وفي هذه الندوة التي أدارها رئيس القسم الرقمي في "إيران إنترناشيونال"، بزركمهر شرف الدين، ناقشت دانييل بليتكا من "معهد ريسيرش أميركان إنتربرايز" وجان ألترمان من "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"، مستقبل وقف إطلاق النار الذي لم ينهِ الصراع الأوسع نطاقًا للولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران.
وعُقدت هذه الندوة يوم الخميس 14 مايو (أيار)، بعد نحو شهر من بدء الحصار البحري الأميركي للموانئ الجنوبية الإيرانية؛ وهي خطوة أدت إلى تشديد الضغوط على الاقتصاد والتجارة البحرية لإيران، لكنها في الوقت نفسه حوّلت قضية الملاحة البحرية، ومخاطر التأمين، والسيطرة على مضيق هرمز إلى المحور الأساسي للأزمة.
نظام تحت الضغط.. ولكن ليس بالضرورة على حافة الانهيار
قال ألترمان في هذه الندوة إن النظام الإيراني قد تغير منذ بداية الحرب، ولكن "ليس في اتجاه إيجابي". وحذر من أن هذه الحرب قد لا تدفع طهران نحو المساومة، بل قد تضعها بشكل أكبر في أيدي الأجهزة الأمنية.
وأشار ألترمان إلى تراجع حضور مجتبى خامنئي وزيادة نفوذ المتشددين في الحرس الثوري، قائلاً إن غريزة طهران تبدو مستندة إلى "التحصن والانتظار" حتى تنتهي فترة رئاسة دونالد ترامب. وأضاف: "يبدو أن التوجه التلقائي هو نحو المواجهة، وليس المساومة".
ووفقًا لألترمان، فإن هذا لا يعني بالضرورة اقتراب النظام من الانهيار، بل قد يشير إلى أن طهران أكثر ميلاً لتحمل الضغوط وانتظار أن تصبح الظروف السياسية أكثر صعوبة بالنسبة لترامب.
ومن جانبها، حذرت دانييل بليتكا من افتراض أن إضعاف نظام ما يؤدي بالضرورة إلى نتيجة أفضل. وقالت إن واشنطن غالبًا ما تصور الصراع على السلطة داخل إيران كأنه مواجهة بين المتشددين والمعتدلين، في حين أن الواقع أكثر تعقيدًا.
وقالت بليتكا: "كل هؤلاء الأفراد يدعمون النظام الإيراني. بعضهم يريد قتل عدد أقل من الناس، والبعض الآخر يريد قتل المزيد". وأضافت أن الخطر يكمن في أن الهجمات الأميركية والإسرائيلية، رغم أنها تضعف النظام الإيراني عسكريًا، فإنها قد تقوي الفصائل الأكثر قمعًا في الداخل.
وطرح ألترمان هذه المسألة بشكل أكثر صراحة: هل يؤدي الضغط إلى انهيار النظام، أم "أنه يجعل الشعب الإيراني يعاني لفترة أطول فقط"؟
مضيق هرمز يغيّر ميزان القوى
كان الخلاف الرئيسي بين الخبيرين يدور حول مضيق هرمز؛ حيث يرى ألترمان أن هذه الحرب كشفت عن حقيقة غير سارة لواشنطن، وهي أنه حتى النظام الإيراني "المتضرر والمصاب" يمكنه تعطيل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
وقال ألترمان: "حتى لو كانت إيران ضعيفة ومصابة، فإنها تستطيع السيطرة على المضيق". ووفقًا له، يكفي طهران أن تخلق مستوى من الخوف يغيّر سلوك شركات الشحن، وشركات التأمين، والدول العربية المجاورة، وأسواق الطاقة. ومن هذا المنظور، فإن عتبة إحداث الاضطراب أقل بكثير مما كان يُعتقد سابقًا.
وعارضت بليتكا بشدة هذه الرؤية القائلة إن إيران تسيطر بالفعل على مضيق هرمز، وقالت: "السبب في أن طهران تسيطر الآن على مضيق هرمز هو أننا سمحنا لها بذلك. يمكننا السيطرة على مضيق هرمز؛ يمكننا فعل أي شيء نريده وتأمين حركة المرور والملاحة".
وأضافت بليتكا أن المسألة لم تعد عسكرية فحسب، بل تتعلق بالمخاطر والتأمين ورغبة مالكي السفن في دخول مياه يمكن أن يؤدي فيها هجوم واحد، أو لغم، أو تهديد غامض إلى عواقب وخيمة. والنتيجة هي مفارقة: قد تكون إيران أضعف مما كانت عليه قبل الحرب، لكنها وجدت أداة يمكنها استخدامها بثقة أكبر.
لا يوجد مسار واضح للنصر أو الاتفاق
أعرب كلا الخبيرين عن تشككهما في أن المسار الدبلوماسي الحالي يمكن أن يؤدي سريعًا إلى اتفاق شامل. وقال ألترمان إن الطرفين يريان نفسيهما كمفاوضين ماهرين للغاية، وهذا الأمر يجعل الوصول إلى حل وسط أكثر صعوبة.
ووفقًا له، فإن السيناريو الأفضل لواشنطن ليس اتفاقًا كبيرًا، بل إطار عمل لمفاوضات طويلة الأمد. وقال: "أفضل حالة لأميركا هي أن تبقي نفسها منخرطة في مفاوضات مع إيران حتى نهاية ولاية ترامب".
ويمكن أن تشمل مثل هذه العملية محادثات بشأن الملف النووي، والصواريخ، وحرية الملاحة، ولكن أي مفاوضات ستكون على الأرجح تدريجية وهشة، مع احتفاظ الطرفين بخيار العودة إلى التصعيد.
وقالت بليتكا إن تركيز ترامب الرئيسي ينصب، على ما يبدو، على إزالة المواد الانشطارية الإيرانية والقدرة على إنتاجها. ومع ذلك، حذرت من أن حصر القضية في الملف النووي فقط سيكون تكرارًا لخطأ مألوف.
وقالت بليتكا: "الجميع يركزون على القضية النووية، في حين يجب التعامل بالتزامن مع جميع القضايا، بما في ذلك البرنامج الصاروخي، والقوات الوكيلة، والسلوك الإقليمي للنظام الإيراني، باعتبارها أجزاء لا تتجزأ من هذا التحدي".
في النهاية، يظل هذا الصراع معلقًا بين فرضيات متضاربة. يبدو أن ترامب يعتقد أن الضغط الاقتصادي سيجبر طهران على التراجع، لكن ألترمان يقول إن إيران قد تؤمن بأنها قادرة على التفوق عليه من خلال تحمل الضغوط، وقمع الاحتجاجات الداخلية، وانتظار تغير الظروف السياسية في أميركا.