وقد تناول حسن رضا يوسفوند وعظيمة السادات عبد اللهي، عضوا الهيئة العلمية في قسم علم الاجتماع بجامعة "بیام نور" في طهران، عبري هذا البحث، ظاهرة السقف الزجاجي والعوائق، التي تحول دون ارتقاء النساء مهنيًا في البيئات الأكاديمية، رغم امتلاكهن الخبرة والشهادات نفسها، التي يمتلكها زملاؤهن الرجال.
ويُعرَّف "السقف الزجاجي" بأنه حاجز غير مرئي يقيّد مسار ارتقاء النساء، ويتجلّى عبر معايير خفية في التعيينات وشبكات غير رسمية للنفوذ، وهي عملية تمنع النساء بشكل بنيوي وغير محسوس من الوصول إلى المناصب الإدارية.
وهذا البحث، الذي نُشر في العدد الأخير من مجلة "البحوث الاستراتيجية في القضايا الاجتماعية"، أُنجز اعتمادًا على مقابلات مع موظفات في الهيكل الإداري لجامعة "بیام نور" أصفهان.
المعايير الخفية والشبكات الذكورية غير الرسمية
ذكرت النساء المشاركات في هذا البحث أن "المعايير الخفية في التعيينات" تُعد من أبرز تجليات ظاهرة السقف الزجاجي؛ وهي مؤشرات تتضمن توقعات غير معلنة، مثل البقاء بعد ساعات الدوام أو المشاركة في الاجتماعات غير الرسمية، وهي أمور تصب عمليًا في مصلحة الرجال.
وقالت إحدى المشاركات إنه "على الرغم من أن كل شيء يبدو في الظاهر قائمًا على الاستحقاق، فإن هناك في الواقع معايير أخرى غير مكتوبة؛ مثل القدرة على الحضور في الاجتماعات بعد ساعات الدوام الإداري".
الأنماط الجندرية السائدة وتهميش إنجازات النساء
تشير نتائج البحث إلى أن الأنماط الجاهزة حول "الوظائف النسائية" و"الوظائف الرجالية" ما زالت تلعب دورًا بارزًا في تقسيم المهام الإدارية، ويتم غالبًا النظر إلى النساء على أنهن الأنسب للأعمال الرعائية والداعمة.
ويرى الباحثان أن هذا النهج "يعيد إنتاج الأنماط الجندرية السائدة ويُقصر النساء على مهام (نسائية)، بينما يُعفى الرجال من هذه التوقعات".
ونقلت إحدى الموظفات تجربتها بالقول: "أنا موظفة في العلاقات العامة؛ لكن المثير أنه كلما كان هناك ضيف أو اجتماع، يُتوقع مني القيام بالضيافة وترتيب الغرفة؛ بينما لا يُنتظر ذلك من الزملاء الرجال الذين هم في المنصب نفسه".
ويذكر البحث أن النساء يُتوقع منهن أن يكنّ "داعِمات ولطيفات"، بينما يُنتظر من الرجال "الحزم" و"تحمل المخاطر"؛ وهي عملية تُقصي النساء تلقائيًا من مواقع القيادة الرسمية.
وفي الوقت نفسه، تُهمَّش إنجازات النساء المهنية بشكل غير محسوس؛ فغالبًا ما تُنسب نجاحاتهن إلى "الحظ" أو "العلاقات"، في حين يُنظر إلى الأداء نفسه من جانب الرجال على أنه دليل على "الكفاءة" و"الاستحقاق".
العبء المزدوج بين العمل والأسرة واستنزاف دافعية النساء
تحدثت الموظفات في هذا البحث عن العبء المزدوج للمهام الوظيفية والمسؤوليات الأسرية؛ من ساعات العمل الصارمة إلى غياب إمكانية العمل عن بعد وغياب الخدمات الداعمة، مثل دور الحضانة.
ويقول الباحثان إن بعض المديرين يمنعون ترقية الموظفات بالإشارة إلى دورهن كأمهات، وإيصال رسالة مفادها أن الأسرة يجب أن تكون "أولويتهن".
وبحسب نتائج البحث، فإن أثر هذه الظروف لا يقتصر على إبطاء ارتقاء النساء الوظيفي؛ بل يؤدي إلى "تآكل تدريجي في الدافعية والثقة بالنفس"، ويعزز مشاعر عدم الكفاءة والشك في القدرات.
ضرورة إصلاح الهياكل التنظيمية والثقافية والنفسية
يؤكد الباحثان أن تحقيق المساواة يمر عبر تغيير السياسات البنيوية والثقافية، لا عبر الاعتماد على الجهد الفردي للنساء فقط.
والخطوة الأولى في هذا المسار هي توضيح معايير التعيين والترقية؛ أي أن تُعلن المؤسسات بوضوح الشروط والنقاط والخبرة المطلوبة لكل منصب إداري، وأن تُطبّق هذه المعايير على النساء والرجال بشكل متساوٍ.
ويؤكد البحث ضرورة إصلاح إجراءات التعيين، ودعم التوازن بين المهام الوظيفية والأسرية، وتوفير التدريب على الوعي الجندري.
وبعبارة أخرى، ما دام التعيين يتم بناءً على العلاقات غير الرسمية، وأهواء المديرين الأعلى رتبة، أو المشاركة في دوائر محدودة، ستستمر اللامساواة في مسار الارتقاء الوظيفي للنساء.
كما اعتبر الباحثان أن تطبيق "سياسات مرنة" أمر ضروري؛ مثل إمكانية العمل عن بعد في ظروف معينة، وتوفير خدمات رعاية الأطفال داخل مكان العمل أو بالقرب منه.
والمحور المهم التالي في هذا الطريق هو تدريب المديرين والموظفين على "الوعي الجندري". وتشير نتائج البحث إلى أن كثيرًا من الأنماط والأحكام السلبية حول النساء والأمهات العاملات راسخة في أذهان المديرين والزملاء باعتبارها "معتقدات طبيعية".
واستندت هذه النتائج إلى روايات 13 امرأة يعملن في أقسام مختلفة داخل الإدارة في جامعة "بيام نور" أصفهان.
ويقول الباحثان إن تجارب هؤلاء النساء تعكس الظروف السائدة في جزء كبير من المؤسسات الأكاديمية في إيران؛ فطالما ظل السقف الزجاجي والتمييز الخفي جزءًا من الثقافة التنظيمية، سيبقى مسار الارتقاء الوظيفي المتساوي للنساء مسدودًا.