الواقع المتنامي لهجرة الإيرانيين
تشير الإحصاءات الرسمية إلى هجرة جماعية واسعة للإيرانيين، بينما أصبحت الحواجز القانونية في أوروبا والولايات المتحدة أشد ارتفاعًا من أي وقت مضى.
وأحد التحديات الأساسية في فهم ظاهرة التنقل البشري هي تشابك التعريفات القانونية. ولفهم تجربة الهجرة لدى الإيرانيين، يجب أولًا العودة إلى الأطر القانونية والإدارية لهذا المفهوم.
والمهاجر هو الشخص الذي يغادر وطنه طواعية وبموافقة قانونية، مثل تأشيرات الدراسة أو العمل. على سبيل المثال، آلاف الطلاب الإيرانيين الذين يحصلون سنويًا على قبول في جامعات مرموقة حول العالم يُعتبرون قانونيًا مهاجرين.
واللاجئ هو الشخص الذي يضطر إلى مغادرة وطنه؛ بسبب "خوف مبرر" من القمع السياسي أو الحرب أو انتهاك حقوق الإنسان الأساسية، وينتظر الحصول على حماية قانونية في البلد المضيف.
واللجوء، بخلاف الهجرة، يُعد إجراءً طارئًا للهروب من الخطر.
إلى جانب هذين التصنيفين، هناك فئة المتخصصين عبر الحدود أو "الإكسبات"؛ وهم خبراء ومتخصصون تجذبهم سوق العمل العالمية أو المؤسسات الدولية أو مراكز البحث، وعادة ما يُنتقلون وفق عقود عمل محددة.
وقانونيًا، يُعتبر هؤلاء مهاجرين، لكن طبيعة تنقلهم مرتبطة بسوق العمل العالمي والدور المهني، وغالبًا ما يؤدي هذا المسار إلى إقامة دائمة لكثير من المتخصصين الإيرانيين.
أرقام مقلقة عن هجرة الإيرانيين
وفق بيانات مرصد الهجرة الإيراني، شهد عام 2022 زيادة بأكثر من 40 في المائة في طلبات اللجوء من الإيرانيين، وهو مؤشر على تصاعد الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وتشير هذه البيانات إلى أن موجة الخروج الجديدة لم تعد مقصورة على فئات معينة، بل تتوسع في ظل تزايد الضغوط.
وتقدر الإحصاءات الرسمية عدد الإيرانيين من الجيل الأول المقيمين خارج البلاد بين 1.7 و2 مليون شخص، في حين تشير مصادر غير رسمية إلى أن العدد قد يتجاوز 8 ملايين.
وظلت إيران في السنوات الأخيرة على رأس قائمة الدول المصدّرة للطلاب إلى الولايات المتحدة وأوروبا، واحتلت المرتبة الرابعة عالميًا في إرسال طلاب الدكتوراه إلى الولايات المتحدة، مما يعكس نزوحًا ممنهجًا لرأس المال البشري.
الحدود القانونية تتلاشى أمام الواقع الاجتماعي
في المجتمع الإيراني اليوم، تبدو الحدود بين الهجرة واللجوء والتنقلات المتخصصة باهتة في التجربة اليومية لكثير من المواطنين.
وعلى الرغم من الاختلافات، يتشارك معظم المغادرين هدفًا واحدًا: مغادرة إيران لبناء حياة أكثر أمانًا واستقرارًا وتوقعًا، والحصول على حريات اجتماعية أوسع.
وبهذا المعنى، يُعد اللجوء والهجرة الدراسية أو المهنية مسارات مختلفة لتحقيق الرغبة نفسها: بناء مستقبل خارج إيران.
من الثورة إلى الأزمة
يروي تاريخ الهجرة الإيرانية بعد ثورة 1979 قصة موجات متتالية. فقد بدأت الموجة الأولى مع تأسيس النظام السياسي الجديد، وتلتها موجة ثانية خلال الحرب العراقية- الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات.
وفي العقود الأخيرة، أدى التزاوج بين القمع السياسي والقيود الاجتماعية والأزمة الاقتصادية المزمنة إلى تحويل الهجرة إلى استراتيجية للبقاء.
وتقول الكاتبة وعالمة الاجتماع، شهلا شفيق، في مقابلة مع "إيران إنترناشيونال": "منذ بداية تأسيس النظام الإيراني، أدت أشكال القمع المختلفة إلى اختفاء الحدود بين النفي واللجوء والهجرة بين الإيرانيين".
وأضافت: "غادر الكثير من الإيرانيين بلادهم قسرًا، وليس وفق خطة محددة، واستمر هذا النمط في موجات متتالية، مثل حركة الخضر واحتجاجات نوفمبر (آبان) الدامي وحتى انتفاضة (المرأة، الحياة، الحرية)، مما جعل النفي والهجرة ظاهرة مترابطة".
وترى شفيق أن عاملاً آخر وراء ذلك وهو غياب المستقبل؛ حيث يؤدي افتقار الحريات الفردية مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى تقويض تصور "حياة طبيعية وإنسانية"، خاصة للأجيال القادمة.
وأوضحت شفيق: "قبل الثورة كانت الهجرة ظاهرة محدودة، أما اليوم فقد أصبحت إحدى السمات البنيوية للمجتمع الإيراني، وظهرت ليس فقط في الواقع الاجتماعي، بل أيضًا في الأدب والسرد الثقافي للإيرانيين المقيمين في الخارج"
الخوف من الاعتقال وبيع الممتلكات على عجل
مع استمرار الحافز العالي للهجرة، اتخذت الدول الغربية سياسات أكثر صرامة. ففي أوروبا، أدت الاتفاقيات الجديدة وتشديد الرقابة الحدودية إلى صعوبة الوصول إلى المسارات السابقة.
وفي الولايات المتحدة، منع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، دخول المواطنين الإيرانيين بأمر تنفيذي، ما أغلق فعليًا مسارات الهجرة الدراسية والمهنية.
البحث عن حياة طبيعية
يذكّر اليوم العالمي للمهاجرين أن هذه الظاهرة جزء من الواقع اليومي للإيرانيين. سواء كانوا يهاجرون بدعم من برامج تعليمية أو عملية، أو يسلكون طرقًا أصعب، فإنهم يحملون جميعًا قصصًا عن السعي للحياة والأمل.
وطالما لم تتوفر بيئات لتطوير الفرد، ستظل طرق الخروج من البلاد طريقًا لتجربة "قصة كبيرة" أو "حياة طبيعية" خارج إيران.