وأدق توصيف لهذا الشرخ قدمته وزيرة الدولة الإماراتية، ريم الهاشمي، حين أكدت أن الإمارات تعرضت لهجمات طهران أكثر من أي دولة أخرى، لأنها تمثّل كل ما لا يمثله النظام الإيراني. فالإمارات، من خلال نموذجها القائم على الازدهار الاقتصادي، وتعدد الأديان، والتعايش الثقافي العالمي، تحولت عمليًا إلى نقيض للنموذج الذي يقوم بقاؤه على العزلة الأيديولوجية وترويج الفقر تحت شعار “المقاومة”.
الخوف من سقوط الرواية
بالنسبة لنظام أمضى عقودًا يروّج للتقشف الثوري ويهاجم الرفاهية، فإن مشاهدة دولة مسلمة مجاورة تصل إلى قمم الازدهار والتكنولوجيا يُعد كابوسًا حقيقيًا.
فنجاح دبي وأبوظبي ينسف تلقائيًا سردية فشل النماذج غير الثورية. لذلك، تحاول طهران تصوير التنمية الإماراتية على أنها واجهة للاستعمار الحديث، لأن الاعتراف بنجاح هذا النموذج يعني الاعتراف بفشل أربعة عقود من شعارات “الاقتصاد المقاوم” في إيران.
ويزداد هذا التناقض وضوحًا داخل إيران نفسها؛ حيث يعيش جزء من النخبة وفق نمط حياة مترف يتناقض مع الخطاب الرسمي للنظام الإيراني.
استراتيجية التدمير
يستند تركيز مؤيدي النظام ووسائل الإعلام المتشددة على التهديد بضرب الأبراج والفنادق الرمزية في دبي إلى منطق يستهدف السمعة والأمان. فهم يدركون أن قوة الإمارات تقوم على صورة الاستقرار والثقة.
وبينما يمكن إعادة بناء الأهداف العسكرية، فإن سقوط رمز مثل برج خليفة قد يوجه ضربة قاسية للسياحة والاستثمار الأجنبي.
واللافت أن الترويج العلني لاستهداف مواقع مدنية لا يُنظر إليه داخل الخطاب الرسمي بوصفه دعوة للحرب، بل كجزء من مشروع “المواجهة”. كما أن هذا الخطاب، القادم من مختلف التيارات داخل النظام، يعكس وحدة الهوية السياسية للنظام الإيراني مهما اختلفت الواجهات.
“البيت الزجاجي” ومنطق الهشاشة
استخدام تعبير “البيت الزجاجي” في الخطاب العسكري والإعلامي الإيراني يحمل رسالة واضحة لأبوظبي.
فبحسب تحليلات مقربة من المؤسسات العسكرية، فإن دولة تعتمد على بنية عمرانية حديثة ومركزة تبقى شديدة الحساسية أمام الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
وفي هذا السياق، وصفت صحيفة “وطن امروز” الإيرانية الإمارات بأنها “الإمارات القابلة للانفجار”.
ويُنظر إلى هذه اللغة باعتبارها محاولة للضغط على دولة “لديها الكثير لتخسره”، في مقابل نظام اعتاد إدارة الأزمات والعقوبات.
لكن، بحسب التحليل، فإن النظام الإيراني يتجاهل ميزان القوة طويل المدى، حيث استثمرت الإمارات في تحويل الصحراء إلى مركز عالمي للاستثمار والرفاهية.
"اتفاقات إبراهيم" وتغيّر المعادلة
الجانب الأكثر ارتباطًا بإسرائيل في هذا العداء يتمثل في دور الإمارات ضمن “اتفاقات إبراهيم”.
فمن وجهة نظر قادة النظام الإيراني، لا يمثل الاتفاق تحركًا دبلوماسيًا فحسب، بل يُعد “خيانة استراتيجية” وتهديدًا وجوديًا، لأنه أنهى عزلة إسرائيل الإقليمية وفتح الباب أمام تعاون أمني وتقني قرب السواحل الإيرانية.
وترى طهران بقلق كيف نجحت الإمارات في إعادة تعريف أمنها عبر التحالف مع قوى تكنولوجية حديثة، ما أضعف النفوذ الإيراني التقليدي في العالم العربي.
استقلالية الطاقة ونهاية التبعية
كما أن تحركات الإمارات لإعادة النظر في حصص “أوبك”، أو حتى بعد انسحابها من المنظمة، تعكس صعود لاعب مستقل يقدّم مصالحه الوطنية على التحالفات النفطية التقليدية.
وبالنسبة لطهران، التي تحتاج إلى تماسك “أوبك” تحت ضغط العقوبات، فإن هذا التحول يمثل ضربة إضافية.
نهاية احتكار الرواية
يثبت النموذج الإماراتي أنه يمكن الجمع بين الهوية الإسلامية والحداثة والانفتاح العالمي وتحقيق الازدهار. وهذا تحديدًا ما سعى النظام الإيراني طوال أكثر من أربعة عقود إلى تصويره كأمر مستحيل.
وفي هذا المعنى، فإن العداء للإمارات هو في جوهره عداء لمرآة تعكس إخفاقات الحكم الأيديولوجي بوضوح.