وكتبت الصحيفة، يوم الجمعة 26 ديسمبر (كانون الأول)، أن السجاد الإيراني، المشهور بدقته الفنية ومهارة نسّاجيه، والذي يعود تاريخ إنتاجه إلى آلاف السنين، يُنتَج اليوم بكميات أقل بكثير مقارنة بالعقود الماضية، وأن إيران فقدت جزءًا كبيرًا من مكانتها السابقة في السوق العالمية للسجاد.
ونقلت عن ناشطين في قطاع السجاد أن الاضطرابات الإقليمية ساهمت أيضًا في تفكك هذه الصناعة، وأن الوضع الراهن ألحق أضرارًا جسيمة بالأعمال المحلية.
وقالت أكرم فخري، نسّاجة تبلغ من العمر 45 عامًا من مدينة كاشان، إن كلفة إنتاج السجاد مرتفعة جدًا، في حين أن الأرباح المتحققة منه ضئيلة.
وبحسب قولها، فإن تأمين الصوف والحرير لسجادة واحدة يتطلب نحو 250 دولارًا، ثم يستغرق نسجها قرابة عام كامل. وحتى إذا خرجت السجادة بلا أي عيب، فإن سعر بيعها عادة لا يتجاوز نحو 600 دولار.
وحذّرت فخري من أن غياب الدعم الحكومي والتغطية الاجتماعية أوصلها إلى حافة الإنهاك، قائلة: «أعمل مع آلام دائمة في الظهر والساقين، لكن لا أملك القدرة المالية على الاستعانة بنسّاج مساعد».
وبحسب إحصاءات لجنة السجاد والصناعات اليدوية في غرفة تجارة إيران، من المتوقع أن تنخفض قيمة صادرات السجاد في السنة المنتهية في مارس (آذار) 2026 إلى أقل من 40 مليون دولار، بعد أن كانت 41.7 مليون دولار في العام السابق.
وقال رئيس هذه اللجنة، مرتضى حاج آقاميري، إن صادرات السجاد الإيراني خلال السنوات الست الماضية كانت دائمًا أقل من 100 مليون دولار، وهو رقم «ضئيل إلى حد يمكن اعتباره عمليًا قريبًا من الصفر»، على حد تعبيره.
ويأتي ذلك في وقت كانت فيه صادرات السجاد الإيراني قبل نحو ثلاثة عقود تتجاوز ملياري دولار.
وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أفادت وكالة الصحافة الفرنسية، في تقرير عن الوضع الحرج لسوق السجاد الإيراني، بأن صادرات السجاد من إيران تراجعت بنسبة 95%.
العقوبات الأميركية والسياسات النقدية الإيرانية
قال محسن شجاعي، أحد ناشطي سوق السجاد في "مشهد"، إن سجادة قم الحريرية بالكامل بمساحة ستة أمتار مربعة، والتي تُعد من أثمن أنواع السجاد، تحتاج إلى ما لا يقل عن عام ونصف العام لنسجها، وتُباع بسعر يتراوح بين 10 و30 ألف دولار.
غير أن استمرار العقوبات الدولية ضيّق الخناق أكثر على العاملين في هذا القطاع.
وأضاف شجاعي: «بعد إغلاق السوق الأميركية، قام بعض التجّار بإرسال السجاد الإيراني إلى الولايات المتحدة عبر دول ثالثة وتحت مسميات سجاد صيني أو نيبالي أو مصري. وقد أسهم ذلك في تعزيز الموقع التصديري لتلك الدول، لكنه في الوقت نفسه ألحق ضررًا بهذا الفن عبر إخفاء هوية السجاد الإيراني».
ونقلت "فايننشال تايمز" عن ناشطين في سوق السجاد أن انسحاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي السابق (2015) وبدء سياسة «الضغط الأقصى» ضد إيران شكّل ضربة قاسية تلقّتها هذه الصناعة.
ومنذ عام 2018، ومع تشديد العقوبات وتراجع موارد النقد الأجنبي، ألزمت الحكومة الإيرانية المصدّرين ببيع جزء من عائداتهم بالعملة الصعبة للبنك المركزي بالسعر الرسمي، وهو سعر أدنى بكثير من أسعار السوق الحرة.
وبحسب الاتحادات المهنية، أدت هذه السياسة إلى تراجع حاد في عدد مصدّري السجاد.
وقال رئيس اتحاد تعاونيات السجاد اليدوي في إيران، عبد الله بهرامي، إن هذه اللوائح «شلّت قطاع السجاد عمليًا» و«لم تُبقِ أي حافز للاستمرار في النشاط داخل الأسواق العالمية».
فقدان الأسواق التقليدية للسجاد الإيراني
في حين كان السجاد الإيراني يُصدَّر سابقًا إلى نحو 80 دولة، باتت أسواقه المستهدفة اليوم تقتصر على الإمارات العربية المتحدة وألمانيا واليابان وبريطانيا وباكستان.
ومع فقدان عدد كبير من الأسواق التقليدية لإيران، ملأ منافسون من تركيا والهند والصين وأفغانستان هذا الفراغ.
وقبل جولة العقوبات الأخيرة، كان السياح الغربيون أبرز مشترين للسجاد الإيراني الفاخر، غير أن تصاعد التوترات السياسية مع الغرب أدى إلى تراجع السياحة الأجنبية وتقليص سوق التجزئة.
وقال حاج آقاميري إن عدم الاستقرار الناتج عن "حرب الـ 12 يومًا" مع إسرائيل وجّه ضربة أخرى لهذه الصناعة.
كما قال شجاعي: «إن اضطراب المجال الجوي في المنطقة بعد الحرب مع إسرائيل، إلى جانب توترات سياسية أخرى، أفقد التجّار الأجانب ثقتهم».
وأضاف: «حتى معرض طهران للسجاد، الذي كان يُقام سنويًا في سبتمبر (أيلول) ويتيح لنا على الأقل الحفاظ على التواصل مع المشترين الأجانب، أُلغي هذا العام بسبب نقص الكهرباء».
وكتبت "فايننشال تايمز" في الختام أن العقوبات وقطع العلاقات التجارية حرما إيران من فرصة مواكبة الأذواق الجديدة في السوق، والاتجاه نحو الديكور ذي الطابع الحداثي البسيط، وهو اتجاه غالبًا ما لا ينسجم مع التصاميم التقليدية للسجاد الإيراني.
وإضافة إلى ذلك، أدّت معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين إلى انخفاض الطلب الداخلي، بحيث فقد السجاد الإيراني مكانته عمليًا في منازل الكثيرين.
وبحسب خبراء هذا القطاع، فإن أقل من ثلاثة في المائة من السجاد المنتج حاليًا يُستخدم داخل البلاد.