتيجة: إيجارات أعلى، خيارات أقل، وعقود أكثر صعوبة.

الخلاصة

في سيناريو السلام المستدام، يصبح نمو الأسعار الاسمية أبطأ، وقد تتأخر الأسعار الحقيقية عن التضخم لفترة. في هذه الحالة، لا يعود السكن مصدرًا للأرباح التضخمية السريعة، بل يتحول أكثر إلى أصل مستقر. كما يمكن أن ينتقل اتجاه الاستثمار من المضاربة إلى الإنتاج والتأجير المهني، ما يمنح سوق الإيجارات فرصة أكبر لتخفيف الضغوط.

في وضع "لا حرب ولا سلم"، ترتفع الأرقام الاسمية، لكن السوق لا تكتسب عمقًا حقيقيًا. قيمة الأصول ترتفع على الورق، بينما تبقى السيولة محدودة والعوائد غير مضمونة. كما يستمر الضغط على المستأجرين لأن الفجوة بين الدخل وتكاليف السكن لا تنغلق.

أما في حال عودة الحرب، يصبح عدم اليقين العامل المسيطر على السوق. قد يصاحب ارتفاع الأسعار الاسمية تجمّد في المعاملات وتفاوتات جغرافية واضحة. وهنا لا تقتصر المشكلة على الأسعار، بل تمتد إلى القدرة على البيع، وأمن رأس المال، وإمكانية الوصول إلى السكن. في هذا السياق، يكون المستأجرون الأكثر تضررًا بسبب النزوح القسري، وانخفاض العرض، وارتفاع الإيجارات.

وفي النهاية، يمكن تقييم مستقبل سوق الإسكان عبر ثلاثة مؤشرات رئيسية: مسار الأسعار الاسمية، علاقتها بالتضخم، والفجوة بين الإيجار وسعر الشراء مقارنة بدخل الأسر. بالنسبة لغالبية المجتمع، ليس الرقم الاسمي للمنزل هو الأهم، بل حجم هذه الفجوة. فكلما ضاقت الفجوة اقترب السوق من التوازن، وكلما اتسعت أصبح السكن أبعد عن متناول الناس، حتى لو بدت الأسعار مرتفعة ظاهريًا.