النساء في إيران تحت وطأة تسريب الصور الخاصة والضغوط الاجتماعية

شهدت الأسابيع الأخيرة تحول تسريب الصور والرسائل الخاصة لعدد كبير من النساء في محافظات لرستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية بإيران إلى أزمة خطيرة.
إيران إنترناشيونال

شهدت الأسابيع الأخيرة تحول تسريب الصور والرسائل الخاصة لعدد كبير من النساء في محافظات لرستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية بإيران إلى أزمة خطيرة.
ووفقًا للتقارير، عمد أشخاص إلى نشر هذه المواد الخاصة عبر قنوات على تطبيق "تلغرام" بهدف ابتزاز الضحايا، وهو ما يشكل انتهاكًا صارخًا للخصوصية، فضلاً عن التسبب بأضرار نفسية واجتماعية جسيمة للعديد من النساء وأسرهن.
ولكن ما يجعل هذه القضية أكثر خطورة لا يقتصر على النشر غير القانوني للصور والمعلومات الشخصية، بل يمتد إلى الضغوط التي تتعرض لها الضحايا بعد ذلك. ففي كثير من الحالات، بدلاً من توجيه اللوم إلى مرتكبي الجريمة، تجد الضحايا أنفسهن في مواجهة الخوف والأحكام المسبقة والوصم الاجتماعي.
ومن بين المتضررات قاصرات دون سن الثامنة عشرة، تعرضن لضغوط نفسية شديدة وخشين من ردود فعل أسرهن والمجتمع. وتشير التقارير إلى أن ثلاث فتيات انتحرن وفقدن حياتهن، بينما نُقلت أخريات إلى المستشفى بعد محاولات انتحار.
ويطرح ذلك سؤالاً جوهريًا: لماذا تشعر ضحية انتهاك الخصوصية بالخوف أو العار أو الضغط، بينما الجريمة ارتكبها شخص آخر؟
إن نشر الصور أو المعلومات الخاصة لأي شخص يُعد اعتداءً على خصوصيته، وتقع المسؤولية القانونية والأخلاقية على من نشر تلك المواد أو استخدمها للتهديد والابتزاز. ومع ذلك، فإن بعض المجتمعات، بسبب مفاهيم اجتماعية وتقليدية خاطئة، تُحمّل الضحية تبعات الجريمة بدلاً من تقديم الدعم لها، سواء من الأسرة أو الأقارب أو المحيط الاجتماعي.
ويرى التقرير أن معاقبة الضحية اجتماعيًا تعني تحميلها نتائج فعل المجرم، في حين أن المسؤولية الحقيقية تقع بالكامل على من انتهك خصوصيتها.
ويعزو التقرير جزءًا من المشكلة إلى نقص الوعي داخل الأسر، إذ تفتقر كثير من العائلات إلى المعرفة بكيفية دعم أبنائها وبناتها والتعامل مع الأزمات النفسية والاجتماعية الناتجة عن مثل هذه الحوادث، كما أسهمت الصور النمطية والمعتقدات المتوارثة في توجيه اللوم إلى الضحية بدلاً من مساندتها.
ويؤكد التقرير أن المسؤولية لا تقع على الأسر وحدها، بل تشمل أيضًا السلطات التشريعية وصنّاع القرار، الذين ينبغي أن يضعوا قوانين واضحة وفعالة لحماية الخصوصية، وتجريم نشر الصور والمعلومات الشخصية أو استخدامها في التهديد والابتزاز، مع فرض عقوبات رادعة على مرتكبي هذه الجرائم.
كما يشدد على أهمية وجود مجتمع مدني فاعل يقدم الدعم النفسي والقانوني للضحايا، وينشر الوعي بحقوق الأفراد وأسس السلامة الرقمية، إلا أن القيود المفروضة على منظمات المجتمع المدني في إيران أضعفت هذا الدور، ما ترك كثيرًا من الضحايا وعائلاتهم دون دعم كافٍ.
ويضيف التقرير أن النظرة السائدة في بعض المؤسسات الرسمية والاجتماعية تجاه النساء، والتي تقلل من استقلاليتهن وتصوّرهن كأشخاص بحاجة إلى الوصاية، تسهم أيضًا في حرمانهن من الحماية اللازمة عند وقوع الأزمات.
ويرى التقرير أن مواجهة هذه الجرائم لا تتحقق فقط عبر تشديد العقوبات، بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل قوانين فعالة، وتوعية مجتمعية، وإجراءات وقائية، وآليات حقيقية لحماية الضحايا، بما يضمن عدم تركهن وحدهن بعد تعرضهن للجريمة.
ويخلص التقرير إلى أن تسريب الصور الخاصة للنساء في هذه المحافظات ليس مجرد قضية جنائية، بل يكشف عن خلل بنيوي في حماية الخصوصية وحقوق الضحايا. ويؤكد أن منع تكرار مثل هذه المآسي لا يتحقق باعتقال بعض المتورطين فحسب، وإنما يتطلب تغييرًا في نظرة المجتمع، وتثقيف الأسر، وتعزيز حماية الضحايا، وبناء منظومة تمنع تعرضهم للإيذاء مرة أخرى بعد وقوع الجريمة.

يكشف تقرير سري سُرّب هذا الأسبوع من داخل إيران أن معدل الغضب الشعبي وصل إلى أعلى مستوى مسجل بين دول العالم، وأن تسعة من بين كل عشرة إيرانيين يطالبون بالتغيير. ومع ذلك، فإن التوصية الرئيسية لهذا التقرير لم تتمثل في معالجة جذور الاستياء، بل ركزت على كيفية "إدارة" غضب المجتمع.
هذه الوثيقة، التي أُعدت تحت عنوان "ماذا تريد إيران" وحصل عليها موقع "إيران واير"، صاغها علي ربيعي، المستشار الاجتماعي للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
وقد اعتمد ربيعي، الذي يمتلك تاريخًا من العمل في وزارة الاستخبارات وعمل سابقًا متحدثًا باسم الحكومة، في إعداد تقريره على نتائج استطلاع للرأي أُجري في شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار) 2026 من قِبل مركز البحوث "آرا"، وجرى تسليم هذه الوثيقة إلى كبار المسؤولين في النظام الإيراني في شهر يونيو (حزيران) الماضي.
استطلاع رأي عقب احتجاجات دموية وفي غمرة الحرب
تكتسب توقيتات إجراء هذا الاستطلاع أهمية بالغة؛ إذ تم إجراء هذا البحث بعد الاحتجاجات العارمة التي اندلعت في شهري ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) الماضيين؛ وهي الاحتجاجات التي تشير التقارير إلى أن قوات الأمن قتلت خلالها عشرات الآلاف من المتظاهرين في غضون أيام قليلة. كما تزامن الاستطلاع مع الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل؛ وهي الحرب التي أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني الراحل، علي خامنئي.
وفي الوقت الذي تبث فيه وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية كل ليلة صورًا لساحات تكتظ بالحشود وهي ترفع شعارات المطالبة بالانتقام، يقدم هذا التقرير صورة مغايرة تمامًا للمجتمع الإيراني.
فبناءً على نتائج هذا الاستطلاع، أعرب 9 في المائة فقط من المشاركين عن رغبتهم في استمرار الوضع الراهن، بينما أبدى 91 في المائة تأييدهم لإجراء إصلاحات، أو إصلاحات عميقة، أو التغيير الكامل للنظام السياسي.
ولا يقدم التقرير أي تفسير بشأن المنهجية المتبعة في هذا الاستطلاع. ونظرًا لأن المستطلعين داخل إيران قد يخشون التعبير عن آرائهم بحرية أمام المؤسسات الحكومية، فقد تم تفسير هذه النتائج بحذر.
ومع ذلك، فإن عالم الاجتماع الإيراني، سعید بیوندي، الذي راجع النص الكامل للتقرير لصالح "إيران واير"، اعتبر نتائج التقرير معتبرة وموثوقة بشكل عام رغم هذه القيود، مؤكدًا أن الأرقام المنشورة تمثل على الأرجح الحد الأدنى الفعلي للاستياء، لا الحد الأقصى له.
إيران.. الدولة الأكثر غضبًا في العالم طبقًا للبيانات المسجلة
تتمثل أهم نتائج التقرير في تسجيل معدل 63.6 في المائة للغضب العام في إيران؛ وهو رقم يؤكد التقرير أنه لم يُسجل في أي دولة أخرى من قبل.
ولم يسبق لمؤشر المشاعر العالمي التابع لمؤسسة "غالوب" أن سجل أي دولة بمعدل غضب يتجاوز 47 في المائة ؛ وهو الرقم القياسي الذي كان مسجلاً سابقًا باسم دولة تشاد. لكن وفقًا لهذا التقرير، فإن معدل الغضب في إيران ارتفع بمقدار 12 درجة مئوية (نقطة مئوية) منذ شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر 2025 وحتى الآن.
وجاء في التقرير نفسه صراحةً أن إيران باتت الآن، من حيث معدلات الغضب والحزن، تتربع على صدارة جميع الدول التي شملتها استطلاعات "غالوب" تاريخيًا.
وكانت إيران تقع سابقًا في هذه التصنيفات إلى جانب دول مثل العراق وأفغانستان، لكنها تفوقت عليها الآن.
لا حرب ولا استسلام
فيما يخص المواجهة مع الولايات المتحدة، لا تتوافق نتائج الاستطلاع مع أي من الروايتين السائدتين؛ لا الرواية الرسمية لوسائل الإعلام الحكومية التي تتحدث عن استعداد الشعب للحرب، ولا رواية بعض الأوساط الأميركية التي تتوقع استسلام إيران.
ولا يقدم علي ربيعي في تقريره وخلاصته توضيحًا بشأن وجهة نظر الشعب الإيراني حول حرب النظام الإيراني مع أميركا وإسرائيل، وتختلف الصورة التي يعرضها عن الرأي العام بوضوح عن تصريحات المواطنين ومظاهر بهجتهم عقب مقتل قادة الجمهورية الإسلامية.
وذكر التقرير أن 44.3 في المائة من المستطلعين يرون أن الخيار الأفضل هو الحفاظ على وقف إطلاق النار ومواصلة المفاوضات؛ وهو رقم يعادل ضعف أولئك الذين يطالبون بإنهاء المفاوضات والاستعداد للحرب تقريبًا.
وفي المقابل، قال نحو شخص واحد فقط من بين كل عشرة أشخاص إنه مستعد لقبول كافة الشروط الأميركية، بينما عارض نحو الثلثين الوقف الكامل لعمليات تخصيب اليورانيوم.
ومع ذلك، فإن هذا الموقف لا يعني الثقة بالمفاوضين؛ إذ عبر أقل من ثلث المشاركين عن ثقة عالية بالفريق التفاوضي الإيراني الجديد فيما يبدي نحو نصف المجتمع قلقًا بالغًا من اندلاع الحرب مجددًا.
وبشكل عام، يقدم التقرير صورة لمجتمع يرفض الحرب والاستسلام معًا، ولكنه في الوقت نفسه لا يثق بالدبلوماسيين ولا بالقادة العسكريين.
مجتمع على حافة الانهيار النفسي
ترسم الإحصاءات العاطفية والنفسية الواردة في هذا التقرير صورة مقلقة للغاية. إذ يشعر نصف الشعب الإيراني باليأس؛ وهو رقم سجل زيادة بمقدار ثماني نقاط مئوية مقارنة بشهري نوفمبر وديسمبر من العام الماضي.
وتحدث نحو 48 في المائة من المواطنين عن شعورهم بالحزن والاكتئاب، بينما يعاني 45 في المائة من خوف وقلق مزمنين.
وتتركز أعلى معدلات اليأس بين فئتي الشباب والمتعلمين؛ وهما الشريحتان اللتان تمثلان الأهمية الكبرى لإعادة بناء مستقبل البلاد.
تقويض ادعاء "التضامن الوطني"
يضع هذا التقرير أحد أهم ادعاءات النظام الحاكم خلال فترة الحرب تحت مجهر التشكيك.
فبناءً على الإحصاءات الرسمية للحكومة نفسها، فإن 47 في المائة من المواطنين لم يشاركوا ولو لمرة واحدة في التجمعات الليلية الداعمة للنظام، ويرتفع هذا الرقم في طهران ليصل إلى 61 في المائة .
كما أقر ربيعي بأن مشروع تسجيل أسماء المتطوعين لـ "الدفاع الوطني"، وعلى عكس الدعاية الواسعة التي روجت لها السلطة، قوبل بإقبال ضئيل للغاية، وعزا ذلك إلى خوف المواطنين من أحكام الآخرين عليهم وانتقاداتهم.
ويظهر التقرير أن الإيرانيين يفرقون تمامًا بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن النظام الإيراني؛ إذ صرحت الأغلبية بأنها ستدافع عن إيران في حال تعرض البلاد لهجوم جديد، لكن هذا لا يعني إطلاقًا دعم النظام السياسي.
إيرانيون.. ولكن أقل تدينًا
أحد الأجزاء المثيرة للاهتمام في التقرير يخص موضوع الهوية لدى المواطنين. فقد أفاد أكثر من 85 في المائة من المشاركين بأنهم فخورون بكونهم إيرانيين، كما ارتفعت نسبة الذين يعتبرون هويتهم الأولى هي الهوية "الإيرانية" وليست "الإيرانية المسلمة" مقارنة بالماضي؛ وهي زيادة تبدو أكثر وضوحًا وتأثيرًا بين فئة الشباب.
وفي المقابل، شهد الالتزام الديني تراجعًا حادًا.
فقبل أربع سنوات من ثورة 1979، صرح 79 في المائة من الإيرانيين بأنهم يصومون شهر رمضان، وانخفضت هذه النسبة في عام 2023 لتصل إلى 42 في المائة، بينما تراجعت هذا العام لتصل إلى نحو 30 في المائة فقط.
الشعب لا يأمل بمستقبل إيران
رغم تصاعد الحس القومي والوطني، لا تزال الرغبة في الهجرة مرتفعة للغاية. إذ صرح نحو ثلث المواطنين بأنهم سيهاجرون من إيران إذا ما أتيحت لهم الفرصة. وترتفع هذه النسبة بين الأفراد دون سن الثلاثين وخريجي الجامعات لتصل إلى نحو 50 في المائة .
وبحسب تعبير التقرير، فإن الناس لا يغادرون جغرافية إيران فحسب، بل إنهم "يغادرون مستقبل إيران".
توصية السلطة: إدارة الاستياء لا حله
إن ما يجعل هذه الوثيقة لافتة للانتباه والاهتمام ليس البيانات الواردة فيها فحسب، بل طبيعة التوصيات التي تقدمها للمسؤولين في النظام الإيراني. إذ تخلو التوصيات تمامًا من أي حديث عن إصلاحات سياسية.
وبدلاً من ذلك، تقترح التوصيات إقناع المواطنين بأن العقوبات هي السبب الأساسي للمشكلات الاقتصادية وليست سوء الإدارة، وأن تظهر هيئة الإذاعة والتلفزيون (صدا وسيما) بوجه أكثر شمولاً واستيعاباً، مع استمرار توزيع السلع المدعومة بالبطاقات التموينية.
ويأتي هذا على الرغم من أن نتائج الاستطلاع نفسه تؤكد أن الشعب يرى في "عدم كفاءة المسؤولين وفشلهم" العامل الرئيسي لمشكلات البلاد، وبدرجة تفوق تأثير العقوبات نفسها.
وكان أبرز توصيات التقرير يقضي بضرورة تجنب المؤسسات الحكومية تطبيق أي سياسات تضعها في مواجهة مباشرة مع المجتمع.
ويرى الكثير من الإيرانيين أن تراجع وتخفيف حدة التشدد في تطبيق بعض القواعد والضوابط الاجتماعية لا يعكس مرونة أو تسامحًا من السلطة، بل هو محاولة للحفاظ على طاقة النظام الحاكم وتفاديًا للدخول في مواجهة واسعة النطاق مع المجتمع.
وفي الختام، يشير التقرير إلى مفهوم "الحاضرية" أو (Presentism)؛ وهي الحالة التي يعيشها مجتمع لا يريد ماضيه وعاجز في الوقت ذاته عن تصور أي مستقبل لنفسه.
وقد استُخدم هذا المصطلح لأول مرة في عام 1974 لتوصيف المناخ العام السائد في إيران؛ وبعد أربع سنوات فقط من ذلك التاريخ، قام هذا المجتمع نفسه بالثورة.
تُشير المعلومات، التي وردت إلى "إيران إنترناشيونال"، إلى تدهور الوضع الإنساني للمعتقلين على خلفية الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، التي اندلعت في شهري ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) في سجن طهران الكبير.
وأفاد شهود عيان بأن السجناء يُحرمون من المياه الساخنة، وأماكن النوم الكافية، والأدوية، مما جعلهم عرضة للإصابة بأمراض مختلفة.
وفي مقابلات مع "إيران إنترناشيونال"، شرح عدد من السجناء الأمنيين القابعين في العنابر (1) و(2) و(4) التابعة للجناح السادس في سجن طهران الكبير، ظروف احتجاز المتظاهرين في هذا المعتقل.
حشرة "البق" والنوم على الأرض والأمراض
وفقاً لروايات المتظاهرين المعتقلين، فإن أعداد السجناء في الأشهر الأخيرة تجاوزت ضعف الطاقة الاستيعابية لكل عنبر على الأقل.
ويحتوي كل عنبر في سجن طهران الكبير على 15 غرفة، في كل غرفة 15 سريراً (عبارة عن 5 أسرّة مكونة من ثلاثة طوابق).
وعادةً ما يحوّل السجناء أحد هذه الأسرّة إلى ما يشبه المطبخ لترتيب الأطعمة والخبز عليه، وبذلك يتبقى 14 سريراً فقط للنوم؛ أي أن الأسرّة تستوعب 210 أشخاص فقط، لكن المسؤولين يحشرون نحو 500 شخص في هذه المساحة.
ويوجد في كل غرفة (ذات الـ 15 سريراً) 30 شخصاً على الأقل، الأمر الذي أجبر نصف السجناء على "النوم على الأرض" ليلاً في الممرات.
ووصف الشهود الوضع الصحي والنظافة في سجن طهران الكبير بـ "الكارثي"، قائلين: «المكان مليء بحشرات البق، القمل، ومختلف أنواع الحشرات، الفيروسات والميكروبات...».
وقال أحد الشهود: «البق يتسلق أجساد السجناء والجميع معرضون للإصابة بأمراض مختلفة... وبسبب الاكتظاظ الشديد، إذا أصيب شخص واحد بمرض ما، ينتقل على الفور إلى العنبر بأكمله. على سبيل المثال، فيروس الإنفلونزا البسيط ينهك الجميع».
ومن جهة أخرى، فإن العيادة الطبية في السجن غير فعالة والوصول إلى الأدوية محدود للغاية.
وقال أحد السجناء السابقين: «تتحمل العائلات مشقة بالغة لإيصال الأدوية إلى المعتقلين، وغالباً ما يتم تقسيم هذه الأدوية بين الجميع، لأن عيادة السجن لا تفعل شيئاً عملياً؛ ولا يُنقل السجين إليها إلا إذا كان يلفظ أنفاسه الأخيرة».
وقبل ذلك، كان العديد من السجناء السابقين قد كشفوا بعد إطلاق سراحهم عن الأوضاع المأساوية في سجن طهران الكبير.
وعلى سبيل المثال، حذر رسول هويدا (وهو مساعد طبي، قضى فترة عقوبته في هذا السجن عام 2018) من "الاكتظاظ السكاني الهائل" في العنابر العامة، مشيراً إلى أن بعض السجناء يضطرون للنوم في ممرات العنابر وعند مداخل المراحيض.
كما أشار إلى شح الإمكانيات الطبية والمستلزمات الدوائية، وعدم تعقيم العيادة، والنقص الحاد في الأطباء والكوادر العلاجية.
غياب مياه الشرب النظيفة
تعد مشكلة غياب وسائل التدفئة في الشتاء ووسائل التبريد في الصيف من الأزمات الدائمة في هذا السجن. وإلى جانب ذلك، لا وجود لمياه شرب نظيفة في سجن طهران الكبير.
ووفقاً لمصادر "إيران إنترناشيونال"، يضطر السجناء لشراء المياه بأنفسهم من متجر السجن، ولكن حالياً وفي منتصف الصيف، يمتنع المتجر أحياناً عن توفير المياه المعدنية، وقد تمر ثلاثة أيام دون أن تصل مياه نظيفة للشرب إلى السجناء.
ويجبر الكثيرون، ممن لا يطيقون هذه الظروف، على استخدام مياه السجن غير الصالحة والتي تسبب الأمراض.
غياب الوجبات الغذائية أحياناً
وصف السجناء في العنابر (1) و(2) و(4) بالجناح السادس، طعام السجن بأنه "كارثي ومعدوم الجودة".
ووفقاً لإفاداتهم، فإن هذا الطعام نفسه لا يُقدم أحياناً؛ أي أنه كل بضعة أيام، تختفي وجبة أو وجبتان تماماً من السجن.
وفي 6 يوليو (تموز) الجاري، أعلن السجناء السياسيون في العنبر السادس عن قطع المياه، وإطفاء المكيفات، وإغلاق الحمامات، مؤكدين أن هذه الإجراءات تأتي كنوع من "ممارسة الضغط" عليهم.
وأكدوا أيضاً أنه تم إلغاء زيارات يوم الثلاثاء وحرمانهم من حق اللقاء بعائلاتهم.
أزمة "الحمامات" والمراحيض "غير الصحية"
أفاد عدد من المتظاهرين المعتقلين في سجن طهران الكبير لـ "إيران إنترناشيونال" بغياب المياه الساخنة والنظافة تماماً في الحمامات، حيث تكون المياه باردة دائماً سواء في الشتاء أو الصيف.
وذكروا أنه عند الاحتجاج لدى مسؤولي السجن أو الجناح، يأتي الرد بعدم القدرة على تأمين المياه الساخنة، وأن على السجناء التعايش مع هذه الظروف.
ومن جهة أخرى، تتعرض مجاري المراحيض للانسداد في معظم أيام الأسبوع. وقال أحد شهود العيان: «في إحدى المرات، ظلت المراحيض غير صالحة للاستخدام لمدة ثلاثة أيام، ووصل الأمر بالسجناء إلى الاحتجاج أثناء عملية الإحصاء اليومي (التعداد)، مما أجبر مسؤولي السجن على إرسال فني لفتح المجاري».
وتابع أن الحمامات والمراحيض تفتقر إلى مواد التنظيف الكافية، كما أن الأغطية (البطانيات) والسجاد والأواني كلها متسخة، ولهذا السبب يصاب الكثيرون بمرض الجرب (وهو مرض جلدي معدٍ).
"الفسحة الإجبارية" تحت أشعة الشمس وفي درجة حرارة 40 مئوية
أشار متظاهر سجین آخر إلى مشكلة "الفسحة الإجبارية".
ويقع هذا السجن على بعد 32 كيلومتراً جنوب طهران، وتحديداً في منطقة "فشافويه" التابعة لمدينة "ري"، وهي منطقة صحراوية تصبح شديدة الحرارة في فصل الصيف.
ويجبر مسؤولو السجن السجناء في طقس الصيف الحار على البقاء يومياً لساعتين على الأقل في باحة مفتوحة بلا سقف تحت أشعة الشمس الحارقة.
ووفقاً لشاهد العيان، فإن هذا الوضع يتكرر في الشتاء أيضاً: «في البرد القارس، وحتى لو كنت تتجمد، لم يكن مسموحاً لنا بالعودة إلى داخل العنبر».
وفي ظل هذه الظروف، ومع تجاوز أعداد المعتقلين للطاقة الاستيعابية للسجن، ترفض السلطة القضائية للجمهورية الإسلامية قبول الكفالات لإطلاق السراح المؤقت للمتظاهرين لحين موعد محاكمتهم.
تحدي سجناء "العملة" وسجناء "القضايا العامة"
لطالما حُرم نزلاء سجن طهران الكبير من أبسط حقوقهم، لكن مع زيادة أعداد المحبوسين عقب الانتفاضة الوطنية للإيرانيين، تفاقمت هذه الأزمة بشكل حاد.
وقبل رأس السنة الإيرانية (النوروز)، كان سجنا طهران الكبير وإيفين هما اللذان يستقبلان معتقلي العاصمة.
وكان عدد من المتظاهرين المحتجزين في معتقلات أمنية غير معروفة (مثل معتقل 1-ألف) يُنقلون بعد فترة إلى سجن طهران الكبير نظراً لسعته الكبرى.
وفي تلك الأسابيع، امتلأ سجن "إيفين" أيضاً، فنُقل بعض سجنائه إلى سجن طهران الكبير.
أدت كل هذه العوامل إلى تجاوز أعداد السجناء للمساحة المتاحة بكثير، ليرتد ذلك بظروف أكثر مأساوية على المتظاهرين المعتقلين.
وقال أحد الأشخاص الذين اعتُقلوا مؤخرًا، ونُقلوا إلى سجن طهران الكبير لـ "إيران إنترناشيونال"، إن النظام القضائي خصص قبل النوروز ثلاثة عنابر (1 و2 و4) من الجناح السادس لـ "أطفال الاحتجاجات".
ووفقًا له، كانت الكلمة المفتاحية التي يطلقها النظام القضائي على هؤلاء المتظاهرين هي "الأرزي" (سجناء قضايا العملة والأزمات الاقتصادية).
وليس واضحاً بدقة لماذا يخاطب مسؤولو السلطة القضائية متظاهري الاحتجاجات الشعبية الأخيرة المعتقلين بهذا المصطلح.
وفي أيام الاعتقالات الواسعة تلك، تم تسكين "الأرزيين" في العنابر الثلاثة التي كانت مخصصة سابقاً لسجناء ارتكبوا جرائم مثل "تعاطي المخدرات" أو "السرقة".
وفي سجن "إيفين"، يتولى السجناء السياسيون أو المتظاهرون أنفسهم عادةً مسؤولية إدارة العنبر.
أما في هذه العنابر الثلاثة بسجن طهران الكبير، فإن "وكيل العنبر" (المشرف) والمسؤولين عن النظام ليسوا من المتظاهرين المعتقلين، بل يتولى الإدارة أشخاص متهمون بالسرقة والمخدرات، والذين يُطلق عليهم في أدبيات السجن اسم "الشعبيئي" (سجناء القضايا العامة والجنائية).
وأوضح أحد شهود العيان: «بعض هؤلاء الجنائيين لم يكن لديهم استيعاب لطبيعة الاحتجاجات الشعبية الأخيرة وحتى لو قالوا لفظياً للمتظاهرين (نحن نحميكم)، فإنهم في الممارسة العملية كانوا يتعاملون معهم بأسلوب سيئ ومهين ويدخلون معهم في مشاجرات، وكان ضابط الخفر بالطبع يساندهم».
وبحسب قوله: «كانت هذه الفئة من السجناء الجنائيين تحيك المؤامرات أحياناً لقتل أحد المعتقلين».
وأكد الشاهد أنه في إحدى المرات، أثار السجناء الجنائيون شجاراً كبيراً وقاموا بطعن اثنين من المتظاهرين بالسكاكين، مما أدى إلى إصابة يد أحدهما بجروح بالغة وخطيرة.
وشدد شاهد العيان، في ختام حديثه، على أن معظم المعتقلين هم من الشباب صغار السن، وأن مواجهتهم لهذه الأجواء القاسية وضعتهم في ظروف نفسية سيئة للغاية.
قضت الحرب على آفاق النمو الضعيفة أصلاً في إيران. فالاقتصاد ينكمش في وقت ترتفع فيه الأسعار بأحد أسرع المعدلات في المنطقة، ما يجبر الأسر الإيرانية على تحمل أعباء الحرب والعقوبات وسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، بتراجع فرص العمل، وانخفاض الدخول، وانهيار القدرة الشرائية.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6.1 في المائة خلال عام 2026، بعد انكماش يُقدَّر بـ 1.5 في المائة في العام الماضي. كما يُتوقع أن يرتفع متوسط تضخم أسعار المستهلك، الذي تجاوز بالفعل 50 في المائة في عام 2025، إلى 68.9 في المائة.
ويكتسب اجتماع هذين المؤشرين أهمية أكبر من كل منهما على حدة؛ فالركود يعني أن الاقتصاد ينتج أقل، وأن الشركات تبيع أقل، وأن فرص العمل والاستثمار تتقلص، بينما يعني تضخم يقترب من 70 في المائة أن ما يتبقى من الدخل يفقد قيمته بوتيرة استثنائية.
وبالنسبة لكثير من الإيرانيين، أصبحت الرواتب بالكاد تكفي لتغطية نفقات الغذاء.
أما الأسر الإيرانية، فتتعرض لضغط مزدوج: فرص أقل لكسب المال، وقدرة شرائية أضعف بكثير حتى بعد الحصول على الدخل.
ويتضح حجم التدهور أيضًا في مراجعة صندوق النقد الدولي لتوقعاته. فقبل ثلاثة أشهر فقط، كان يتوقع أن يحقق الاقتصاد الإيراني نموًا متواضعًا يبلغ نحو 1.1 في المائة، لكنه خفض تقديراته الآن بمقدار 7.2 نقاط مئوية إلى انكماش بنسبة 6.1 في المائة، في واحدة من أكبر المراجعات السلبية في التقرير.
وقال الصندوق: «تم خفض توقعات نمو إيران في عام 2026 بمقدار 7.2 نقاط مئوية مقارنة بتوقعات يناير، لتصل إلى سالب 6.1 في المائة».
ويربط الصندوق هذا التراجع بالأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة والنقل، وانخفاض الإنتاج والصادرات، والاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز. ويضع إيران إلى جانب العراق وقطر والكويت والبحرين ضمن الاقتصادات الإقليمية الأكثر تعرضًا لتداعيات الصراع.
ومن المتوقع أن يمتد التراجع إلى سوق العمل، إذ يُنتظر أن يرتفع معدل البطالة من 8 في المائة إلى 9.2 في المائة، رغم أن هذا الرقم لا يعكس سوى جزء من الضغوط في اقتصاد تنتشر فيه العمالة غير الرسمية، والبطالة المقنعة، وتراجع الأجور الحقيقية.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ متوسط التضخم خلال العام 68.9 في المائة، بينما يصل معدل التضخم بنهاية العام إلى 48.7 في المائة. ويشير هذا الفارق إلى احتمال تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار في وقت لاحق من العام، لكن ليس بالقدر الكافي لاستعادة أي مستوى قريب من الاستقرار السعري.
كما أن انخفاض معدل التضخم لا يعني تراجع الأسعار، إذ ستواصل الارتفاع بوتيرة سريعة انطلاقًا من مستويات مرتفعة أصلًا، ما يجعل الغذاء والسكن والاحتياجات الأساسية الأخرى أكثر بعدًا عن متناول الأسر التي لم تواكب أجورها ارتفاع الأسعار.
وتُظهر المقارنات الإقليمية حجم الأزمة الإيرانية بصورة أوضح؛ فمن المتوقع أن تحقق السعودية والإمارات نموًا اقتصاديًا بنسبة 3.1 في المائة لكل منهما، بينما يُنتظر أن ينمو اقتصاد سلطنة عُمان بنسبة 3.5 في المائة. وفي المقابل، يُتوقع أن تبلغ معدلات التضخم فيها 2.3 في المائة و2.5 في المائة و1.7 في المائة على التوالي.
أما قطر والعراق، فمن المتوقع أن يشهدا انكماشًا أكبر يبلغ 8.6 في المائة و6.8 في المائة على التوالي، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الأضرار والاضطرابات التي طالت إنتاج الطاقة، إلا أن التضخم فيهما سيظل قريبًا من 3 في المائة إلى 4 في المائة. وتكمن خصوصية الأزمة الإيرانية في أنها تجمع بين ركود اقتصادي فرضته الحرب ومشكلة تضخم متجذرة كانت قائمة قبل اندلاع القتال.
وتقدم تركيا مقارنة أخرى؛ فرغم سنوات التضخم المرتفع، لا يزال صندوق النقد الدولي يتوقع نمو اقتصادها بنسبة 3.4 في المائة في عام 2026، مع متوسط تضخم يبلغ 28.6 في المائة. أما في إيران، فيزيد التضخم على ضعفي هذا المستوى، بينما يتجه الاقتصاد في الاتجاه المعاكس بانكماش حاد.
كما يزداد ضعف الوضع الخارجي لإيران، إذ يُتوقع أن يتحول الحساب الجاري من فائض يعادل 0.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى عجز يبلغ 1.8 في المائة.
وبالنسبة لدولة تُعد من كبار منتجي النفط والغاز، فإن هذا التحول يعكس خسائر في عائدات الصادرات، وتراجعًا في الإنتاج، وانخفاضًا في إمكانية الوصول إلى العملات الأجنبية. وفي المقابل، يُتوقع أن تحتفظ الإمارات بفائض يبلغ 11.4 في المائة، وقطر 11 في المائة، وسلطنة عُمان 7.5 في المائة، ما يمنح هذه الدول هوامش مالية أكبر بكثير.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بحذر، إذ تعتمد بيانات صندوق النقد الدولي الخاصة بإيران جزئيًا على المعلومات التي تقدمها المؤسسات المالية والنقدية التابعة للنظام الإيراني، إضافة إلى تقديرات خبراء الصندوق في الحالات التي تكون فيها البيانات غير مكتملة.
ولا يعكس ذلك بالكامل ضعف سعر صرف العملة الإيرانية في السوق الحرة، إذ لا يزال سعر الصرف المعتمد في نظام «نيما» يبالغ في قيمة العملة الإيرانية مقارنة بالسوق، حيث يبلغ سعر الدولار نحو 1.48 مليون ريال وفق «نيما»، مقابل نحو 1.78 مليون ريال في السوق الحرة.
ولا تقتصر الأضرار على إيران وحدها، إذ يقول صندوق النقد الدولي إن الضربات التي استهدفت حقل غاز «بارس الجنوبي» قلصت بشكل كبير فرص التعافي السريع لإمدادات الغاز الإقليمية، وتلتها هجمات إيرانية على منشآت الطاقة في الدول الخليجية، بما في ذلك مجمع رأس لفان في قطر.
كما ارتفعت الأسعار المرجعية للغاز في أوروبا بنسبة 61 في المائة بين أغسطس (آب) 2025 ومارس (آذار) 2026، في حين قفزت أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا بأكثر من 80 في المائة.
ولا يزال السيناريو الأساسي لصندوق النقد الدولي يفترض أن يكون النزاع قصير الأمد نسبيًا، وأن يعود الإنتاج والنقل تدريجيًا إلى طبيعته. ووفق هذا السيناريو، سيتباطأ النمو العالمي إلى 3.1 في المائة، بينما سيرتفع التضخم إلى 4.4 في المائة. لكن التقرير يحذر من أن استمرار الاضطرابات لفترة أطول قد يخفض النمو العالمي إلى نحو 2 في المائة ويرفع التضخم إلى قرابة 6 في المائة.
وينطبق هذا التحذير بصورة أشد على إيران؛ فالتوقع بانكماش الاقتصاد بنسبة 6.1 في المائة لا يمثل أسوأ السيناريوهات المحتملة، بل يستند إلى افتراض أن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الحرب ستبدأ بالتراجع تدريجيًا.
ارتبطت حصيلة 36 عامًا من حكم علي خامنئي، بصفته المرشد الأعلى للنظام الإيراني بقضيتين أساسيتين: الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والإضرار بالأمن والمصالح الوطنية لإيران.
فمن الناشطين السياسيين والكتّاب والصحافيين إلى النشطاء الطلابيين والنقابيين من العمال والمعلمين، ومن أبناء الطائفة السُّنَّية والبهائيين والدراويش الجنابادية (إحدى الطرق الصوفية الشيعية في إيران) إلى الفنانين ورجال القانون، ومن الرياضيين إلى المتقاعدين والمزارعين، تعرضت شرائح اجتماعية مختلفة، طوال 36 عامًا من حكم المرشد الإيراني الراحل، لإجراءات أمنية وقمعية وسياسات قمع ممنهجة.
كما يُعد فرض القيود على لباس النساء، والسعي لفرض الحجاب الإجباري، واستخدام العنف ضد النساء، إضافة إلى القمع الدموي للمحتجين خلال حركة «المرأة، الحياة، الحرية»، شاهدًا بارزًا آخر على هذا النهج.
أما ذروة الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان في إيران، فتمثلت في إطلاق القوات العسكرية والأمنية الإيرانية الرصاص الحي والمباشر على عشرات الآلاف من المواطنين المحتجين في شهري ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، وهي المجزرة التي نُفذت بأمر وإشراف مباشر من خامنئي.
حروب علي خامنئي ضد إيران والإيرانيين
لم يقتصر الانتهاك الواسع للحقوق الأساسية والمدنية للمواطنين الإيرانيين على هذا القمع العنيف والأمني الفج.
فقد أدت 36 عاماً من حكم خامنئي، ومشاریعه القائمة على الأوهام، وسياساته المناهضة للمصالح الوطنية، إلى تفاقم التضخم، والفقر، والبطالة، وسوء التغذية، والفجوة الطبقية، والعديد من الآفات الاجتماعية؛ بما في ذلك انتشار الانفلات الأمني، والسرقة، والإدمان، والدعارة في إيران.
وعلاوة على ذلك، فإن تراجع الرفاهية والقدرة الاقتصادية للبلاد، فضلاً عن إضعاف القوة الوطنية والمكانة السياسية لإيران في المنطقة بسبب سياسات خامنئي المؤججة للحروب، لم يكن له من نتيجة أو معنى سوى العمل ضد أمن إيران ومصالحها الوطنية؛ وهي التهمة نفسها التي كانت على مدار 36 عاماً من حكمه ذريعة للملاحقات القضائية والأمنية، واعتقال وسجن الناشطين السياسيين، والحقوقيين، والصحافيين، وحتى النقابيين.
وبصرف النظر عن ذلك، فإن البرامج الصاروخية والنووية الإيرانية الباهظة التكلفة، إلى جانب تنظيم وتدريب وتسليح الفصائل الإقليمية التابعة للحرس الثوري، جرت كلها بتوجيه وأوامر مباشرة من خامنئي. وهي مشاريع بددت مئات المليارات من الدولارات من ثروات ورساميل الشعب الإيراني بشكل مباشر، وتسببت في خسائر غير مباشرة تقدر بآلاف المليارات من الدولارات.
لقد كان استثماراً فلكياً تم دون أي رقابة من الممثلين الحقيقيين للشعب في البرلمان، ودون إتاحة الفرصة للنقد في وسائل الإعلام المحلية، مما أدى في النهاية إلى حصاد لم يثمر أي منفعة للبلاد والإيرانيين، بل صب بلا شك في ضرر الأمن والمصالح الوطنية لإيران.
إن وفاة حاكم، ارتبط اسمه بكل هذه التداعيات والخسائر، تعني زوال أحد أبرز المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وإزالة تهديد كبير للأمن والمصالح الوطنية لإيران.