وقبل مغادرته البيت الأبيض متوجهًا إلى ولاية فلوريدا، وردًا على سؤال الصحافيين بشأن احتمال استمرار الحرب مع إيران عامًا آخر، قال ترامب: "يمكننا إنهاء الأمر بسرعة كبيرة. لكن إيران دولة آخذة في الانهيار، ونحن نستخرج منها أي كمية من النفط نريدها".
وأضاف: "السؤال هو: هل نريد القضاء على الأمر نهائيًا، أم نتركهم ينهارون ويتداعون تدريجيًا؟ لأننا نحقق كل ما أردناه".
وأكد الرئيس الأميركي أن النظام الإيراني لم تعد لديه قدرة تُذكر على المواجهة، وإن الولايات المتحدة تستطيع الاستيلاء على نفط البلاد بأكمله إذا أرادت ذلك.
وأضاف: "يمكننا حتى السيطرة على البلاد بأكملها".
وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع اجتماع وزراء خارجية تركيا وباكستان ومصر والسعودية وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا في إسطنبول، وتصاعد الضغوط الاقتصادية الأميركية على إيران، وصدور تقارير عن تسجيل عدد غير مسبوق من الهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز.
وقال ترامب مجددًا للصحافيين إن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز، وإن واشنطن تعتزم الحفاظ على هذا الوضع.
وكان قد ذكر سابقًا أن الحصار البحري الأميركي حال دون تصدير النفط الإيراني، في حين لا يزال نفط الدول الأخرى يعبر مضيق هرمز، بل إن حجم النفط المنقول عبره خلال الأسبوع الماضي تجاوز مستويات ما قبل اندلاع الحرب.
تعطل شبكة تصدير النفط الإيراني
في غضون ذلك، أعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أن الحملة الاقتصادية التي تنفذها إدارة ترامب ضد طهران عطّلت الأجزاء الرئيسية من شبكة تصدير النفط الإيراني خلال أقل من شهرين، وقلّصت بشدة مصادر إيرادات الحرس الثوري.
وكتب بيسنت، الجمعة 23 أكتوبر، على منصة "إكس"، في إشارة إلى العملية التي تحمل اسم "الإقصاء الاقتصادي"، أن هذه العملية صُممت لقطع مصادر إيرادات النظام الإيراني وشبكاتها المالية والتجارية المرتبطة بالحرس الثوري.
ونشر بيسنت صورًا بالأقمار الصناعية لمحطة النفط الإيراني في جزيرة "خارك"، مضيفًا أن المحطة التي كانت تستقبل في السابق عددًا كبيرًا من ناقلات النفط أصبحت الآن خالية من ناقلات النفط الخام.
وبحسب بيسنت، تضرر "أسطول الظل الإيراني" بشدة أيضًا، فيما أوشكت مخزونات النفط الموجودة على متن ناقلات في المياه الخليجية على النفاد.
وأفاد معهد "كبلر" لمعلومات الطاقة، بحسب ما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال"، بأن مخزونات النفط الموجودة على متن ناقلات الظل الإيرانية، التي كانت تُفرّغ حمولاتها في الصين بصورة رئيسية منذ بداية الحرب، نفدت بحلول منتصف أكتوبر الجاري.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت، في 8 أكتوبر الجاري، فرض عقوبات جديدة على 17 ناقلة نفط مرتبطة بصادرات النفط الإيراني. كما فرضت الوزارة، في 21 أكتوبر، عقوبات إضافية على شركات ووسطاء قانونيين وكيانات شحن مرتبطة بنقل النفط الإيراني ومنتجاته البتروكيماوية.
تصاعد الهجمات في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط
على الرغم من ذلك، تُظهر أحدث بيانات الأمن البحري أن الهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز والممرات المائية المحيطة به بلغت أعلى مستوياتها المسجلة، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الاقتصادية الأميركية.
وأفادت وكالة "رويترز"، الجمعة، نقلاً عن بيانات جمعها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، بأن أكتوبر 2026 كان أسوأ شهر من حيث عدد الهجمات على السفن التجارية منذ بدء تسجيل هذه الحوادث عام 2017.
وقال الباحث البارز في المعهد، نوام ريدان، إن 28 هجومًا مؤكدًا أو مُبلّغًا عنه على السفن سُجلت في مضيق هرمز والممرات المائية المحيطة به خلال أكتوبر حتى الآن. وأضاف أن عدد هذه الهجمات بلغ 113 منذ بدء الهجمات الأميركية- الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.
وتتوافق هذه الأرقام عمومًا مع بيانات المنظمة البحرية الدولية، التي سجلت 120 حادثًا أمنيًا في مضيق هرمز ومنطقة الشرق الأوسط الأوسع منذ بداية الحرب.
وأظهر تحليل أجرته "رويترز" أن أكثر من 30 ناقلة نفط عملاقة، من بينها 11 ناقلة خلال أكتوبر الجاري، تعرضت لأضرار جراء الهجمات. ويعادل هذا العدد نحو 3.5 في المائة من الأسطول العالمي لناقلات النفط العملاقة، الذي يُقدّر بأكثر من 900 ناقلة.
وبحسب شركة "ماري سيكس" للاستشارات الأمنية البحرية، تعرضت 12 سفينة لهجمات خلال الفترة الممتدة من 5 إلى 11 أكتوبر الجاري وحدها، وهو أعلى عدد من الهجمات المسجلة خلال أسبوع واحد منذ اندلاع الحرب.
وتأتي زيادة الهجمات في وقت يعلن فيه مسؤولون إيرانيون صراحة استهداف السفن التي تستخدم المسارات المدعومة من الولايات المتحدة لنقل النفط.
وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، إن القوات المسلحة الإيرانية استهدفت، خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة الماضية، ما متوسطه خمس إلى ست سفن كل ليلة في منطقة مضيق هرمز.
وأضاف أن القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، بالتعاون مع قوات الإمارات العربية المتحدة، تستخدم سفنًا صغيرة لنقل النفط إلى ناقلات أكبر حجمًا، واصفًا هذه العمليات بأنها "تهريب للنفط".
ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من أرقام الهجمات الليلية التي ذكرها رضائي، كما أنها تختلف اختلافًا كبيرًا عن عدد الحوادث المسجلة لدى المؤسسات الدولية.
وكانت البحرية التابعة للحرس الثوري قد أعلنت، الخميس 22 أكتوبر، استهداف أربع سفن قالت إنها شاركت في نقل النفط بصورة غير قانونية، فيما تضررت ثلاث سفن أخرى نتيجة اصطدامها بألغام بحرية. وحذّر الحرس من أن نطاق الهجمات قد يمتد إلى قواعد واشنطن العسكرية في المنطقة إذا استمرت التحركات الأميركية.
واتهم ترامب، ردًا على ذلك، إيران باختلاق ادعاءات بشأن بعض الهجمات واصطدام السفن بالألغام البحرية، بهدف رفع أسعار النفط قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. ولم يُتحقق بصورة مستقلة من تفاصيل الحوادث السبعة التي أعلنها الحرس الثوري.
وعلى الرغم من تصاعد الهجمات، تُظهر بيانات شركة "كبلر" أن صادرات النفط من الشرق الأوسط بلغت في أكتوبر متوسطًا قدره 17.3 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى من متوسط 16.9 مليون برميل يوميًا خلال الشهرين السابقين للحرب.
ولكن هذه الزيادة لا تعني عودة حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بالكامل إلى مستويات ما قبل الحرب. فبحسب البيانات نفسها، بلغ متوسط حجم النفط العابر للمضيق في أكتوبر 11.7 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو 82 في المائة من مستواه قبل الحرب.
ويرتبط جزء من زيادة صادرات النفط الإقليمية باستخدام خطوط أنابيب بديلة، ونقل الشحنات بين السفن، وعبور قوافل من ناقلات النفط تحت حماية البحرية الأميركية بالقرب من السواحل العُمانية.
كما ارتفعت تكاليف هذه العمليات بشدة. ووفقًا لتقرير "رويترز"، وصلت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة يوميًا لنقل النفط من الشرق الأوسط إلى الصين إلى نحو 1.4 مليون دولار، أي أكثر من 12 ضعف مستواها قبل الحرب. كذلك ارتفعت تكلفة التأمين على ناقلات النفط من نحو 3 في المائة إلى ما يقارب 10 في المائة من قيمة الشحنة.
ولا تزال أسعار النفط تتأثر بانعدام الأمن في الممرات المائية الإقليمية والمخاوف من اتساع نطاق الحرب مجددًا. وتجاوز سعر خام برنت، الجمعة، 115 دولارًا للبرميل، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أوائل مايو (أيار) الماضي.
وأفادت "رويترز" بأن تصاعد هجمات الحوثيين على المنشآت والبنية التحتية السعودية، إلى جانب ورود أنباء عن تسرب نفطي من ناقلة بالقرب من سواحل الإمارات العربية المتحدة، زادا المخاوف من احتمال حدوث مزيد من الاضطرابات في إمدادات الطاقة.
اجتماع إسطنبول واستمرار المساعي الدبلوماسية
في غضون ذلك، تتواصل الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى سبيل لإنهاء المواجهة؛ حيث استضافت إسطنبول، الجمعة 23 أكتوبر، اجتماعًا دبلوماسيًا شارك فيه وزراء خارجية تركيا وباكستان ومصر والسعودية وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا. وأُعلن أن أحد محاور الاجتماع الرئيسية يتمثل في منع بدء جولة جديدة من الهجمات العسكرية على إيران، والبحث عن سبل لخفض التوترات الإقليمية.
وبحث المشاركون، إلى جانب الأزمة الإيرانية وأوضاع مضيق هرمز، هجمات الحوثيين وأمن مضيق باب المندب والتطورات في فلسطين والحرب الروسية الأوكرانية.
وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، بعد اجتماعه مع نظرائه الإقليميين والأوروبيين، إن لا أحد يؤيد شن هجوم جديد على إيران.
وشدد على أن "التدخل العسكري في إيران ليس حلاً بأي حال من الأحوال. ولا أحد يؤيده في الوقت الراهن".
وحذّر وزير الخارجية التركي من أن شن هجوم عسكري جديد على إيران قد يؤدي إلى اتساع نطاق الحرب والمواجهات في أنحاء المنطقة.
وأعلن وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، أيضًا أن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مستعدة للدخول في مفاوضات مع إيران.
وأكد فاديفول، في تصريحاته المتعلقة باجتماع إسطنبول، ضرورة وقف الهجمات على السفن التجارية وضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية.
وقال إن القوى الأوروبية الثلاث والدول الإقليمية الأربع المشاركة في الاجتماع تسعى إلى إيجاد حلول للأزمات في مضائق هرمز وباب المندب والبحر الأسود، مشيرًا إلى أن هذه التحديات لا يمكن معالجتها دون تعاون يتجاوز الأطر الدبلوماسية القائمة.
وفي الوقت نفسه، اتهم وزير الخارجية الألماني إيران والحوثيين بعرقلة التجارة العالمية وتهديد تدفق الطاقة والسلع الأساسية، داعيًا إلى وقف الهجمات على ممرات الملاحة الحرة.
كما أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية، عقب الاجتماع، أن وزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، أطلع نظراءه على جهود الوساطة التي تبذلها إسلام آباد لخفض التوتر بين طهران وواشنطن.
وبحسب الوزارة، شدد الوزراء على ضرورة مواصلة المشاورات الدبلوماسية لمنع استئناف الأعمال العدائية والحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين، واتفقوا على مواصلة الحوار في هذا الإطار.